حلقة الأزمة السياسية في لبنان تتسع على وقع تصعيد شيعي ماروني

لم تجد مساعي إنجاز التركيبة الحكومية المحطة النهائية التي ترضي الجميع بعد في لبنان حيث تعرض المخاض الحكومي إلى نكسة بعد أن صوّب رئيس الجمهورية ميشال عون والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي سهامهما تجاه رئيس مجلس النواب نبيه بري، على خلفية التمديد واستبدال سلة الشروط بصيغ التشبث بحقائب في اشتباك اتخذ صيغة طائفية.
الأحد 2016/11/20
لا إفلات من القبضة المحكمة

بيروت – تجدّد الاشتباك بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري ورئيس الجمهورية ميشال عون على خلفية تصريحات أدلى بها عون خلال زيارته البروتوكولية للبطريرك الراعي، تناول فيها موضوع وهن المؤسسات الذي رد سببه إلى التمديد للمجلس النيابي.

ورد رئيس المجلس معتبرا أن التمديد للمجلس النيابي قد يكون سيئا، ولكن الأسوأ منه هو الفراغ الرئاسي، وما أنتجه من مؤثرات سلبية طالت كل المؤسسات ومن ضمنها المجلس النيابي.

واتخذ الاشتباك صيغة طائفية مع دخول نائب الأمين العام للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، عبدالأمير قبلان، على خطه، ورد على كلام البطريرك الراعي الذي أدلى به في حضور الرئيس حول رفض استبدال السلة والشروط المسبقة بالفيتوات التي تفرضها تيارات على تيارات أخرى لأن ذلك يفتح بابا أمام المعاملة بالمثل، بالقول “إن الشيعة كانوا أحرص الناس على إقامة دولة العدالة والمساواة، وإن ما يطالبون به هو المشاركة الحقيقية في السلطة”. وكان من اللافت أن قبلان أعاد التأكيد على أن السلة التي كان قد طرحها الرئيس بري هي عنوان التفاهمات الجديدة التي يتيح القبول بها تجنب الأزمات.

وأوضح هذا التصعيد ملامح الصراع الماروني الشيعي، بعد أن كان الكثيرون يعتقدون أن وصول عون إلى سدة الرئاسة يحمل طابع تمتين العلاقات بين هذين المكونين. واتضح أن البنية التي يمثلها حزب الله لا تعترف سوى بالواحدية في بنية السلطة، ولا تقبل بالشركاء ولا بالحلفاء، بل فقط بالانخراط والولاء.

فواتير مستحقة

لم يقفل انتخاب الجنرال ميشال عون رئيسا باب الصراعات مع الطائفة الشيعية الذي كان قد أعلن نفسه حليفا لمكونها الحاكم أي حزب الله. بقيت أمام الرئيس الكثير من الفواتير التي لم تدفع بعد وأهمها فاتورة اتفاقه مع تيار المستقبل، والذي جاء به رئيسا بصيغة اتخذت شكليا طابعا وطنيا، وكرست بنية تفاهم تضاءل بموجبها حجم الاشتباك المسيحي السنّي.

وخفف هذا الاتفاق أيضا حجم العناوين اللبنانية للاشتباك الشيعي السني، وحصرها في الصراعات الخارجية التي شكل موقف الرئيس الداعي إلى النأي بالنفس عنها عنوانا عريضا لعهده.

فاتورة التفاهم مع المستقبل تستحق الدفع في نظر الثنائية الشيعية التي أوكلت إلى بري مهمة تحصيلها من رئيس الجمهورية بفوائد باهظة، تتضمن مجموعة من الألغام الثقيلة من قبيل تحميله المسؤولية عن الفراغ الرئاسي الذي دام لسنتين ونصف.

ملامح صراع ماروني الشيعي تطفو على سطح بعد أن كان الكثيرون يعتقدون أن وصول عون إلى سدة الرئاسة يحمل طابع تمتين العلاقات بين هذين المكونين

يتضمن كلام بري نفيا لتهمة التسبب بالفراغ عن أيّ طرف آخر وخصوصا عن حزب الله الذي لم ينتج الفراغ، بل حرص أن يكون وفيا للجنرال وأن يخلق الظروف التي تؤمّن وصوله إلى سدة الرئاسة بغض النظر عن آثارها التي تنحصر المسؤولية عنها في الجنرال.

رمي هذا الاتهام في وجه عون يجعل منه مسؤولا عن التصدع الكبير الذي أصاب الموقع المسيحي الأبرز في لبنان والمنطقة، ويربط وهن المؤسسات وهشاشتها بطموحاته الرئاسية التي أنتجت سلوكا إقصائيا يطمح إلى تصفية الخصوم المسيحيين.

لا يمكن للجنرال إذن أن يكون صاحب عنوان حقوق المسيحيين، بل إن الطرف الذي بات يمتلك الصفة التمثيلية لهذا العنوان هو حزب الله معنويا وإداريا في حين يترك للرئيس بري مهمة تنظيم شؤون هذا الملف وإدارته.

حروب الفيتوات

ينزع هذا المنطق عن الحلف الثنائي المسيحي العوني القوّاتي شرعيته. ويعلن بوضوح أن حزب الله ليس معنيا بأيّ اتفاق يمكن أن يكون قد عقد بين التيار الوطني الحر وبين القوات. من هنا فإن الفيتو الذي وضعه حزب الله على تولّي القوات حقيبة سيادية، وبشكل خاص حقيبة الدفاع، إنما هو فيتو يوضع في وجه الجنرال عون قبل القوات لأنه يسعى إلى تفكيك الزخم المسيحي الذي رافق ترشيحه، وتفريغ عنوان حقوق المسيحيين الذي شكّل عصب التحالف من جدواه الفعلية والواقعية.

حزب الله كان قد اعتبر أن الفيتو الذي يضعه حول حصول القوات على وزارة الدفاع، يعود إلى تناقض إستراتيجية القوات مع إستراتيجيته وإستراتيجية الجيش اللبناني. يتهم الحزب القوات اللبنانية بعدم الأهلية لإدارة ملفّ الدفاع بشكل يتلاءم مع عنوان الشعب والجيش والمقاومة، وبأنها صاحبة منطق لا ينسجم مع عقيدة الجيش وفكر المقاومة في أساسها كما أشارت إحدى مقالات جريدة الأخبار التابعة للحزب مؤخرا.

وكان موفد من حزب الله قد زار عون مؤخرا مطالبا إياه بالحرص على تمثيل كل الأطراف، وإعطاء فرنجية حقيبة وازنة. جاءت هذه الزيارة في إطار تتالي إطلاق الفيتوات، حيث رشحت معلومات تفيد بأن وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، يضع فيتو على منح فرنجية حقيبة وازنة، كما تعترض القوات على حصة الكتائب وتسعى إلى وضع فيتو ضدها.

إذن هناك فيتو عام يضعه حزب الله على القوات وفيتوات تتبادلها القوى المسيحية في ما بينها، ما يعني أن الهدف العميق الذي يريده حزب الله في صراعه مع الموارنة قد تحقق عمليا، وأن الاشتباك بين القوى المسيحية قد تنامى بشكل لا يسمح لها بالخروج بموقف موحّد في مواجهة عملية الإقصاء التي يمارسها ضدها.

عودة السلة

كان نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى قد أعاد في رده على البطريرك الراعي التأكيد على أولوية السلة التي كان الرئيس بري قد طرحها كمشروع توافق عام القوى المسيحية واعتبرتها محاولة لتكبيل موقع رئاسة الجمهورية ومحاصرته بالشروط المسبقة، ما يقلل بشكل كبير من قدرته على اتخاذ القرارات، ويشكل انتقاصا جديدا من صلاحيات الرئاسة بعد الانتقاص الذي تم إثر اتفاق الطائف.

مشاريع الإقصاء بين عودة السلة وحروب الفيتوات

العودة إلى ذكر السلة الآن، وبعد انتخاب الرئيس، تقول إن الاتفاق لم ينجز، وإن التسويات التي ترضى عنها الثنائية الشيعية لم تكتمل بعد، وإن المطلوب لكي يتم استكمالها إنجاز بنود السلة بالشكل الذي تراه مناسبا.

يتخذ المشروع الذي تسعى هذه الثنائية إلى تكريسه هيئة حرب على المسيحيين عموما والموارنة خصوصا، وذلك لأنه يحدّد مهمات الرئيس في التمهيد للشروط التي تتيح إنتاج قانون انتخابي، يؤمّن للحزب السيطرة التامة والمشروعة على المجلس النيابي القادم.

كان السيد حسن نصرالله، في الفترة التي سبقت وصول الجنرال إلى سدة الرئاسة، لا يكفّ عن تكرار لازمة مفادها أن السلة التي طرحها الرئيس بري تشكل أقصى الممكن الذي يمكن أن تقدمه الثنائية، وأن ما يمكن أن يكون مقبولا اليوم لن يكون مقبولا غدا.

يطرح حزب الله عبر الرئيس بري و قبلان هذا الممكن في وجه العهد ناسفا كل مشاريع التمثيل المسيحي الخالص عبر القوانين الأرثوذوكسية لأن السلة تتضمن اتفاقا على قانون الانتخاب. قانون الانتخاب الذي يطالب به حزب الله هو النسبية الكاملة، هذا القانون في ظلّ تماسك الطائفة الشيعية يمكن حضورها، ولكنه يصيب بالخلل كل تركيبة التمثيل عند كل الطوائف، وخصوصا الطوائف المسيحية.

ويضرب مشروع السلة عرض الحائط بالحق في المناصفة ويعرّض الوجود المسيحي في لبنان لخطر التبدد السياسي، الذي يمهّد لأنواع أخرى من الإهدار والتعرض للانتقام، لأن هذا الوجود في لبنان بات محسوبا في ثقله الأكبر عليه، وهو يتصرف ليس بوصفه راعيا له وحسب، بل لوصفه المرجع الأساسي والشرعي له.

هكذا فإن السلة تتخذ شكل ناظم أعلى للحياة السياسية في لبنان يعلو على الدستور وعلى المناصفة من ناحية، ويعلن من ناحية أخرى أن الرئيس لا يمتلك الحق في التأويل الحاسم والنهائي لما كان قد أدلى به في خطاب القسم، وأن التفسير الفعلي لما قاله إنما يكمن في تفسير حزب الله وبرّي له، والذي يدرجه في إطار الانسجام التام مع ما تنادي به السلة.

يحاول الرئيس المنتخب دون أن يمتلك الكثير من الأدوات أن يمتلك معنى خطابه وأن يحاول تنفيذ الحد الأدنى منه، وهنا يكمن عنوان اشتباكه الأخير مع بري. المفارقة أن الأداة الوحيدة التي يمتلكها حاليا هي تعطيل ولادة الحكومة طالما لا تعجبه خريطة توزيع الحقائب، أو إذا كان يعترض على بعض الأسماء الواردة فيها.

هذه الصلاحية مفخّخة في ظل الظروف القائمة لأنها تجعله يبدو وكأنه يضرب عهده بيده، ولأنها تضعه في مواجهة السنة الذين ارتدت عودة سعد الحريري إلى سدّة رئاسة الحكومة عندهم طابع الخروج من التهميش والعزلة.

هكذا يكون حصار العهد وعناوينه المسيحية قد اكتمل فبعد الاشتباك المسيحي المسيحي الذي ظهر للعيان والذي حمّل عون المسؤولية عنه، ها هو شبح الخلاف المسيحي السني يلوح في حال عطّل عون تشكيل الحكومة.

يكرّس هذا المشهد حزب الله كضابط إيقاع وحيد للحياة السياسية، حيث أنه الطرف الوحيد الذي قبل مباشرة بحصة حكومية ضئيلة لا تعكس حجم حضوره، محرجا بذلك كل الأطراف الأخرى ومكتسبا دور أبوّة التسويات في الوقت الذي يغرق فيه الجميع في الصراعات والحسابات.

رمزيات متناقضة

لم يعد يسود في الأوساط اللبنانية كثير من الشك في أن الاستعراض العسكري لحزب الله في القصير يحمل دلالات رمزية ترتبط في بعض أبعادها بالعهد الرئاسي وتقول هذه الدلالات إن تدخل حزب الله في سوريا هو حرب استباقية تحمي لبنان عموما والوجود المسيحي خصوصا، وإن هذا التدخل لا يناقض عنوان النأي بالنفس الذي طرحه الجنرال في خطابه الرئاسي بل يجعله ممكنا وواقعيا.

يحرص الحزب كذلك على تذكير الجنرال أن الاتفاق معه يتضمّن الاتفاق مع المحور الذي يمثله، والذي يضم النظام السوري وأنه إن كان “عينا” من عيون السيد حسن نصرالله فإن فرنجية وما يمثله بمثابة العين الثانية. تاليا لا بد أن يتمثل هذا التيار في الحكومة بحقائب وازنة، وأن يرعى الرئيس وجود هذا الفريق الذي طالما شكلت الخصومة معه تاريخ الجنرال عون النضالي والسياسي.

الهدف العميق الذي يريده حزب الله في صراعه مع الموارنة قد تحقق عمليا، وأن الاشتباك بين القوى المسيحية قد تنامى بشكل لا يسمح لها بالخروج بموقف موحد في مواجهة عملية الإقصاء التي يمارسها ضدها

وكان عون في لقائه مع الجماهير التي أمّت القصر الجمهوري مؤخرا للتهنئة قد حاول أن يطرح تسوية رمزية لهذا الموضوع فتعمد عدم الإشارة إلى دور الجيش السوري في إخراجه من القصر عام 1989. لم يكن هذا التنازل كافيا بنظر حزب الله الذي يريد أن يكرّس العهد صيغة رمزية تجعل النظام السوري جزءا من شرعيته عبر منح ممثليه من قوميين وبعثيين إضافة إلى فرنجية تمثيلا وازنا.

حرص الرئيس أن يردّ من خلال رمزية مقابلة عبر الاحتفال بعودة علم الشعب إلى بيته في احتفال بعيد العلم دعا إلى المشاركة فيه في القصر الجمهوري اليوم الأحد الـ20 من نوفمبر الجاري. يحمل هذا العلم رمزية تعود إلى زمن مقارعة عون للنظام السوري إبان الاعتصام الشعبي الشهير الذي جرى في القصر الجمهوري عام 1989 لمواجهة ما كان يطلق عليه التيار الوطني الحر آنذاك تسمية الاحتلال السوري. وتبلغ مساحة العلم 210 أمتار مربعة ويحمل توقيع 126.549 مواطنا لبنانيا.

يحاول الرئيس أن يواجه رمزية تحويل عهده إلى عهد حاضن لجماعة النظام السوري برمزية علم الشعب العملاق، ليؤكد أمام الرأي العام المسيحي خصوصا واللبناني عموما على لبنانيته ولبنانية عهده. ولا يبدو أن حروب الرموز تميل لصالح الرئيس المنتخب لأن الحزب يستطيع أن يحوّل معاني رموزه إلى وقائع ميدانية.

هكذا فإن علم الشعب العملاق هو عنوان ذاكرة آيلة للنسيان في ظل تراكم الوقائع التي تدرجها في سياق آخر، يربطها بمناخ سياسي لا يمكّنها من الدفاع عن نفسها ولا من إعادة التأكيد على خصوصيتها الرمزية، في حين أن رموز حز ب الله محفورة بقوة الدم والرجال والدبابات.

كاتب لبناني

4