حلمي النمنم تنويري في معركة مستمرة مع طيور الظلام

الأحد 2015/10/04
مصري حلق من بلاط صاحبة الجلالة إلى مقعد وزير الثقافة

من بلاط صاحبة الجلالة إلى مجلس الوزراء، لم يتغير في ساحة المعارك الفكرية التي اعتاد حلمي النمنم خوضها سوى أدوات الحرب فقط، فاستبدل قلمه بحقيبة وزارة الثقافة، مضيفا حلقة جديدة في مسلسل الجدل الطويل، الذي لم يتوقف حول مدى صلاحية عدد من الوزراء توالوا على الثقافة خلال السنوات الماضية، لمواجهة تحديات الحياة الثقافية، ومعايير اختيارهم.

حلمي النمنم الذي تميز عن سابقيه بأن الجدل حول اختياره انتقل من الداخل الذي اقتصرت عليه الانتقادات من قبل، إلى المحيط الإقليمي، وتحديدا بين النخب السعودية، بسبب مواقف الوزير الجديد السابقة الناقدة للوهابية.

فبعد ساعات من أدائه اليمين الدستورية غرّد الكاتب السعودي المثير للجدل جمال خاشقجي على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي تويتر، منتقدا تعيين النمنم وزيرا للثقافة، معتبرا أن من شأن ذلك وقف التعاون الثقافي بين القاهرة والرياض، قائلا إنه “حري بمصر ألا تعين وزيرا أمعن في الإساءة للمملكة، مثل حلمي النمنم، الذي صرح في وقت سابق بأن الوهابية هي سبب مصائب الأمة العربية”.

في المقابل، رد النمنم بقوله إن موقفه المعلن هو ضد الإرهاب فقط، مستغربا أن يضع البعض نفسه ضمن هذه الفئة، مضيفا أن الوهابية “شأن خاص بالمملكة العربية السعودية لا أتدخل فيه، لكن أعارض محاولة تصديرها لمصر”، مؤكدا أنه “يحترم خيارات السعوديين وعليهم احترام خياراتنا”.

وليمة للإرهاب الديني

درس النمنم الفلسفة في كلية الآداب بجامعة عين شمس، فخلقت داخله عقلية ناقدة، عمّقها بالبحث في التاريخ الأدبي والثقافي، والغوص في تاريخ الحركات الإسلامية، كاشفا ما طرأ عليها من انحرافات فكرية.

قادته الظروف إلى قلب المعركة مع الإسلام السياسي، بعد أن التحق بالعمل كصحفي بمؤسسة دار الهلال، وتتلمذ على يد الكاتب الكبير مكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة المصور، التي شهدت خلال رئاسته ذروة المواجهات العنيفة مع التنظيمات المتطرفة الخارجة من رحم الإخوان، كانت قمة الدراما فيها بتعرض مكرم لمحاولة اغتيال فاشلة.

في تلك الأجواء المحفّزة رصد النمنم المولود عام 1959، في قرية البوهة ـ ميت غمر بمحافظة الدقهلية، الإرهاب كظاهرة تستحق الدراسة والتحليل، فتناول التحولات الفكرية لسيد قطب، منظّر جماعة الإخوان، راصدا في كتابه “سيد قطب.. سيرة التحولات”، تنقلاته العديدة في حياته الخاصة، منذ أن كان ناقدًا أدبيًّا واعدًا قبل أن ينقلب على النقد، ومنذ أن كان ماسونيًّا متحمسًا يفتخر بماسونيته، قبل أن يتحول إسلاميًّا تكفيريًّا رافضًا للآخرين على طول الخط.

الظروف تقوده إلى قلب المعركة مع الإسلام السياسي بعد أن التحق بالعمل كصحفي بمؤسسة دار الهلال في الثمانينات، التي شهدت خلالها مصر ذروة المواجهات العنيفة مع التنظيمات المتطرفة الخارجة من رحم الإخوان

ثم توالت مؤلفات الوزير المثقف الصحفي التي تسعى لكشف الغطاء عن حقيقة الإسلام السياسي في مصر، منها “حسن البنا الذي لا يعرفه أحد”، “سيد قطب وثورة يوليو”، “الأزهر الشيخ والمشيخة”، “وليمة للإرهاب الديني”، “الحسبة وحرية التعبير”، “طه حسين والصهيونية”، “جذور الإرهاب أيام سليم الأول في مصر”، وغيرها.

هذا العداء الفكري بين النمنم وجماعات الإسلام السياسي المبني على فكر واع وقراءة مستنيرة للتاريخ الإسلامي، جعله هدفا دائما للجماعة المصنفة على قوائم التنظيمات الإرهابية، فسارعت فور توزيره مؤخرا، إلى تأليب أنصارها عليه عبر منصاتها الإعلامية بذريعة أنه ضد الدين.

استغل هؤلاء في معركتهم تصريحات قديمة له في إحدى الندوات الثقافية عقب ثورة 30 يونيو 2013، اعتبر فيها أن ما يتردد حول أن مصر متديّنة بالفطرة مجرد أكذوبة، والحقيقة أن مصر علمانية بالفطرة، تحتاج دستورا يخطو بها إلى الأمام، يرسخ للديمقراطية والحرية، مضيفا “حتى لا نكون رومانسيين، لا يوجد في التاريخ إرساء للحرية والديمقراطية، دون معارك وإسالة دماء”.

اللافت للانتباه أن اشتعال جبهة المعركة بين النمنم والإخوان قابلها هدوء مريب في معركته مع السلفيين، الذين اعتاد على انتقادهم بعنف، حتى أنه في الندوة ذاتها التي أكد فيها النمنم على علمانية الدولة، قال إن حزب النور السلفي أخطر من الإخوان، وأنه يتعامل مع الدولة بمنطق “أحصل على ما أريد، أو أذهب إلى معتصمي رابعة”، كالزوجة التي تبالغ في مطالبها من زوجها، وإذا لم تحققها تهدده بأنها ستذهب لشقه مفروشة وتعيش مع آخر، وهو الفيديو الذي تداوله النشطاء تحت عنوان “النمنم يصف حزب النور بالمرأة اللعوب”.

وأكد بعض المراقبين أن معركة السلفيين مع الوزير قادمة لا محالة، لكن بعد أن يفرغوا من انشغالهم بالانتخابات البرلمانية، التي ستكشف حجمهم الحقيقي في المجتمع، بالتالي تحدد مدى شراسة هجومهم عليه.

يتماهى النمنم مع دعاوى تجديد الخطاب الديني، داعيا عبر كتاباته إلى تقديم الدين الإسلامي في صورة جديدة، بدلا من الاعتماد على فقه مضى عليه أكثر من عشرة قرون، قائلا “الأئمة أبو حنيفة والشافعي وغيرهما على عيني ورأسي، لكن هؤلاء الناس عاشوا في زمن كانت وسيلة المواصلات، وآسف على التعبير، الحمار أو الجمل، أنا الآن أركب الطائرة وأحتاج لفقه يناسب هذا”.

على عكس وزير الثقافة الأسبق جابر عصفور، تجنب النمنم افتعال المعارك حول أحقية التصدي لتجديد الخطاب الديني بين الوزارة والأزهر الشريف، وعلق على ما يتردد عن صراع محتمل مع المؤسسة الإسلامية الرسمية في مصر بقوله “علاقتي بالأزهر جيدة، وكنت أحد الذين شاركوا في وضع العديد من الوثائق التاريخية المهمة، مثل وثيقة الدولة المدنية، ووثيقة الحريات الأربع، وبالتالي علاقتي بالأزهر واضحة جدا”.

وأوضح أنه عندما تعرض الأزهر للهجوم، كان أقوى شخص دافع عنه، سواء في زمن الرئيس الأسبق حسني مبارك، أو بعده حين حاولت التيارات الإرهابية اقتحامه فكريا في 2011، وهو مع الدفاع عن الأزهر كمؤسسة، وضد افتعال المعارك الوهمية، وإذا كان هناك تيار متشدد داخله، فشيخ الأزهر وقياداته ضد هذا التشدد.

طريق الإدارة

اهتمام النمنم المبكر بالملفات الثقافية، وتواجده الدائم في أوساط المثقفين، قرّبه من فاروق حسني، أحد أشهر وزراء الثقافة في مصر، ومكث في مكانه نحو 24 عاما متصلة خلال عهد مبارك، وهو الذي كلف النمنم عام 2009 بمنصب نائب رئيس الهيئة العامة للكتاب، ليبدأ ممارسة العمل الإداري داخل أحد أهم وأخطر المؤسسات الثقافية التابعة للوزارة.

وضع حلمي النمنم بصمته سريعا بإصدار قرار إداري، يحظر على قيادات الهيئة نشر أعمالهم ضمن إصداراتها، وإتاحة الفرصة للكتاب من خارجها وللمواهب الشابة لنشر إبداعاتهم، الأمر الذي لقي استحسانا من الوسط الثقافي، وقابلته قيادات الهيئة في حينه بغضب مكتوم.

رحل النمنم عن موقعه في الهيئة العامة للكتاب برحيل فاروق حسني ونظام مبارك كله، عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011، إلا أنه تولى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال الصحفية لمدة عامين، قبل أن يتولى رئاسة لجنة النشر بالهيئة العامة للكتاب، ثم رئيسا (بالإنابة) لها، ورئيسا لدار الكتب والوثائق القومية عقب ثورة 30 يونيو.

تلك الفترة استدعاها رافضو النمنم من المثقفين، مذكرين الرأي العام بتصريحاته عقب بدء محاكمة مبارك، التي وصفها بأنها محاكمة وطن، إلا أن الوزير الجديد فنّد الانتقادات متهما معارضيه بأنهم “حمّلوا تصريحاته ما لا تحتمل، وأنه قصد أن التهم الموجهة لمبارك ليست هي التي ينبغي أن يحاكم بمقتضاها وفي القلب منها الفساد السياسي”.

كما دافع عن علاقته بفاروق حسني، وقال إنه اضطر لاختياره بعد أن أصبحت الهيئة فارغة من الرئيس والنائب، مذكرا بأن النظام رفض قبلها تعيينه رئيسا لهيئة الكتاب، بسبب مقالات كتبها ضد التوريث في جريدة الدستور.

وقال “عارضت بقوة في وقت كان مدعو المعارضة اليوم يلعقون فيه حذاء النظام، وكان محمد حبيب نائب مرشد الإخوان وقتها يعتبر أن مبارك أبٌ لكل المصريين”.

الإرهاب كظاهرة تستحق الدراسة والتحليل، شغل اهتمام النمنم فتناول التحولات الفكرية لسيد قطب، منظر جماعة الإخوان، راصدا في كتابه "سيد قطب.. سيرة التحولات"، تنقلاته العديدة في حياته الخاصة، منذ أن كان ماسونيا متحمسا يفتخر بماسونيته

يعد النمنم الوزير الأكثر قبولا في وزارة الثقافة التي شهدت الكثير من التغييرات، بعد ثورة يناير، وقد أدت سرعة تناوب الوزراء إلى فقدان تأثيرهم وتراجع حضورهم في الشارع المصري، والوسط الثقافي تحديدا، لأن جميعهم تقريبا لم يخلفوا غير غبار معارك جدلية عديمة النفع.

لكن الوزير الجديد يؤكد سعيه لإزالة الخلافات التي نشبت بين المثقفين والوزارة في الفترات السابقة، إلى جانب إعلاء الشفافية وتطوير أساليب إدارة المؤسسات الثقافية، ودلل على تفاؤله بنجاحه في تحقيق إنجازات ملموسة خلال شهرين فقط تولى فيهما رئاسة دار الكتب، بضم 273 مخطوطة جديدة كانت ملقاة في “بدروم” بناية بمحافظة الشرقية، مضيفا أن لديه العديد من التجارب الناجحة والإنجازات في كل موقع تولاه عكس ما يروّج مناهضيه.

يعوّل النمنم الذي يرى أن “مصر تعيش لحظة فارقة في تاريخها”، على تضافر كافة الجهود، بحكم علاقاته المتشعّبة بالمثقفين، والاستفادة من جميع مقومات القوة الناعمة، واستعادة الزخم للدولة المصرية، وتعويض الغياب الطويل، والإعلان عن جدية السعي نحو التحول الديمقراطي، وبناء الدولة المدنية الحديثة.

بصمات النمنم

من مرجّح أن تظهر بصمات النمنم في معرض القاهرة الدولي للكتاب، المقرر تنظيمه خلال شهر يناير المقبل، والذي يمثل السوق والعيد الكبير للثقافة المصرية، لكن السؤال الذي بدأ يتردد بقوة منذ تعيين النمنم، هل يستطيع بكل مواهبه وملكاته أن يعيد الاعتبار لمكانة مصر العربية؟

يُحسب للوزير الجديد قدرته على الاستفادة من عمله الصحفي الطويل في توفير ظهير إعلامي له، ما يحد من توجيه الانتقادات له، بعكس وزراء الثقافة السابقين، كانت عداواتهم مع الإعلام سببا لكشف كثير من نواقصهم الفكرية، حيث شارك في تأسيس صحيفة “الدستور” في إصدارها الأول عام 1995، وهي أول صحيفة خاصة تصدر منذ قيام ثورة يوليو، كما شارك في تأسيس صحيفة “المصري اليوم”، ويواظب على كتابة مقالات في صحف عدة، وضيف على كثير من القنوات الفضائية.

كذلك فإن تدرجه في مواقع إدارية مختلفة بالوزارة والصحافة، قبل توليه منصب الوزير، جعله أكثر قبولا لدى الوسط الثقافي، غير أن ذلك لم يحصّنه من انتقادات المثقفين فور إعلان اسمه.

وفي مداخلة تلفونية بأحد البرامج على فضائية “دريم” نشبت معركة كلامية بين النمنم والدكتور شوكت المصري أحد الأساتذة بأكاديمية الفنون، الذي اعترض على توليه حقيبة الثقافة، ليس لشخصيته أو انتمائه السياسي، إنما لعدم قدرته على إدارة المؤسسات الثقافية في مصر، كونه لم يقدم جديدا خلال إدارته لدار الكتب والوثائق القومية، بالإضافة إلى توليه الهيئة العامة للكتاب خلال الشهرين الماضيين، دون أن يقدم جديدا في المجال الثقافي خلالهما.

واصل الأكاديمي هجومه على الوزير قائلا “للمرة الخامسة على التوالي يتم اختيار وزير الثقافة دون رؤية ولا سياسة واضحة منذ عهد عماد أبو غازي (أول وزير بعد تنحي مبارك)، وأن آخر ما تفكر فيه الحكومات المصرية المتعاقبة خلال اختيارها للوزراء هي الثقافة، فهناك عدة ضوابط تحكم عملية اختيار وزير الثقافة بصفة خاصة، لم تراعيها حكومة المهندس شريف إسماعيل الجديدة خلال اختيارها لحلمي النمنم، من بينها أن تكون له خطة استراتيجية واضحة للوزارة قبل توليه المنصب”.

بين تفاؤل الوزير ومحبيه، وتشاؤم معارضيه ومنتقديه تبقى الأيام وحدها كفيلة بتعزيز أي شعور لدى المهتمين بالشأن الثقافي سترجح كفته، وسط منظومة عانت عشرات السنين من الإهمال والتهميش.

7