حلفاء جدد للمغرب لتعميق شرعية الحكم الذاتي في الصحراء

كشفت تقارير صدرت مؤخرا عن الخارجية الأميركية نبرة تهديد مبطنة للمغرب تؤكد أن ملف الصحراء سوف يكون مدخلا لبعض القوى الدولية للمس من الوحدة الترابية للبلاد وتقسيمها بتعلة حق سكان الصحراء في تقرير المصير. هذه النبرة ليست بمعزل عن تردد بعض القوى الأوروبية في اتخاذ موقف يحفظ وحدة المغرب، بل إن بعضها متورط في إثارة العنف، الأمر الذي دفع الدبلوماسية المغربية إلى الاتجاه نحو حلفاء دوليين جدد لضمان سلامة وأمن الدولة ووحدتها الترابية.
الاثنين 2016/05/16
تبادل أوراق جديدة

الرباط- في غياب نظام إقليمي قوي وموحد وعدم وثوقية تامة في مواقف بعض الحلفاء منهم أميركا، استطاع المغرب أن يمر إلى السرعة القصوى في مستوى تدبير تحالفاته للدفاع عن مصالحه الاستراتيجية السياسية والاقتصادية وعلى كل الأصعدة التي من بينها قضية الصحراء.

وللإجابة عن سؤال تحالفات المغرب في بيئة غير مستقرة، وحول المتغير والثابت في علاقات المغرب مع فرنسا وأسبانيا، سارعت المملكة إلى تغيير تكتيكي في ربط المصالح مباشرة مع كل من روسيا والصين، فملف الصحراء الذي يعتبره المغاربة الملف الأول بالمملكة، يعيد إلى الأذهان دائما كيفية استفادة المغرب من تشابك علاقاته الخارجية في تعطيل مشروع قرار الولايات المتحدة الأميركية الذي كان يقضي بإعادة عاجلة ودون شروط للمكون السياسي لبعثة المينورسو التي لا يخلو سجلها من العبث بالأمن القومي المغربي.

تحالفات عابرة للحدود

سؤال التحالفات المغربية يستدعي شرح الأبعاد الجديدة للزيارتين الأخيرتين للعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى كل من روسيا والصين. فهاتان الزيارتان لم تكونا سوى إشارتين قويتين على وجود تنوع في الخيارات الدولية أمام المغرب لتحكمٍ أمثلَ في المصالح ولفرض السيادة على الأرض وضمان وحدة الدولة. هذه الاستفسارات المتداخلة قال بخصوصها سعيد الصديقي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة العين بأبوظبي في حديثه لـ“العرب”، إن المغرب استطاع إلى حدّ كبير خلال الأشهر الأخيرة تعبئة حلفائه من مختلف المحاور الجيوسياسية لدعم موقفه من قضية الصحراء، موضحا أن هذه القضية شكلت محور أجندة زيارات الملك إلى مختلف الدول وآخرها الصين الشعبية.

عدد من المراقبين يؤكدون أنه على المغرب كسب أعضاء مجلس الأمن بما فيهم روسيا رغم تحذيرهم من عدم جاهزيتها للتفريط في الشريك الجزائري

وداخل إطار التحالف الاستراتيجي الذي يربط المغرب ودول مجلس التعاون الخليجي، شدد المغرب في القمة المغربية الخليجية في الـ20 من أبريل الماضي، على دعمه اللامشروط للرباط في قضية الصحراء، وعلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين دول الخليج والمغرب، وتنسيق المواقف في مواجهة التحديات والتهديدات التي تواجهها المنطقة العربية، وفي هذا الخصوص قال المحلل السياسي سعيد الصديقي، إن دول مجلس التعاون الخليجي تعتبر نقطة ارتكاز مهمة في هذه الجهود الدبلوماسية المغربية للدفاع عن مصالحه دون استثناء.

وأكد العاهل المغربي أثناء مشاركته في ذات القمة بالرياض، على اتجاه المغرب إلى تنويع شراكاته الاستراتيجية، مشيرا إلى أن زيارته إلى روسيا في مارس الماضي والزيارة التي قام بها إلى الصين أثمرتا توقيع عدة اتفاقيات مهمة.

هذا الاتجاه الذي سلكه المغرب يعزز رؤية بعيدة المدى تقول بعدم التركيز في العلاقات الخارجية على حليف واحد بعينه، بل الذهاب في خطة تنويع الشركاء لتوسيع وعاء المكاسب. والواضح أن المغرب لم يعلن بتاتا عن فك ارتباطه بحلفائه التقليديين بل صرح بأنه يعمل على تنويع علاقاته مع دول أخرى لتخفيف الضغط عليه في تدبيره لمخرجات التوازنات الدولية المضطربة ودفع تأثيراتها السلبية على قضاياه المصيرية ومن ضمنها ملف الصحراء سياسيا وتنمويا واقتصاديا وأيضا الملف الزراعي.

وبخصوص مدى نجاح الرباط في استثمار شبكة تحالفاتها في تحييد الضغوطات الممارسة على مسار ملف قضية الصحراء داخل مجلس الأمن، خصوصا قرار المجلس في الـ29 من أبريل الماضي، أكد الصديقي لـ“العرب” أن المغرب استطاع في الجولة الأخيرة داخل مجلس الأمن كسب الشريك الروسي ولو بامتناعه عن التصويت، ونجح كذلك في التخفيف من قوة الضربة التي كانت تصاغ ضده من طرف الولايات المتحدة الأميركية.

سعيد الصديقي: المغرب عبأ حلفاء من مختلف المحاور الجيوسياسية لدعم موقفه في قضية الصحراء

ويؤكد عدد من المراقبين أنه على المغرب كسب أعضاء مجلس الأمن بما فيهم روسيا رغم تحذيرهم من عدم جاهزيتها للتفريط في الشريك الجزائري المساند الرسمي لبوليساريو، وهنا يقفز سؤال الأوراق التي يجب لعبها في تحييد صوت روسيا أو كسبه داخل مجلس الأمن. وفي السياق، يقول أنس مشيشي الباحث في العلوم السياسية بجامعة فاس في حديثه لـ“العرب” إن تحييد الموقف الروسي في قضية الصحراء ليس سهلا ولا بدّ أن يتم بوسيلتين: أولاهما، تشبيك المصالح الاقتصادية بين البلدين، والثانية أنه يجب أن تأخذ روسيا حصتها في واردات المغرب من السلاح بدل احتكار السوق المغربية من طرف فرنسا وأميركا وبدرجة أقل أسبانيا.

تشبيك التحالفات

لا تزال التساؤلات بخصوص ثنائية اليمين واليسار في فرنسا ومدى تأثيرها في تشبيك التحالف مع المغرب، فموقف باريس في مجلس الأمن الداعم للمغرب في قضية الصحراء أصبح متذبذبا على غير العادة التي عرف بها الفرنسيون بأنهم يولون أهمية للبراغماتية الاقتصادية والسياسية بخصوص هذا الملف أكثر من الشق الأيديولوجي، حيث ظلت فرنسا دائما داعما أساسيا للمغرب في قضية الصحراء ولا سيما خلال حكم اليمين.

وما يميز المساندة الفرنسية الأخيرة في مجلس الأمن، حسب الأستاذ سعيد الصديقي، هو أنها جاءت في ظل حكم اليسار، وهذا ما يعني إلى حدّ ما أن الزيارات التي قام بها الملك إلى هذا البلد ولقاءاته بالرئيس فرونسوا هولاند قد أدت إلى نتائج جيدة للدبلوماسية المغربية. وليس سرا أن أسبانيا تتحمل مسؤولية تاريخية في قضية الصحراء، على اعتبار أنها كانت تحتل إقليم الصحراء الذي استعاده المغرب منها في العام 1975، وقد دأبت على التعبير عن نوع من الحياد وأحيانا توظيف التناقضات السياسية في المنطقة لخدمة مصالحها، وعن موقفها الأخير في مجلس الأمن قال سعيد الصديقي في حديثه لـ”العرب” إنه يمكن تفسير ذلك بالتحركات الدبلوماسية الأخيرة للمغرب، وتعبيره عن مواقف حازمة في كل ما يتصل بهذه القضية.

مكاسب المغرب لا تقتصر على الجانب الاستراتيجي فقط، فقد أصبح للاقتصاد الدور المحوري في تشبيك المصالح الدولية

أوراق المغرب

من المعلوم أن المملكة المغربية أصبحت قوة مهمة وتمتلك عدة مقومات في مقارعة الإرهاب وتطويق خلاياه، الشيء الذي جعل منها شريكا مطلوبا لدى مجموعة من الدول الغربية وغيرها نظرا لخبرة أجهزته الأمنية في التعامل مع مخلفات الظاهرة ومساهمتها في المحافظة على الأمن المتوسطي.

وحول استثمار الرباط لهذه الورقة في تدبير تحالفاته لدعم موقفه في ملف الصحراء، أكد الصديقي أن “المغرب يستعمل الورقة الأمنية بإتقان ولا سيما مع دول الجوار المتوسطي كفرنسا وأسبانيا وبلجيكا، كما أن العامل الاقتصادي والتجاري يظل مؤثرا في السياسة الخارجية الفرنسية والأسبانية تجاه المغرب خاصة خلال السنوات الأخيرة التي تمر فيها الدول الأوربية بأزمة اقتصادية غير مسبوقة”.

ولا بد لحركة المغرب في تنويع الشركاء الاستراتيجيين من مكاسب متنوعة على المدى القريب والمتوسط داخل رقعة شطرنج دولية متنوعة وسريعة التحرك، وفي هذا الصدد قال عباس بوغالم أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الأول بوجدة، في تصريح لـ”العرب”، إن هناك مكاسب ذات طبيعة استراتيجية متمثلة في تعزيز الحضور المغربي دوليا باعتباره حلقة مركزية ونقطة ارتكاز بالنسبة لكافة الاقطاب الدوليين، مضيفا أن ذلك سيساهم في تعزيز مكانة المغرب كحلقة وصل في فضاء رباعي الأبعاد، شمالا مع دول الاتحاد الأوروبي، غربا مع الولايات المتحدة الأميركية، شرقا مع الدول الآسيوية، وجنوبا مع أفريقيا جنوب الصحراء.

الهند والصين وروسيا شركاء جدد لدعم سياسي أقوى

وفي هذا الخضم وحول مكاسب تدبير المغرب لتحالفاته، قال أنس المشيشي، إن المغرب ركز كثيرا على تنويع شركائه الدوليين بمنطق المصالح المشتركة وأعطى الأولوية لتأسيس مصالح اقتصادية قوية بينه وبين الدول العظمى أو الصاعدة. وأكد المشيشي، أن استراتيجية المغرب في تنويع شركائه الاستراتيجيين بناء على مصالح اقتصادية ستكون لها دون شك آثارا إيجابية على قضاياه العادلة داخل المنتظم الدولي، وعلى رأسها قضية الصحراء.

إن تنويع المغرب لتحالفاته سيجعل المغرب أكثر تحررا من ثقل الروابط التقليدية مع بعض الحلفاء التقليديين، ولا سيما دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، مما سيعطي للمغرب هامشا أوسع للتحرك في مواجهة بعض الضغوطات التي يتعرض لها المغرب من قبل حلفائه التقليديين كما حصل في الآونة الأخيرة بخصوص قضية الوحدة الترابية للمغرب.

ولا تقتصر مكاسب المغرب على الجانب الاستراتيجي فقط، فقد أصبح للاقتصاد الدور المحوري في تشبيك المصالح الدولية، وكان ضروريا أن ينفتح على فضاءات أخرى من خلال ثابت التنويع في مصادره الاقتصادية، ويؤكد عباس بوغالم لـ“العرب”، أن المغرب سيحقق مكاسب اقتصادية مهمة، من خلال جلب استثمارات أجنبية بديلة، لا سيما وأن المغرب بحكم موقعه الجيواستراتيجي راهن منذ العقد الأخير على أن يكون نقطة عبور للاستثمارات الأوروبية والأميركية، نحو أفريقيا جنوب الصحراء.

ولم يخفِ أستاذ العلوم السياسة، أن من شأن التحاق الصين والهند في إطار المصالح الاقتصادية المتبادلة أن يجعل من المغرب منصة اقتصادية ومالية لا بديل عنها نحو أفريقيا، مع العلم أن الصين على سبيل المثال تعد أول شريك للقارة الأفريقية حيث انتقل مجموع المبادلات الصينية مع أفريقيا إلى 200 مليار سنة 2014. وتشكل بذلك أبرز المنافسين الاقتصاديين للمغرب في إطار استراتجيته الجديدة نحو أفريقيا جنوب الصحراء.

ومن الناحية السياسية يمكن للمغرب في إطار استراتيجية تنويع تحالفاته الدولية أن يحقق مكاسب مهمة بالنظر إلى ترابط البعد الاقتصادي بالبعد السياسي، وبالتالي يؤكد عباس بوغالم أستاذ العلوم السياسية، لـ“العرب”، أن ربطه علاقات وطيدة مع الصين أو مع روسيا معززة بمصالح اقتصادية متبادلة سينعكس ولا شك على موقف الصين وروسيا تجاه قضية الوحدة الوطنية للمغرب، لا سيما وأن الصين وروسيا عضوان وازنان في مجلس الأمن.

اقرأ أيضا:

الخزان الأفريقي لداعش يبدأ في استهداف أمن المغرب

7