"حلف الفضول".. مكافحة متقدمة لذهنيات التطرف

عناصر المبادرة الحديثة لحلف الفضول تنطوي على مساع لتشكيل جبهة عالمية من رجال الدين تدعو إلى السلام، وترفض توظيف الدين في الحروب، وتبني جسورا مشتركة بين الديانات.
الأربعاء 2018/12/12
جسور مشتركة بين الديانات لصنع السلام

وضعت العديد من الدول والمجتمعات محاربة الأفكار المتطرفة هدفا تعمل في نطاقه وتسطر لذلك البرامج والآليات الضرورية لما لذلك من تداعيات سلبية تلقي بظلالها على السلم العالمي، حيث تسفر النزعة نحو التطرف عن صراعات بين الديانات والثقافات المختلفة. وفي هذا السياق استلهم منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة من مبادرة حلف الفضول، التي وردت في العصر الجاهلي، أسس التجربة الإنسانية التي ترتكز على قيم التسامح بين الأديان والتعايش السلمي.

القاهرة- تبعث المبادرة التي انطلقت من أبوظبي لتشكيل “حلف فضول” عالمي يستهدف ترسيخ قيم التعايش والتسامح بين الأديان، برسالة مضادة للذهنيات المتطرفة، التي تغذي الصراعات بين العالمين الإسلامي والغربي.

يعني استلهام تلك المبادرة لتجربة إنسانية في المنطقة العربية قبل مجيء الإسلام حول رد حقوق المظلومين، أن العالم يمكن أن يكون أكثر أمنا وسلاما إذا ارتكز على المشتركات الإنسانية التي تحث على مساندة حقوق الناس، مهما كان دينهم أو لونهم أو عرقهم، لأن رسول الإسلام محمد ذاته، ثمن ذلك الحلف ذاته، وما فيه من مكارم للأخلاق وفضائل للإنسانية.

تنطوي عناصر المبادرة الحديثة لحلف الفضول، التي برزت مؤخرا خلال فعاليات منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، على مساع لتشكيل جبهة عالمية من رجال الدين تدعو إلى السلام، وترفض توظيف الدين في الحروب، وتبني جسورا مشتركة بين الديانات لإظهار قوتها في صنع السلام والنماء، وجذب المختلفين لمواجهة التطرف والكراهية، وغيرهما.

تشكل تلك العناصر أحد مداخل مكافحة التصورات والمدركات السلبية المشكلة لذهنيات المتطرفين، في الدول الإسلامية والغربية، والتي خلفت وراءها عقدا نفسية لدى مجتمعات الجانبين، تعبر عن نفسها بين الحين والآخر في خطابات وسلوكيات متصادمة وعنيفة تتجاهل الجسور الإنسانية المشتركة التي تؤدي إلى التعايش وإحلال السلام في العالم.

تغذت تلك العقد النفسية على مصادر صراعية تراكمت لعقود طويلة، من قبيل عنف الحركات الدينية المتطرفة ضد المصالح الغربية، والتدخلات العسكرية الغربية للهيمنة على أمن وموارد الدول والمجتمعات الإسلامية، وصراع المصالح المتنافرة في القضايا العالمية (إسرائيل والقضية الفلسطينية)، بل والصراع الهوياتي والثقافي حول النماذج (الإسلام، الليبرالية، الاشتراكية) الأكثر قدرة على فرض نفسها على المجتمعات في العالم.

فخ الاستعلاء

من أبرز العقد النفسية للذهنيات المتطرفة في العالم الإسلامي “الاستعلاء الغربي”، فثمة مدرك شائع لديها بأن الغرب، الذي استطاع التفوق اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وتكنولوجيا، يمارس الاستعلاء على المسلمين وينظر إليهم نظرة دونية.

تختلف هنا التفسيرات لذلك التفوق الغربي وآثاره الاستعلائية، بين من يرجعه إلى طبيعة الفلسفة العلمانية الغربية وتجربتها الحداثية في التقدم الصناعي، وما تلاها من ثورة معلومات واتصالات، وآخرون يختزلونه في أنه مجرد نتاج لاستنزاف موارد المسلمين (الاستعمار القديم، غزو البلاد الإسلامية والسيطرة على مواردها، واختراق أنظمتهم السياسية، وهكذا).

ويجد هذا الفهم الاختزالي المبسط للتفوق الغربي تجليا في خطابات التنظيمات الإرهابية كداعش والقاعدة وغيرهما، حيث تتخذه تكأة لتبرير عنفها ضد الغرب الذي عادة ما تصفه في بياناتها بـ“الصليبي”.

تكرس عقدة الاستعلاء الغربي وغياب الندية مع العالم الإسلامي، من جهة، مشاعر التهميش والضعف في المجتمعات المسلمة أمام طوفان التغول الغربي، الذي ازداد مع انتشار العولمة واجتياجها للبلدان الإسلامية، بخلاف السياسات الغربية التي لا تولي أهمية لمصالح العالم الإسلامي (الانحياز الأميركي لإسرائيل)، وتسهم تلك العقدة، من جهة أخرى، في نشر فكر المؤامرة في المجتمعات المسلمة، باعتبارها وسيلة أقل كلفة من تحمل ألم تغيير واقع التخلف والفجوة المادية مع الغرب، أو كونها أسلوبا نفسيا دفاعيا عادة ما يلجأ إليه الضعفاء أمام المتفوق عليهم.

يغذي الفكر التآمري سياقات الكراهية لدى البعض من المتطرفين لكل ما هو غربي، على الرغم من مفارقة استهلاكهم لمنتجات التقدم العلمي التي أنتجتها الحضارات في أوروبا والولايات المتحدة، ولا يجد المتطرفون غضاضة في توظيف شبكة الإنترنت ووسائل الاتصالات الذكية وغيرهما في ممارسة العنف ضد المصالح الغربية.

الفكر التآمري يغذي الكراهية لدى المتطرفين تجاه كل ما هو غربي، رغم مفارقة استهلاكهم لمنتجات التقدم العلمي الغربي

ولأن المدركات المشوهة في الأذهان، قد تنطبع على سلوك الأفراد وتدفعهم إلى التطرف العنيف، برزت عقدة استحلال البعض من الجماعات الإرهابية للآخر المختلف عقديا، نتاجا لقياسات فقهية خاطئة على وقائع في التاريخ الإسلامي تجاوزت السياقات أحكامها.

عُدت تلك العقدة أحد مداخل تفسير خطاب وممارسة الحركات الإرهابية، مثل داعش والقاعدة ومستنسخاتهما في سياسة العنف تجاه كل ما هو غربي، كما برز في أحداث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، أو التفجيرات التي ضربت أوروبا في العقدين الماضيين. على الجانب الآخر، تبدو فئات عديدة في المجتمعات الغربية مسكونة بعقدة الخوف من الإسلام، دون تمييز بين تياراته وخطاباته المعتدلة والمتطرفة حتى تبلورت ظاهرة الإسلامو فوبيا، خاصة في أوروبا.

خطابات وممارسات وتصورات

في ظل مناخ الخوف، تبرز مدركات خاطئة في الغرب تصور الإسلام كمرادف تارة للقيود الاجتماعية، وتارة للعنف، وتارة ثالثة كمضاد للتقدم، وتارة رابعة على أنه منطق المتحدي الجيوسياسي الرئيسي، أي النظر إليه كعدو أوحد بعد انهيار الشيوعية، كما برز في العديد من الكتابات الغربية.

تتجلى تلك العقد بين الحين والآخر في خطابات وممارسات من قبيل طروحات صمويل هنتغتون حول صدام الحضارات، والسياسات الغربية المعادية للهجرة واللجوء من دول الجنوب إلى الشمال، وسياسات رفض الحجاب، انطلاقا من مدركات لدى الحركات القومية في الغرب بأن هجرة المسلمين تهدد قيم النظام الثقافي والاجتماعي هناك.

ويسهم بروز خطابات بديلة، مثل مبادرة حلف الفضول المنطلقة من فكرة القيم الإنسانية المشتركة، في إيجاد مناخات تنتج ذهنيات التعايش، التي تحض على استيعاب الآخر وتفهم سياقاته وإيجاد خطوط للتلاقي الإيجابي على قاعدة المصالح المشتركة.

تحتاج تلك المبادرة إلى خطابات داعمة في وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والتربوية والدينية والاجتماعية سواء في الدول الإسلامية أو الغربية، كي تثمر أكثر في دعم فكرة الأمن والسلام في العالم، وتجاوز المعضلة الصراعية بين الإسلام والغرب.

أولا: ثمة احتياج لدى الأطراف الفاعلة في الغرب والإسلام إلى بناء خطابات توازنية تتسم بالندية والاحترام العقائدي المتبادل وتكافح فكرة الاختزال في الرؤى المتبادلة، فالغرب ليس واحدا، وبالمثل أيضا فإن العالم الإسلامي لا يمكن اختزاله في داعش أو القاعدة وغيرهما أو ربطه بفكرة العنف، هناك فئات معتدلة تتعاطى بانفتاح مع الفكر الغربي والحداثة بشكل عام.

ثانيا: إبرازالتفوق المتعدد، إذ أن صعود قوى آسيوية، كما الصين والهند وغيرهما في العالم، بخلاف تحقيق نجاحات اقتصادية وسياسية في تجارب دول أفريقية وعربية، يعزز الإدراك بأن التفوق الحضاري في العالم لم يعد محصورا على الغرب ومركزيته في العالم.

ثالثا: ثمة أهمية للاعتذارات الغربية التي تمت من قبل دول مثل فرنسا على ما اقترفته من جرائم إبان الاستعمار للدول الإسلامية في أفريقيا أو الشرق الأوسط، في تعزيز ذهنية الغفران على الكراهية لدى المجتمعات الإسلامية.

ومن المهم، تطوير خطاب حلف الفضول لإيجاد آليات ابتكارية للتعويض النفسي المتبادل بين الغرب والدول المسلمة الذي يؤسس لمناخ إنساني تعايشي. رابعا: هناك أهمية لنشر خطاب العرفان لا النكران، وإبراز أن خطاب التقدم الإنساني المشترك صنعه مسلمون وغربيون معا، فالعلماء الغربيون والمهاجرون المسلمون أسهموا في نهضة أوروبا والولايات المتحدة، وبالمثل، فإن المنتجات الغربية شكلت جانبا أساسيا من التقدم الذي عرفته تجارب دول عربية وإسلامية حديثة. تلك الخطابات الداعمة لمبادرة حلف الفضول يمكن أن تشكل خط الدفاع النفسي والإدراكي لمقاومة ذهنيات التطرف، وما تنتجه من آثار سلوكية مدمرة على السلام والأمن في العالم.

13