حلمي التوني سيد الحكايات التي تحلق بأجنحة كتبها

الأحد 2015/09/27
حلمي التوني رسام أراد أن يكون فنان الشعب الأول بالوشم والإشارات

"المغنى حياة الروح" وهو عنوان أحد معارضه، يمكنه أن يعطينا صورة عنه، هي إحدى صور الرسام الذي يهمه أن يتبع بخطاه خطى الفنان الشعبي، إذ لا شيء منه يمكنه أن يكون كل شيء فيه، فهو متعدد الأمكنة المتخيلة التي ينفق فيها ساعات عمله اليومي.

تجده مرّة رسام أطفال وله لغة تفيض بالبساطة والخيال ومرّة أخرى تجده رسام أغلفة لكتب روائية، وله في ذلك المجال شخصيته الأسلوبية المتميزة. كما عُرف عنه شغفه بتصميم الكتب والمجلات. أما رسومه الضاحكة فإنه يطلق عليها تسمية “تعليقات” كما لو أنه يفسر كثرة الكلام فيها.

مؤلف كُتُبٍ هو رسّامها وهي كتب تتوزع بين الحكايات المتخيلة والقصص الديني والأمثال الشعبية إضافة إلى اهتمامه بتوثيق التقاليد والمراسم والاحتفالات التي تتمحور حولها حياة المصريين.

بسيط مثل خطوطه الحادة والملساء التي تذكّر بالمحفورات الخشبية ومرهف مثل تلك الموسيقى الشعبية التي تتخلل زخارفه.

ولد حلمي التوني عام 1934 في بني سويف. درس فنون الزخرفة والديكور المسرحي في القاهرة. تركت دراسته أثرا لافتا في أسلوبه الفني الذي يجمع بين الاهتمام بالمفردات الزخرفية وبين بانورامية المكان الذي تحلق فيه تلك المفردات كما لو أنها حين تحاول أن تفلت من تكرارها الزخرفي لا تذهب بعيدا، بل تظل وفيّة لسياق النغم العام الذي أطلقها وصارت بمثابة أصوات متعددة له. وفي ذلك يظهر التوني ثقته المطلقة بجماليات الحس الشعبي.

منذ النظرة الأولى يشعر المرء وهو يرى رسوم التوني أنه يقف أمام رسوم مصرية، لا لأنها تستلهم عناصر الفن المصري القديم وطريقة المصريين القدماء في نحت ورسم شخوصهم، بل لأنها تتماهى بطريقة ذكية في اقتضابها مع حياة المصريين المعاصرة.

هواء مصري

يمكنني القول إن في رسوم التوني الكثير من الهواء المصري الذي يتخلل اللغة الدارجة ويلبث ناعما تحت الثياب ويجري مجرى الفكاهة في الحارات المصرية الضيقة. فيه من العتق ما يتجدّد ومن الجِدَّةِ يقف ثابتا كما لو أنه وجد ليحيا.

حلمي التوني هو من الرسامين الذين لا يحتاجون إلى الاستفاضة في الحديث عن هوية فنّهم. ذلك لأن فنّهم لم يغادر التربة التي نشأ ومدّ جذوره فيها. لا يزال هناك أثر من مياه النيل التي بلّلته حين فاضت ولم تتركه إلا بعد أن أشبعته حكايات.

كل رسمة هي حكاية وكل حكاية هي مبتدأ لحكايات تتبعها

حلمي التوني هو رسام حكايات مسلّية. حكايات يمكنها أن تكون رمزية، غير أنها لا تقطع صلتها بالواقع. فهي ابنة ذلك الواقع الذي تسعى إلى إضفاء نوع من التخيل عليه. سيكون علينا أن نصبر قليلا لئلا تفوتنا فكرة ذكية، حاول الرسام أن يدسّها في المنظر الذي يوهمنا بواقعيّته التصويرية.

ولأن التوني يعمل بتقنية الحفار (الرسام الغرافيكي) فإنه غالبا ما يلجأ إلى تهذيب وتشذيب وإعادة صياغة المشاهد التي يستلهمها، بما يجعلها منسجمة مع صورتها المتخيلة. لا يرسم التوني صورا توضيحية للحكايات، بقدر ما يسعى إلى أن يكون حكواتيا من خلال الرسم. هو مؤلف حكاياته حتى وإن كانت تلك الحكايات مقتبسة من كتاب الليالي العربية.

قدرة رسومه على الحكي الذي لا يُمل لا تُضاهى، وهي تستدرج في طريقها حكايات جانبية، مثلما كانت شهرزاد تفعل. كل رسمة هي حكاية وكل حكاية هي مبتدأ لحكايات تتبعها.

ما يميز التوني عن سواه أنه، وبالرغم من تعلقه بالزخرفة التي لا يمكن تخيل رسومه خالية منها أو من أثر يشير إليها، لا يسرف في الحكي. جمله مثل رسومه مشدودة، متوترة كما لو أن رخاءها صُنع من مادة صلبة.

استعادة الزمن الجميل

هل مد التوني يده إلى مكان، كان إلى وقت قريب يقف بعيدا عنه حين رسم مشاهير المطربين المصريين؟ ما فعله يومها كان جزءا من حماسة اشتعلت نارها بين أوساط الرسامين المصريين لرسم فنانين مصر في الغناء والتمثيل بأسلوب الفن الشعبي الأميركي وبالتحديد كما ظهر لدى أندي وارهول حين رسم مارلين مونرو وألفيس برسلي وجون ون.

محاولة هي بمثابة استعادة لزمن الفن الجميل في مواجهة الكارثة الشعبوية التي يعيشها الفن الآن في مصر. ما يميّز رسوم التوني عن الآخرين لا يكمن في الموضوع الذي صار مشاعا بل في التقنية التي اتبعها في معالجة ذلك الموضوع.

لم يوجّه عنايته إلى الصور الشخصية بقدر ما اهتم بأن يقيم صلة بين تلك الصور وبين أهم ما قدمه حاملو تلك الصور من أعمال فنية خالدة، ستظل تذكّر بهم. لذلك اكتسبت رسومه في هذا المجال طابعا تعبيريا، هو ما جعلها تقف على مسافة ملحوظة من رسوم الآخرين وفي الوقت نفسه لم تكن منفصلة عن تجربة الرسام الفنية.

لقد صبّ جلّ اهتمامه على الحكاية فكانت الصورة الشخصية أشبه بالممثل الثانوي. وهو في ذلك إنما يستعيد تاريخه الشخصي مستمعا للأغاني ومشاهدا للأفلام. كان يود لو أنه اقتنص حياة الروح قبل المغنى.

حلمي التوني رسم مشاهير المطربين المصريين

الرسام الشعبي

إن لم يتمكن منها فقد تقمصها، شخصية الفنان الشعبي التي لم يكن يرغب في أن يكونها إلا عن طريق التماهي الروحي. كل المدلولات الشعبية هي ملك يديه. الوشم وزخارف السجاد اليدوي ورسوم الحج غير أنها لم تكن كافية لكي يرى نفسه فيها رساما معاصرا. حينها كان عليه أن يتقمص روح الفنان الشعبي لتنكشف أمامه الدروب الخفية.

أكان ضروريا أن يلج الدرب الطويلة ليصل إلى الفكرة البسيطة؟ أعتقد أن فنانا بحجم حلمي التوني لا يمكنه الاقتناع بالحلول الساذجة، بالرغم من أن نتائج بحثه المختبري لم تكن بعيدة عنها.

كان يهمه أن يعود من مغامرته بالوصفة التي لا تقبل الخطأ. وهي العملية التي وظّف من أجلها سنوات عمره وهو يقاتل الأشباح التي تسعى إلى الارتداد به إلى نقطة البداية، وهي النقطة التي وصل إليها بعد مسيرة كفاح، كانت في حقيقتها بمثابة بحث متأنّ في علاقة الذات بالموضوع.

لقد وضع التوني نصب عينيه أن يكون مصريا في رسومه، لكن بالطريقة التي يرغب فيها المصري وهو يستعرض نزاهته التاريخية، صانع حضارة لا خادم سياسات. لذلك فإن مَنْ يقف أمام رسوم التوني لا بدّ أن يشعر بالزهو.

لا يزال هناك ما يمكن تنفسه من هواء مصر. ولم يكن ذلك ليقع لولا أن الفنان اهتدى إلى السّبل التي يكون من خلالها فنانا شعبيا مصريا. حلمه القديم الذي صار ممكنا في حالة إلهام تصويري.

لم يكن حلمي التوني رسّام لوحة حتى وإن كان قد رسم مئات اللوحات. التوني نوع ضروري من الرسامين لكي تكون المجلات والكتب ممكنة على المستوى الجمالي.

هو ليس رساما تزيينيا كما قد يفهم البعض. كان خياله التصويري يكمل خيال النص الذي يرافقه. لذلك كانت الحكاية لازمة عيش بالنسبة إلى التوني. من غير حكاية تبدو رسومه كما لو أنها وصفات غامضة لطرق خيالية في العيش. كائناته تكتسب من الحكاية معاني وجودها.

ستكون الرسوم ضرورية لكي تتنفس الهواء الذي جلبه لها رسامها من مكان ما، هو المكان الوحيد الذي يؤكد مصريّتها، حلمي التوني رسام حكايات مصرية خالص.

10