حلمٌ أم رؤيا أم صدفة

كان غالبا ما يبتسم ساخرا من إيماننا بالأحلام ويقول إن العقل الباطن أشبه بمكتبة عامرة تعمها الفوضى.. وحين ننام يحتار ذلك العقل ماذا يقرأ وأي فصل من أي كتاب..
الأربعاء 2018/03/14
تواصل روحي

لأنه كان قريبا جدا مني ولأنني كنت أحس أنه أبي الروحي فقد حزنت لفراقه أيّما حزن.. وأحسست أنني فقدت قطعة من روحي ولن أجد لها في الدنيا من بديل.. وصار كلما مرّ ببالي دعوت له بالرحمة والمغفرة.. وكنت أزيد أحيانا بأن أقرأ له سورة الفاتحة وأن أوقد شمعة من أجله وكأنني أرسل إليه رسالة افتقاد.. وهو طقس شخصي يجعلني أحس بالطمأنينة والراحة كلما مارسته.. ويجعلني أحس بتواصل روحي معه يقربني منه ويجعله حاضرا في تفاصيل يومي.. الأمر الذي أصبح أشبه بعادة أتّبعها كلما غادرني قريب أو حبيب..

وأمسُ تحديدا كان قد مرّ ببالي غير ذي مرة.. ووجدت نفسي أعيد قراءة سورة الفاتحة وأوقد شمعة من أجله.. وقبل أن أخلد لنومي تساءلت في نفسي عن السبب الذي جعله حاضرا بكثافة في هذا اليوم.. فوجدت أن اليوم قد صادف تاريخ ميلاده!..

لم أُعِرِ الأمر كثيرا من الانتباه.. ربما لأنني صرت أفهم تلك الإشارات التي يقدمها لي القدر.. أو تلك التي يرسلها إليّ الغائب الحاضر.. وصرت أتعامل معها بعادية تامة فلا تعود تفاجئني.. بيد أن ما فاجأني فعلا كانت مكالمة من ابنته.. وهي تروي لي ثلاث قصص مختلفة تصب في الفكرة نفسها.. الأولى كانت تحكي عن زيارة أبيها لها في الحلم بعد انقطاع دام طويلا.. وعن حواره معها وكأنه يبلغها رسالة!.. والثانية عن أخيها الذي صحا من نومه وطلب من زوجته أن تصنع له حلويات احتفالية على غير العادة (فهو لا يحب الحلويات).. وإذا سألته عن السبب أجاب بأنه حلم بأبيه وهو يأكل منها!.. والثالثة عن أمها (أي زوجة الراحل) وهي تقطع قطعة “كيك” لها وأخرى له دون أن تعلم بتاريخ اليوم.. وتخبرهم بأنها فعلت ذلك ولا تدري لماذا..!

لم نعلم ونحن نتداول القصص هل هي حقائق أم قرائن؟.. لم ندرِ هل أنه مرّ علينا مصافحا ومسلِّما أم أنها الصدفة فقط هي التي جعلتنا نصرُّ أن نتذكره جميعا في يوم مولده الذي كدنا ننساه!.. ولم نعلم هل نبكي افتقادا له أم نذكره بفرح ونحن نتذكر احتفالاتنا التي كانت بأعياد ميلاده وهو بيننا؟.. ثمة الكثيرون ممن لا يعتقدون بهذه الأمور.. ومن بينهم هو رحمه الله.. فقد كان غالبا ما يبتسم ساخرا من إيماننا بالأحلام ويقول موضّحا بأن العقل الباطن أشبه بمكتبة عامرة تعمّها الفوضى.. وحين ننام يحتار ذلك العقل ماذا يقرأ لنا وأيّ فصل من أيّ كتاب.. فتبدو الصور الغريبة والوجوه والأماكن مختلطة والحوارات منسابة بشكل فريد لا يحدث إلا في الأحلام..

لا يهمّ يا سيدي الراحل الكبير.. لا يهمّ.. المهمّ أنك زرت مكتباتنا العامرة وجعلت كتابك بين أيدنا في يوم مولدك.. والأهمّ أن نتذكرك بالخير دائما وأن نردد في كل عام في مثل هذا اليوم “كل عام وأنت في قلوبنا لا تبرح مكانك ومكانتك”..

تضحك ابنته بسخرية مريرة وهي تقول “رحمك الله يا أبي.. ها أنك تزورنا فردا فردا وتحرص أن تسلّم علينا وأنت بعيد.. لا لشيء سوى لتذكرنا بيوم مولدك.. ولتثبت لنا ربّما أنك غيّرت وجهة نظرك تماما بشأن الأحلام..!”.

صباحكم أحلام جميلة..

21
مقالات ذات صلة