حلف الناتو يستعد لمبارزة ترامب في قمة مفصلية

مقر الناتو في العاصمة البلجيكية بروكسل يستعد لاستقبال زعماء حلف شمال الأطلسي في قمة تاريخية ومفصلية.
الثلاثاء 2018/07/10
الناتو بين ضغط من ترامب واحتجاجات المعارضين

بروكسل - “نحن حلفاء” عبارة تلفت الإنتباه إليها في مقر الناتو في بروكسل، الذي يستعد لاستقبال زعماء حلف شمال الأطلسي في قمة تاريخية ومفصلية.

وخارج المبنى يتظاهر محتجون يرفعون لافتات كبيرة كتب عليها “الناتو انتهت اللعبة”، في مفارقة تعكس الوضع الراهن الذي يمر به الناتو، بعد مرور ما يقرب من سبعة عقود على تأسيسه، وهو اليوم يمر بإحدى أصعب مراحله بسبب سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وكتبت صحيفة دير شبيغل الألمانية منتقدة موقف الرئيس الأميركي، مشيرة إلى أن هناك مخاوف تسيطر على أعضاء حلف شمال الأطلسي من أن الرئيس الأميركي سيتخذ قريبا الخطوة المدمرة التالية.

 

يتوقع مراقبون صدور قرارات مهمة تهدف إلى إظهار الوحدة والتأهب في وجه العدوان الروسي على زعماء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذين سيلتقون يومي الأربعاء والخميس المقبلين في بروكسل، إلا أن هناك شخصا واحدا ستحظى مشاركته في القمة باهتمام خاص، وهو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث لم يخف الأوروبيون قلقهم من شركاء الولايات المتحدة بشأن إبقاء الحلف على قيد الحياة في عهد ترامب.

ويتوقع معظم أعضاء التحالف أن تكون القمة ساخنة بين ترامب والحلفاء. وقال الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي أندرس فوغ راسموسن، إن “الحلف يواجه أكبر أزمة منذ تأسيسه”، مشيرا إلى أنه يشعر بالقلق من أن قمة الناتو قد تؤدي إلى كارثة كبيرة مثلما حدث في قمة مجموعة السبع.

وأدرك حلفاء الناتو الآن أنهم يتعاملون مع “رئيس أميركي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته”، بحسب ما صرح به رئيس الأكاديمية الفيدرالية الألمانية للسياسات الأمنية، كارل هاينز كامب. مشبرا إلى أن هذا الإدراك يقف على أعناق أعضاء القمة مثل “سيف ديموقليس”. ووفقا لوجهة نظرهم، فإنه إذا خلت القمة من مناقشة القضايا الواقعية، فلا يمكن أن تنتهي إلا بالفوضى.

وإذا كانت القمم الأخيرة بين ترامب وحلفاء الولايات المتحدة التقليديين لها أي دلالة على ما يمكن أن يحدث، فقد يتسم اجتماع الناتو بالتوتر، حيث من الممكن أن يجد ترامب نفسه مرة أخرى معزولا عن بقية المجموعة.

وبينما سعت الولايات المتحدة إلى تقاسم الأعباء بصورة أكثر عدلا بين حلفاء الناتو، كان ترامب صريحا بشكل خاص حول هذه القضية، حيث وصف التحالف بأنه أصبح “بائدا” وأن الحلفاء الأوروبيين يحصلون على مزايا دون بذل جهد أو مال. ومن المتوقع أن يأتي ترامب إلى القمة حاملا رسالة أساسية مفادها أن الحلفاء الآخرين للناتو، ولا سيما ألمانيا، يجب أن يزيدوا من إنفاقهم الدفاعي، وإلا فإنه من الممكن أن تعيد الولايات المتحدة النظر في تعهداتها الدفاعية لأوروبا، والتي تم بناء نظام العالم بعد عام 1945 عليها.

وقال ترامب أمام حشد هائل في مونتانا الخميس الماضي “سأخبر حلف شمال الأطلسي بأنه يجب عليهم أن يبدأوا في دفع فواتيرهم”.

نفقات الدفاع

عشية انعقاد القمة زاد ترامب من الضغط على شركائه في الحلف بالخلاف حول نفقات الدفاع، حيث غرد على تويتر الاثنين قائلا إن “الولايات المتحدة تنفق على الناتو أكثر بكثير من أي دولة أخرى.. هذا ليس عادلا أو مقبولا”، منتقدا مجددا ما اعتبره نفقات ضئيلة للغاية من جانب ألمانيا على الدفاع.

وأضاف “رغم أن هذه الدول زادت إسهاماتها منذ وصولي إلى المنصب، فإنه يتعين عليها فعل المزيد. ألمانيا تنفق 1 بالمئة (من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع)، بينما تنفق الولايات المتحدة 4 بالمئة، وأوروبا تستفيد من الناتو أكثر بكثير من الولايات المتحدة”.

ولا توجد ميزانية خاصة لحلف الناتو، ولكن كل الدول الأعضاء فيه والبالغ عددها 29، اتفقت على إنفاق 2 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي على الدفاع.

دونالد توسك: العلاقات عبر المحيط الأطلسي تتعرض لضغوط هائلة بسبب ترامب
دونالد توسك: العلاقات عبر المحيط الأطلسي تتعرض لضغوط هائلة بسبب ترامب

ومن المقرر أن تحقق 8 من الدول الأعضاء في الحلف هذا الهدف خلال العام الجاري، بحسب ما أعلنه الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ في فبراير الماضي. إلا أن الولايات المتحدة تتولى زمام القيادة في ذلك الأمر من خلال إنفاق ما يقرب من 4 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي على قطاع الدفاع. ومن المتوقع أن تنفق ألمانيا 1.24 بالمئة في عام 2018.

وبعد قراءة إشارات صادرة من واشنطن، أصبح حلفاء الناتو الأوروبيون أكثر استقلالا في قطاع الدفاع، حيث وضعوا إطارا للمبادرات العسكرية المشتركة داخل الاتحاد الأوروبي.

وهناك 22 دولة من بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والبالغ عددها 28 دولة، أعضاء في حلف الناتو، وذلك على الرغم من أن خروج بريطانيا، وهي واحدة من الدول الأوروبية القليلة التي حققت الهدف بإنفاقها 2 بالمئة على الدفاع، من الاتحاد الأوروبي في العام المقبل سوف يغير التوازن.

ضغوط هائلة

حث رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك دول الاتحاد الأوروبي مؤخرا على الاستعداد لـ”أسوأ السيناريوهات”، حيث أن “العلاقات عبر المحيط الأطلسي تتعرض لضغوط هائلة بسبب سياسات الرئيس ترامب”. وسط هذه الأجواء، يميل حلف الناتو إلى إظهار الوحدة، حيث يوقّع أعضاؤه العديد من الإجراءات التي تم إعدادها من أجل القمة.

ومن بين هذه الإجراءات مبادرة ذات درجة عالية من الجاهزية، ستمكن الناتو من حشد 30 كتيبة برية و30 سربا جويا و30 سفينة قتالية في غضون 30 يوما. كما أنه من المقرر أن يتم إنشاء مركزين جديدين للقيادة في الولايات المتحدة وألمانيا، للمساعدة في التعامل السريع مع التحديات المستقبلية.

وتعد هذه الإجراءات أحدث خطوة تمت خلال السنوات الأخيرة لزيادة القدرات الدفاعية لحلف الناتو، ردا على العدوان الروسي، وذلك بعد غزو موسكو لشبه جزيرة القرم عام 2014 ودعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا. وعلاوة على ذلك، فإن الحلف بصدد إطلاق بعثة تدريب جديدة في العراق وتمديد تمويله لقوات الأمن الأفغانية حتى عام 2024، في إطار جهوده لمحاربة الإرهاب.

ومن المقرر أن يوقع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي اتفاقا من شأنه تعزيز التعاون بين الجانبين. وستحصل مقدونيا على دعوة للانضمام إلى الناتو، وذلك بعد حل نزاع مستمر منذ فترة طويلة مع دولة اليونان المجاورة حول اسم مقدونيا.

ويشير محرر الشؤون الخارجية في صحيفة الغارديان جوليان بورغر، إلى أن المسؤولين الأميركيين والأوروبيين سعوا حتى الآن إلى التقليل من أهمية تصرفات ترامب، مصرين على أن الأوتار التي تربط بين تحالف الأطلسي قوية ومتينة، وأن فترة رئاسة ترامب مؤقتة وسيذهب في يوم من الأيام بينما ستبقى المؤسسات الأمنية المتشابكة في الغرب وقيمها المشتركة.

وتحدث السفير الأميركي لدى الناتو كاي بايلي هتشينسون، إلى الصحافيين هذا الأسبوع في خطاب تقليدي، يشدد على جدية حلف الناتو وأنه يجب على الولايات المتحدة أن تقف متضامنة مع شركائها الغربيين في حمل روسيا على تفسير أعمالها في أوكرانيا وتدخلها في الانتخابات الغربية ودورها في عملية تسميم العميل سرجي سكريبال في لندن

ومع ذلك، بدأ بعض القادة الغربيين والمسؤولين الكبار يتساءلون عما إذا كان هذا التقييم لا يزال صالحا للاستخدام، ولا سيما وأنهم يشيرون إلى أن ترامب لا يصيح في الفراغ. فحينما ندد ترامب بالناتو في مونتانا، صاح الآلاف من الناس بموافقتهم على خطابه.

ونقلت الغارديان عن مسؤول أوروبي قوله “ما هو ظاهر الآن هو المشكلة الحقيقية التي لم يتسبب الرئيس الأميركي الحالي في حدوثها ولن تختفي في نهاية فترة رئاسته. إن العلاقة عبر الأطلنطية التي يعتبرها جميعنا شيئا مسلّما به، لم تعد كذلك”.

لقد كانت العلامات موجودة بالفعل في عهد إدارة باراك أوباما، بحسب قول هذا المسؤول، حيث سعى أوباما أيضا إلى إعادة توجيه تركيز السياسة الخارجية الأميركية من أوروبا وباتجاه القارة الآسيوية. لكنه فقط لم يعرب عن تعبيره عن فك الارتباط بهذا الشكل الفاضح والفظ مثلما يفعل ترامب. وأضاف المسؤول قائلا “بالنسبة إلى الأوروبيين، تعتبر هذه دعوة لإيقاظهم ولا سيما بعد رؤيتهم لعالمهم وهو ينهار أمامهم”.

7