حلمي التوني يكسر الحاجز بين زهور الطبيعة والخيال في معرضه"ليه يا بنفسج؟"

لأن أوراق البنفسج قلبية الشكل وأزهاره ذات رائحة عطرية موحية، فقد خلع الفنان على النبات صفات إنسانية مفعمة بالمشاعر الفياضة.
الأحد 2018/03/25
ليه يا بنفسج

من مساعي الفن وأمنياته المشروعة في بعض اتجاهاته، الإيهام بإذابة الفواصل بين الطبيعي والمتخيّل، كأن يتحوّل أبطال الرواية إلى أشخاص حقيقيين من لحم ودم يرتقب القارئ لقاءهم في الطريق العام أو مصافحتهم على المقهى، أو تطلق اللوحة التشكيلية كائناتها الحية الجامحة من نساء وطيور وخيول وزهور خارج البرواز مصطحبة المتلقي تلقائيًّا إلى حياة كاملة في أحضان الطبيعة.

هكذا يمكن الولوج إلى معرض التشكيلي حلمي التوني “ليه يا بنفسج؟” المنعقد حاليًا في قاعة بيكاسو بالقاهرة، حيث يخطف الفنان زائره إلى رحلة لونية عنوانها البهجة، وأدواتها تلك التفاصيل والتفاعلات المجتمعية النابضة. وفي لقائه مع “العرب” يتحدث التوني عن هذه التجربة التي توجت ستين عامًا من العطاء.

يعمد الفنان المخضرم حلمي التوني (84 عاما) في معرضه “ليه يا بنفسج؟” (من 16 إلى 28 مارس 2018) إلى كسر الحاجز بين المعيش والمُتصَوّر، فعلى جانبي درج القاعة التشكيلية المرموقة بحي الزمالك القاهري العريق تنتشر زهور البنفسج الطبيعية في أصصها الفخارية ناثرة حيويتها في المكان.

وبرابطة عنق بنفسجية يتجلّى الفنان في افتتاح معرضه، متجوّلا بين لوحاته التي تبدو كمرايا له وهو مرآة لها، حاملا بهجته الخاصة في قلبه قبل هيئته، ليبدو كل ما في المكان حالة عضوية واحدة، تصبّ في حيوية الفن، وأن يعيش الفنان ما يرسمه، لأنه ببساطة يرسم ما يعيشه.

طاقة الأمل

لحلمي التوني باع طويل مع مجالات وخبرات تشكيلية مختلفة، أحدثها معارضه الأخيرة التي تنبني على تيمات تعبيرية غنائية مرهفة، قريبة من الذائقة الشعبية، والوجدان المجتمعي، منها معرضه عن نساء مصر، ورؤيته حول الخيول، وتجربته في تصوير الأغنيات الشهيرة التي يستلهم كلماتها مقدمًا معادلا بصريًّا لها.

من هذه الأغنيات التي تفاعل معها التوني “ليه يا بنفسج بتبهج.. وإنت زهر حزين؟” التي كتبها بيرم التونسي وغنّاها صالح عبدالحي، لكن الفنان لم يكتف بإدراجها كلوحة ضمن معرضه السابق عن الأغنيات الشعبية، إنما أفرد لها هذا المعرض الجديد بالكامل، لخصوبة هذه الأغنية لونيًّا، وقدرتها على تفجير حالة بصرية واسعة متنوعة.

ويحكي المصور الزيتي البارز ورسام الكاريكاتير ومصمم الغرافيتي ومبدع الزخرفة والديكور وأغلفة الآلاف من الكتب أن جماليات البنفسج كلون تنبع من صعوبته وندرة تعامل الفنانين معه، ويقول حلمي التوني في حديثه لـ”العرب” إنه وجد ضالته في هذه الندرة، فقدّم لوحات المعرض جميعها من انعكاسات وتمثّلات هذا اللون الخصيب متعدّد الدلالات.

“ليه يا بنفسج؟”، عنوان يقترح سؤالا، يجيب عنه الفنان حلمي التوني قائلا “الإجابة باختصار هي: البهجة”، موضحا أنه اتخذ من هذا اللون البنفسجي معبرا مباشرا إلى السعادة وزراعة الأمل في النفوس المُحبَطة، ونشر الطاقة الإيجابية بين البشر المنغمسين في الأحزان والإخفاقات.

الأنثى في تجربة التوني صبارة في تحملها وطائر في تحليقه وحصان في جموحه وغمامة في هطولها وبنفسجة في إشراقها وبهجتها وعطرها
الأنثى في تجربة التوني صبارة في تحملها وطائر في تحليقه وحصان في جموحه وغمامة في هطولها وبنفسجة في إشراقها وبهجتها وعطرها

ولأن أوراق البنفسج قلبية الشكل وأزهاره ذات رائحة عطرية موحية، فقد خلع الفنان على النبات صفات إنسانية مفعمة بالمشاعر الفياضة، وجاء هذا بالتوازي مع إكساب المرأة (بطلة أغلبية اللوحات) خصائص البنفسج أيضا، كمصدر للعطر البهيج القادر على النبض والإشعاع والانطلاق وتفجير الحواس خارج حدود اللحظة والمكان.

وإذا كان مبدعو الكلمة المكتوبة قد خصّصوا أعمالا من أجل البنفسج، منهم شاعر سبعينات القرن الماضي حسن طلب في ديوانه “سيرة البنفسج”، فإن تجربة التوني تبدو جديدة في قراءة سيرة اللون بصريًّا وتشكيليًّا، واستيحاء موتيفاته المشرقة على وجه التحديد من وحي أغنية شعبية تحض على السعادة، وتبعث على التشبث بالأمل، وتجاوز الآلام.

ويرى حلمي التوني أن البساطة هي كلمة السر في رهان الفنان على توصيل رسالته وبث عطره وإشاعة طاقته الخلاقة، ويقول إنه يحرص في السنوات الأخيرة على انتقاء مداخل لمعارضه التشكيلية تقرب المسافة بين ما يحياه الناس، وما يكابده الفنان ذاتيًّا ووجدانيًّا ومعرفيًّا.

ويستحضر حلمي التوني بنفسجياته من خلال حضورها المجتمعي المباشر، حيث تتيح العين اللاقطة والذاكرة البصرية للفنان قراءة اللون وفق سيرة هذا اللون الحياتية، ويقول “البنفسج ليس فقط تلك الزهرة، بل هو في فساتين الأطفال وطقوس الأعياد وفي أكواب المشروبات الشعبية التي حين نحتسيها نتذوق الفرحة ونتذكر الأعراس”.

عناصر ورموز

لا يغفل حلمي التوني في معرضه الجديد “ليه يا بنفسج؟” عناصره ورموزه المعروفة على امتداد تجربته التصويرية، فالفنان الذي حصد العشرات من الجوائز الدولية الكبرى داخليًّا وخارجيًّا ينشغل عادة بتحسس ذاته كصوت خاص له مشروع محدد المعالم، وإن كان يقول إنه لا تعنيه الأطر، بقدر ما أنه يستمتع بتقديم حالة متوهجة كما هي.

“هي محاولات لونية بريئة لرسم البهجة، ليس إلا”. هكذا يقول التوني، لكن أيقوناته الراسخة وملامحه الدالة على بصماته لا تخطئها العين في لوحات معرضه، كما في المرأة على صهوة الحصان الخشبي على سبيل المثال، وإلى جوارها الصبارة، ومن فوقها الطيور والسحابات.

إن اكتمال الوحدات الفيزيائية لدى الفنان، واستقلال كل شكل بذاته في نسق غير بعيد الصلة عن حضوره الحقيقي في الواقع، لا يمنع من إكساب العناصر والكائنات والموجودات سمات تداخلية مشتركة، فالمرأة هي صبارة في قوة تحملها، وطائر في تحليقه، وحصان في جموحه، وبنفسجة في إشراقها وبهجتها وعطرها، وغمامة في هطولها، وهكذا الحال في بقية الكيانات التي تتقاطع معًا من غير مساس بهياكلها.

ولا يكتفي الفنان بالمرأة كمصدر لإشاعة البهجة، بوصفها أعظم البنفسجات إلى جانب الزهرة الأم، إذ يستدعي البهجة ويعمل على توليدها من خلال القصص والحكايات والرموز الشعبية الموروثة والوافدة، كما في قصة سندريلا مثلًا “ذات الحذاء البنفسجي” التي تنتهي نهاية سعيدة، وحضور بابا نويل بملابسه البنفسجية موزعا حلواه وهداياه.

ولأن الحالة بأكملها ذات بعد موسيقي غنائي، فإن الفنان حلمي التوني يفسح المجال واسعًا ليس فقط لتصوير الآلات التي تعزف المرأة عليها أعذب الألحان، إنما يمنح الإيقاعات والنغمات الفرصة كي تنطق في اللوحة، من أجل المزيد من الإيحاء بأن كل ما يتضمّنه العمل حيوي وحقيقي.

14