حلب ليست سوريا

الخميس 2016/10/27

لا تكاد مدينة حلب تغيب عن الحضور في أي من الاجتماعات الدولية والمؤتمرات التي تعقد هنا وهناك لمناقشة ما بات يعرف عالميا بالأزمة السورية، بل إن المدينة المنكوبة تحولت إلى ورقة ضغط في أيدي الساسة الدوليين يشهرونها في وجه عدوهم المشترك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي صار يؤرقهم بسبب تجاوزاته لا في سوريا فقط، ولكن في كل مكان تصل إليه أحلامه باستعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية الغابرة.

وقد بدا الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مؤخرا غاضبا وهو يعلن أن “كل الخيارات مفتوحة”، ويلوّح باللجوء إلى حلول استثنائية لحل هذه المعضلة، وهو أمر ليس مستبعدا، خاصة إذا ما علمنا أن ثمة شبه إجماع دولي على ضرورة التحرك لسحب ورقة حلب من يد روسيا، والتي تستخدمها بالمقابل كورقة ضغط تريد من خلالها فرض أمرها الواقع على عموم السوريين والمجتمع الدولي استطرادا، بالإبقاء على رجلها المفضل جالسا على كرسي الحكم في دمشق، رغم المطالبات الدولية بضرورة تنحّيه عن السلطة لإفساح المجال أمام حل سياسي طال انتظاره.

وقد خيّرت روسيا مؤخرا العالم ما بين نظام دمشق وبين جبهة “فتح الشام” (النصرة سابقا)، وهي تدرك تماما مقدار القلق من فكرة وصول قوة إسلامية متشددة إلى سدة الحكم في سوريا، وما يمثله ذلك من زيادة تمزيق ما تبقى من الدولة السورية، والأخطار التي سيجلبها على المنطقة والعالم، على الرغم من أن هذا الاحتمال غير وارد على الإطلاق، أقله بسبب وجود رفض شعبي حتى في المناطق الخاضعة لسيطرة الجبهة المذكورة. وقد سجلت العشرات من حالات التمرد ضد الجماعات الإسلامية المتشددة وقمعت بقوة السلاح، ثم إن جبهة “فتح الشام” ورغم الهالة الإعلامية التي اكتسبتها، ومحاولة إظهارها على أنها القوة الوحيدة على الأرض، وهي الفكرة التي تجتهد روسيا كثيرا في العمل على تسويقها، إلا أن ذلك يناقض الواقع كليا، فهي واحدة من العشرات من الفصائل، وبعضها فصائل ثورية تختلف كليا عن الجبهة ولا تتفق معها على الإطلاق.

وفي غمرة هذا الانشغال الدولي بمدينة حلب ومناقشة مآلات الأوضاع فيها، يجري في الكواليس ترتيب “سوريا المفيدة” بعيدا عن الأضواء، إذ لا يكاد القصف والحصار يتوقفان عن مدن محافظة ريف دمشق الخارجة بشكل شبه كلي عن سيطرة النظام، والتي يتم إفراغها شيئا فشيئا، ويبدو أن الدور قد حان على مدن الغوطة الشرقية وخاصة دوما وحرستا بعد أن تمت السيطرة على كل من داريا والمعضمية، ومن بعدهما قدسيا والهامة، وكل ذلك بهدف خلق حزام آمن حول العاصمة، التي يمكن التأكيد على أن كلا من موسكو وطهران، على وجه الخصوص، تقبضان عليها بشكل كامل ولن تسمحا بالتفريط فيها أبدا، وهما تدركان أن ما يجري خارج أسوار دمشق دون أن ننسى اللاذقية وطرطوس بطبيعة الحال، أيا كان شكله ومضمونه، لن يؤثر على بقائهما واستمرارهما، بل ربما يكون مفيدا لمشروعهما المستقبلي المشترك في البقاء ورسم مخطط التقسيم. حتى أن موسكو ومن خلال إصرارها على تنفيذ خطتها في حلب تبدو كمن يصرف الانتباه عن الخطر الأكبر شرق البلاد، والمتمثل في وجود تنظيم داعش في محافظتي دير الزور والرقة، الذي لا تبدو الإدارة الروسية ومن خلفها نظام دمشق معنيين أصلا بمحاربته والتخلص منه، وما الحديث الذي لا ينفك النظام عن تكراره حول استعادة سوريا كاملة سوى ذر للرماد في العيون، وهو يصلح للتسويق الإعلامي لا أكثر، وخاصة بعدما أثبت النظام وخلال السنوات الخمس الماضية أنه ليس نظاما وطنيا يكترث بالدولة السورية، وأن جل ما يعنيه هو الحفاظ على كرسي الحكم أيا تكن الخسائر التي سوف يتسبب فيها للشعب وللجغرافيا السورية.

وبالعودة إلى حلب فقد أعلنت موسكو أنها لن تمنح أهل المدينة المحاصرين هدنة جديدة، وتمكن المراهنة على أنها تنتظر بفارغ الصبر انطلاق معركة حلب الكبرى التي توعـدت فصائل الثوار وكتائب المعارضة بإطلاقها لرفع الحصار للمرة الثانية عن مدينة حلب، بعد أن تمكنت من رفعه بداية شهر أغسطس الماضي، لأن تلك المعركة في حال إطلاقها سوف تمكنها من دكّ ما تبقى من المدينة وتحويلها إلى “غروزني جديدة”، وهي بلا شك تمتلك الخبرة الكـافية لفعل ذلك.

كاتب سوري

9