حلب والنظام العالمي الجديد

السبت 2016/12/03

تحشد روسيا إمكانيات عسكرية ضخمة في عدوانها على مدينة حلب، المدينة التي تبدو كحلقة في سلسلة مواجهات عسكرية وسياسية عزمت روسيا على خوضها لتحسين موقعها على الصعيد العالمي وصياغة نظام عالمي جديد.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي شهدت أكبر قدر من التدمير في تاريخ البشرية، وصف رئيس الوزراء البريطاني الشهير ونستون تشرشل أوروبا بأنها “كومة من الأنقاض، ومقبرة، وأرض خصبة للأوبئة والكراهية”. بهذه الكلمات أيضا يمكن وصف مدينة حلب السورية، وهي تشهد اليوم حملة إبادة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية.

تسببت الضربات الجوية الروسية شديدة التدمير بنحو ستمئة قتيل من المدنيين المحاصرين في حلب خلال أسبوع واحد فقط. وحشية منفلتة ودمار واسع يشبهان إلى حد بعيد الدمار والموت اللذين ألحقتهما النازية الألمانية بعدد من المدن الأوروبية في الحرب العالمية الثانية. ففي وصف ما فعله النازيون في عاصمة بولندا وارسو، كتب الصحافي الأميركي جون هيرشي يقول “دمروا المدينة بصورة منهجية، شارعا شارعا، وزقاقا زقاقا، ومنزلا منزلا، ولم يبقَ سوى الخراب”.

لم تسفر الحرب العالمية الثانية عن مقتل الملايين من المدنيين فقط، إذ أسفرت أيضا عن موت النظام العالمي القديم الذي هيمنت عليه أوروبا الغربية لقرون طويلة وخصوصا بريطانيا.

على أنقاض تلك الحرب الوحشية، برزت قوتان فتيتان؛ إحداهما الاتحاد السوفييتي الذي أخذ ينمو ودخل في سباق تطور وتسليح مع الولايات المتحدة الأميركية. ونجح الاتحاد السوفييتي في الوصول إلى لحظة التوازن العسكري والسياسي مع أميركا وذلك بتطويره للسلاح النووي والصواريخ البالستية في العام 1960. أرسى ذلك توازنا عالميا استراتيجيا استمر لثلاثة عقود، وتلاشى بسقوط الاتحاد السوفييتي لتهيمن الولايات المتحدة بصورة منفردة على العالم.

وكذلك الحال مع مدينة حلب، إذ تبدو إحدى أعرق مدن الشرق الأوسط ضحية ولادة نظام عالمي جديد تتراجع فيه القوة الأميركية وتتقدم فيه القوة الروسية. لطالما تسببت عملية تغير العلاقات الدولية والنظام العالمي بسلسلة من الحروب والجرائم الموصوفة بحق المدنيين.

حدث ذلك في القارة الأوروبية في منتصف القرن الماضي، ويحدث اليوم في حلبة مصارعة جديدة أريد لها أن تكون خارج القارة العجوز. تبدو مدينة حلب، وقبلها أوكرانيا، كميدان تختبر فيه روسيا رغبتها المتوحشة بالتوسع العسكري وتغيير النظام القديم.

ليس مؤكدا أننا قد عدنا إلى مرحلة الحرب الباردة. فإن كانت روسيا قد حسمت خياراتها بخوض حرب باردة، لا يبدو أن الولايات المتحدة مع باراك أوباما قد رسمت إستراتيجيتها الواضحة لمواجهة روسيا، باستثناء الإصرار التقليدي على تعزيز نفوذها في أوروبا الشرقية.

وبسبب غياب تلك الإستراتيجية، تعرض الرئيس الأميركي لنقد متزايد من الجمهوريين وصل إلى اعتبار أنه قد فشل في مواجهة روسيا. وللمفارقة، فإن الرئيس الجمهوري المنتخب دونالد ترامب لم يتردد في عدة مناسبات في إبداء إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين مفضلا طريق التعاون على المواجهة.

لا يمكن بالطبع أخذ كل كلام ترامب على محمل الجد، وخصوصا أنه صادر خلال الحملة الانتخابية، غير أن تقاعس إدارة أوباما لسنوات طويلة عن مواجهة روسيا، وكلام ترامب المثير للجدل قد يشيران إلى إقرار أميركي بلحظة توازن عالمي جديد مع روسيا، يشبه ذلك الذي حدث في العام 1960 وقاد إلى مفاوضات مع الاتحاد السوفييتي للحد من الأسلحة.

يمكن استنتاج ذلك أيضا بتشبث روسيا بدعم بشار الأسد، ومن ثم تصعيد تواجدها العسكري في سوريا، وصولا إلى الانخراط الكبير واستخدام كل إمكانياتها العسكرية في مدينة حلب. إذ يحدث ذلك في منطقة تعتبر تحت النفوذ الأميركي منذ العام 1990 عندما قادت حرب تحرير الكويت، وصولا إلى غزو أفغانستان والعراق في العام 2003.

قد يهدد ضعف هيمنة موسكو الاقتصادية على مستوى العالم طموحها بتغيير النظام العالمي. فعندما هيمنت أميركا على النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، كانت تنتج ما يقارب نصف الإنتاج العالمي وهو ما كان يدعم قدرتها العسكرية. اليوم، تراجعت أميركا لتنتج أقل من ربع الإنتاج العالمي، ولكنها لا تزال تحتل المرتبة الأولى عالميا فيما تحتل موسكو المرتبة العاشرة.

ولكن روسيا دولة مترامية الأطراف تمتلك موارد بشرية وطبيعية ضخمة تساعدها، بكل تأكيد، على شن الحروب رغم تواضع إنتاجها الاقتصادي وعدم تنوع مصادره. كما تملك موسكو القيادة المتحفزة لإنجاز المهمة. فمنذ تولي الرجل القوي، فلاديمير بوتين، لمقاليد السلطة وهو يعمل على إعادة التماسك للدولة الهشة والخروج من حالة التقوقع والدفاع إلى حالة التوسع.

لقد حفزت تلك العوامل موسكو على انتهاج سياسة هجومية عدوانية لا تكترث بتوازن القوى الحقيقي في العالم وإنما بضرورة تغييره، أما طريق التغيير فيبدو أنه، وفق حسابات فلاديمير بوتين، يمر من مدينة حلب، وفوق جثث من تبقى محاصرا من سكانها.

كاتب فلسطيني سوري

8