حلف شمال الأطلسي يواجه متغيرات وتحديات تمس جوهره

الاثنين 2014/07/07
روسيا وأكرانيا والشرق الأوسط على قائمة التحديات التي يواجهها الناتو

برلين – “أكثر فاعلية، أكثر اندماجية، أكثر خفة: كيف نجعل الحلف العابر للأطلسي ملائما للمستقبل؟"، سؤال طرحه المجلس الألماني للسياسة الخارجية بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لنشأة حلف شمال الأطلسي، وحاولت الباحثتان، اكزينيا دورماندي وكاثلين ماكلنيس، الإجابة عنه ضمن دراسة شاملة تبحث في آفاق حلف شمال الأطلسي وتداعيات الأزمات الدولية على قراراته ومستقبل دوله.

يجد حلف الناتو نفسه وسط عملية صعبة لإعادة تحديد أولوياته، ومن أهمها المزيد من العمل المشترك، المزيد من الاندماج بين التخطيط والاستراتيجية، والمزيد من الفاعلية عندما يتعلق الأمر بتوفير القدرات العسكرية الحاسمة، إضافة إلى بناء الدعم الشعبي. وعلى الجبهة المحلية نجد أن حلف الناتو يخسر المعركة.

هذه السنة يتعامل الحلف الأطلسي مع متغيرات وتحديات تمس جوهر الحلف، وستحدد الخيارات، التي يتخذها ردا على هذه التطورات، مستقبله. ويثير أوج العملية في أفغانستان هذا العام (وهي أكبر وأعقد عملية عسكرية قام بها الحلف في تاريخه) أسئلة استراتيجية طويلة المدى عن مستقبل الحلف. ومع تحركات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا ترسخت القناعة بأن التحديات القديمة مازالت موجودة، وفي الوقت نفسه ليس هناك نقاش عن كون التراجع الحالي في النفقات العسكرية في معظم العواصم ستعكسه هذه الأحداث مما يؤدي إلى التناقص المطرد للموارد من أجل مواجهة هذه التحديات المتزايدة.

يمر الناتو حاليا بعملية صعبة لكن ضرورية تخص كيفية ترتيب الأولويات والاستعداد للتحديات القديمة والجديدة التي تمليها هذه الأحداث. ويحتاج الناتو التعامل مع مشاكل الحاضر مع عدم التغافل عن الأهداف الاستراتيجية المستقبلية في الوقت نفسه، كما يحتاج مراقبة الأزمات الحالية عن كثب لكن مع المحافظة على نظرة بعيدة المدى، وهو أمر صعب تحقيقه على الحكومات (فما بالك بالمؤسسات المتكونة من حكومات متعددة). لذا فإن قمة الناتو في سبتمبر المقبل توفر فرصة مهمة للزعماء لطرح مخططهم لمستقبل الحلف.


المشهد الاستراتيجي الجديد


تتمثل مهمة الناتو الأولى في الأشهر القادمة في موازنة متطلبات التهديدات الناشئة بصنفيها الأساسيين سواء التقليدية منها أو غير التقليدية.

حلف شمال الأطلسي
شُكل حلف شمال الأطلسي عام 1949 لمواجهة خطر التوسع الشيوعي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، عندما سعى الاتحاد السوفيتي إلى بسط نفوذه على أوروبا.

ويعد “الناتو” أقوى تحالف دفاعي إقليمي في العالم. والولايات المتحدة القوة العسكرية المهيمنة عليه منذ البداية وحتى الآن.

الوضع في أوكرانيا مؤشر حاد على أن المشاغل الأمنية التقليدية إلى حد بعيد (المتمثلة في الدفاع عن حرمة الأراضي) تبقى ذات علاقة إلى الحد الأقصى. وبطريقة شبيهة كثيرا بفترة الحرب الباردة، لدى الناتو دور رئيس يجب أن يقوم به لطمأنة الحلفاء الذين يشعرون بالتهديد فضلا عن ردع أي اعتداء من روسيا أو أي دولة أخرى. إن الطمأنة والردع هما في الواقع وجهان لعملة واحدة، فكلما عمل الناتو أكثر على طمأنة الحلفاء في أوروبا الوسطى والشرقية (عبر التدريبات والتمركز في مواقع أمامية وغيرها من الأعمال) زاد الاحتمال في أن تحترم موسكو حدود الدول الأعضاء في الحلف. لكن مثلما أوضح الجنرال فيليب بريدلاف، القائد الأعلى لقوات الحلف الاطلسي، لم يعد موقف الناتو ولا تمركزه ولا استراتيجياته ملائمة لمواجهة نوع التهديدات الحالية، كما أنها لم تعد تحدث نوعية الأثر الردعي المطلوب، فما بالك بالقدرة العملياتية.

على مدى العقدين الأخيرين شارك حلف الناتو في عمليات إدارة أزمات تتميز بالضخامة والتعقيد في الوقت ذاته، وتتراوح بين فرض السلام في البلقان وشن ضربات جوية في كوسوفو والعمليات الحربية في أفغانستان والتدخل في ليبيا. وهكذا كانت قدرة الناتو على الرد على الأزمات جزءا محوريا من دوره ومسؤولياته، وإذا نظرنا في الاستراتيجيات الأمنية الوطنية للدول الأعضاء لرأينا أن التهديدات من هذا الصنف مازالت في مقدمة الاهتمامات. ونظرا إلى وجود الشرق الأوسط على الحدود الجنوبية لأوروبا يكتسب عدم الاستقرار في هذه المنطقة أهمية كبرى مخافة امتداد الصراع والعنف واللاجئين والإرهابيين وغير ذلك إلى أراضي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، لذلك ستبقى إدارة الأزمات ذات أهمية مركزية بالنسبة إلى الدول الأعضاء ومن ثم بالنسبة إلى حلف الناتو.

مع انتهاء الحرب الباردة والتراجع المنظور (لكن المغرق في التفاؤل) لدور الناتو التقليدي ركز محللو السياسات بدل ذلك على التهديدات الاستراتيجية الجديدة أمام أعضاء الناتو. واستمدت هذه التهديدات من الاستراتيجيات الوطنية للدول الأعضاء وتنعكس في المهام الجديدة التي يضطلع بها الحلف تجاه التهديدات الناشئة. على سبيل المثال مازال الإرهاب يمثل تحديا رئيسا على الدوام على إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر. كما أدى ترابط العالم بشكل متصاعد إلى إثارة عدة قضايا مثل أمن شبكة الإنترنت ومحدودية الموارد الطبيعية (من ماء وغذاء وطاقة)، وإدراك أن الدفق الاقتصادي والتجاري مسألة جوهرية لأمن البلد.

باختصار شديد، إن حجم التحديات التي يواجهها حلف الناتو، سواء كانت تقليدية أو جديدة، شهد توسعا ملحوظا ويجد الحلف نفسه أمام ضرورة التعامل مع هذه التحديات دون توفر المزيد من الموارد.


حلف للحاضر والمستقبل


يقوم مختلف أعضاء الناتو بتصنيف الأولويات بالنسبة إلى هذه التحديات بشكل مختلف، إذ تشعر البلدان الموجودة في الجنوب بخطر عدم الاستقرار في الشرق الأوسط أكثر مما يشعر به من هم في الشمال، ومن ثم يعطون أولوية أكبر لإدارة الأزمات. وبشكل مشابه ونظرا إلى الأحداث الأخيرة، يولي من هم في الشرق اهتماما حينيا للدفاع عن الأراضي. ويجب ألا يؤدي هذا التنوع في الأولويات إلى عجز الناتو عن اتخاذ القرار، بل بالعكس يمكن أن يستخدم ذلك لتحديد الخصائص والقدرات الموسعة – القديمة والجديدة منها– التي على الناتو أن يكتسبها من أجل مواجهة هذه التحديات.

أولا يجب أن يكون الناتو منبرا للتعاون سواء داخل المؤسسة أو خارجها، ويجب عليه أن يحافظ على قدراته في القيام بالعمليات المشتركة بين الدول الأعضاء وبين المؤسسة والشركاء الخارجيين ويعمل على تعزيزها. وقد حسنت العمليات في أفغانستان مثل ذلك التعاون بين أعضاء الإيساف تحسنا كبيرا، وعلى الحلف أن يواصل دعم هذه القدرات نظرا إلى أنها إحدى الخصائص الجوهرية التي تجعله ذا قيمة عالية.

ونظرا إلى طبيعة التحديات التي تواجه الحلفاء في منظمة الناتو وعدم نجاعة القوة العسكرية في كثير من الأحيان في مواجهتها، يجب على الناتو كذلك أن يكون منبرا للتعاون مع شركاء من خارج التحالف. ويضم هؤلاء الشركاء المحتملون المنظمات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك العالمي ومنظمة الأمن والتعاون. كما تضم الدول غير الأعضاء في الحلف ذات التوجهات المشتركة والممتلكة للقدرات مثل السويد وفيلندا وأستراليا. وقد أوضحت العمليات العسكرية في كل من أفغانستان وليبيا أنه عندما يقوم الناتو بعمل خارج منطقته، من الضروري جدا أن يتعاون مع الأصدقاء والحلفاء في الشرق الأوسط وآسيا، لذا على الحلف أن يحدد شراكاته حسب الأماكن المتاخمة للمنظمة أو الدولة التي يتعاون معها. وعليه أيضا أن يوسع تفويضه لتحسين العمل المشترك بين الحلفاء لتحقيق تعاون أوثق مع المجموعة الأوسع للفاعلين الدوليين الذين يحملون أهدافا أمنية مشتركة.

يمر الناتو حاليا بعملية صعبة، لكن ضرورية، تخص كيفية ترتيب الأولويات والاستعداد للتحديات القديمة والجديدة

ثانيا، على الناتو أن يتحسن في دمج تخطيطه واستراتيجيته بين دوله الأعضاء، علما وأن التخطيط العسكري هو حاليا عملية آلية إلى حد بعيد يتم فيها جرد القدرات الوطنية وبعد ذلك يتم تبادل المعلومات. ونظرا إلى محدودية الموارد، يعتبر ذلك خطوة ضرورية لكنها غير كافية. والمشكل يتمثل في أن إنجاز التخطيط المشترك يتعارض بقوة مع مسائل السيادة الوطنية ومن ثم سيحتاج إرادة سياسية كبيرة. لكن تبقى هناك بعض الأرباح السهلة نسبيا في ميادين التدريب والتمركز المشتركة، إلى جانب بعض الأرباح الأخرى على المدى البعيد المتأتية من تبادل المعلومات بين الدول الأعضاء بشكل أوسع من أجل تحسين التحذير المبكر. وتكتسب هذه الميادين الأخيرة حيوية كبرى لتحسين قدرات الناتو.

ثالثا، على الناتو ودوله الأعضاء أن يصبحوا أكثر نجاعة في ما يتعلق بتوفير القدرات العسكرية الحاسمة، وتتمثل الخطوة الأولى في تحديد نظرة مشتركة إلى التهديدات، وهو ما من شأنه أن يدعم الحصول على تخطيط واستراتيجية مشتركين أحسن، ويمكن أن يؤدي في الوقت الملائم إلى التعاون في اكتساب القدرة مستقبلا. وتزيد أهمية هذا الأمر مع بقاء الميزانيات العسكرية راكدة.

رابعا، على الدول الأعضاء بناء المزيد من الدعم العمومي لحلف الناتو، فمع اتساع المدة الزمنية الفاصلة عن الحرب العالمية الأولى والحرب الباردة يتناقص عدد الأشخاص الذين يدركون الحاجة إلى الدفاع والأمن الوطني والذين لديهم استعداد لإعطائهما الأولوية على حساب المسائل الاجتماعية والتربوية وغيرها من المشاكل المحلية. وفي غياب الدعم الشعبي سيتعذر على أعضاء الناتو اتخاذ بعض القرارات السياسية المطلوبة.

ومن ثم على أعضاء الناتو، بدعم من المؤسسة ذاتها، إعطاء الأولوية للدبلوماسية العامة الوطنية.

لكن ربما يحتاج الناتو وأعضاؤه الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ مثلما بينت الأحداث في أوكرانيا، حيث يستعمل الخصوم الدبلوماسية العامة بمثابة أداة هجومية لتغيير الخطاب العام، ومن ثم اكتساب القوة السياسية والدبلوماسية وحتى العسكرية. وفي حين ربما لن يضطلع الناتو بدور الزعامة في هذا المجال، عليه أيضا أن يبني قدرته على مساندة أعضائه لأخذ دور الريادة في تغيير الخطاب العام. ولا يخفى أن المساندة الجماهيرية باتت سلاحا هائلا في ترسانة الدولة أو المؤسسة، بيد أن حلف الناتو وأعضاءه هم بصدد خسارة هذه المعركة حاليا.

الجنرال فيليب بريدلاف: لم تعد استراتيجية الناتو ملائمة لمواجهة نوع التهديدات الحالية

وأخيرا ومن أجل تحقيق كل تلك الأهداف، على الناتو أن يصبح أكثر مرونة وخفة. من المؤكد أن الناتو تمكن من التأقلم مع المتطلبات الأمنية التي تظهر على السطح، وما أفغانستان والبلقان إلا شاهدان بارزان على ذلك، بيد أن التحديات تغدو أكثر تنوعا وتعقيدا وتتنقل بسرعة أكبر، لذا يحتاج الحلف هياكل قيادة مصممة لهذا التغيير.


المرونة دون التضحية بالتضامن


ليس من الواضح إن كان ذلك ممكنا في ظل وجود هيكلية تعتمد على التوافق بين الأعضاء الثمانية والعشرين بالنسبة إلى كل القرارات. لذا سيكون لزاما على الناتو أخذ القرار في ما يخص إمكانية تشجيع مجموعات أصغر من الحلفاء للتعاون دون التضحية بالتضامن الذي هو شرط شديد الأهمية لصدقية ومشروعية الحلف في حد ذاته. ويبين مثالا أفغانستان (إيساف كان أكبر بكثير من الناتو) وليبيا أن ذلك الهدف بدأ بالتحقق بعد، لكن قد يحتاج الناتو أن يدفع بهذه المرونة إلى الأمام أكثر في السنوات القادمة.

بينما توجد عدة تغيرات وتحديات على الناتو أن يتأقلم معها، يمكن النظر إليها على أنها فرص وليست عوائق. إن الناتو لا يحتاج إعادة تفكير حول دوره أو نظرته الموسعين، لكنه يحتاج إيجاد المزيد من الطرق الأنجع لتحقيق أهدافه، كما يحتاج أيضا إدخال تغييرات في الهيكلة والقدرات والإجراءات لتسهيل تحقق أهدافه. لكن أثناء فعل ذلك يجب أن تكون عينه على الأزمات الحاضرة والمشاكل الاستراتيجية المستقبلية. أمام زعماء الناتو فرصة لإنعاش الحلف وعليهم استغلالها.

6