حلم أدبي متجدد اسمه بانيبال

الأحد 2017/07/23

لم يكن صموئيل شمعون غريبًا عنّي سنة 1998 حين أصدر العدد الأول من “بانيبال” رفقة شريكة مغامرته مارغريت أوبانك. بل كان صديقًا عزيزًا. كنتُ أعرفُه، وكنتُ سعيدًا به وهو يحقّق حلما يكاد يكون مستحيلا وهو تأسيس مجلة خاصة بالأدب العربي باللغة الإنكليزية. لكنني كنتُ مشفقًا عليه في الآن ذاته. فضمان الاستمرارية لمجلة ذات قيمة أدبية رفيعة يحتاج إلى مؤسسة راعية ودعم قارّ، وصموئيل لا يملك غير أحلامه وشغفه.

واليوم و”بانيبال” تحتفل بمرور عشرين سنة على انطلاق المغامرة، أعترف أن صموئيل ومارغريت قد كسبا الرهان. عرفا كيف يحافظان على مشروعهما العميق ويضمنان له الاستمرارية دون أن يفرّطا في الجوهر وهو الإخلاص لدينامية المشهد الثقافي العربي وتنوّعه. هناك أعدادٌ حين كنتُ أطّلع عليها كنتُ أسعدُ لأنّ هذا المشروع حرّ ومستقلٌ عن المؤسسات العربية الراعية التي نعرف أنّ دعمها مشروطٌ في الغالب، ممّا يجعل العمل معها مهمّة مفخّخة.

لم تنجح “بانيبال” في ضمان الاستمرارية فحسب، لكن القيمة الحقيقية لهذه المجلة هي أنها عرفت كيف تحافظ على حيويّتها وحريتها وتفاعلها التلقائي مع الجديد المُنفلِت، وتقديمه إلى قرّائها جنبًا إلى جنبٍ مع الأدب الرّفيع المكرَّس. ربما لأنها ابنة لندن المدينة العريقة المتجدّدة ذات الرؤية المتفتحة والبُعد مابَعد الحداثي.

هذه الخاصية بالذات صنعت حيويّة المجلة التي اعتَبرَتْ منذ البداية أنّ المشهد الأدبي العربي فسيفساءٌ الأصلُ فيها التعدّد، تعدّد الأعراق واللغات، وتنوّع الأجيال والحساسيات والاختيارات الأدبية. ما إنْ يراهِنْ مشروعٌ على التنوّع والاختلاف حتى يضمن استمراريته وتجدّده.

هكذا بقيتُ وغيري من المواظبين على “بانيبال”، من أنغلوفونيي المشهد الأدبي العربي، نترقّب أعدادها المتلاحقة بفارغ صبر. عدد خاص بقصيدة النثر، يليه آخر عن القصة القصيرة العربية الجديدة. عدد عن الأقلام النسائية الشابة يليه آخر عن الأدب السوداني اليوم. عدد عن القاص السوري الرائد زكريا تامر يليه آخر عن الكتابة الجديدة في الإمارات. عدد عن الكتابة السجنية في الأدب العربي الحديث تليه أعداد تحتضن أقلاما حرّة لشباب يحاولون كسر الطابوهات بقوة وجرأة.

هذه هي “بانيبال”. ترجمانٌ أمينٌ للأشواق الأدبية العربية، ومنصة للإبداع الحرّ. كل ذلك يتواصل على امتداد عشرين سنة بشغف وحماس. حينما اقترحتُ على صموئيل نصًّا سرديًّا طويلًا عن مراكش كتبْتُه رفقه صديقي الشاعر سعد سرحان تحت عنوان “مراكش: أسرار معلنة” تحمّس فورًا لترجمته ونشره في “بانيبال”.

بعدها قال لي “لكنّ نصًّا واحدًا لا يكفي. لِمَ لا نُخصّص عددا كاملا لمراكش؟ لكتابة مراكش؟ لرواية مدينتكم الحمراء الفاتنة؟” وكذلك كان. لكن يلزم بعض الدعم، ولو كان نزرا يسيرا من الدعم. تدخلتُ لأربط لصموئيل الاتصال مع مهرجان دولي ضخم يُنظَّم بالمدينة.

أبدى المهرجان حماسه للمجلة، ولهذا العدد الخاص. لكنهم سرعان ما تخلّوا عنّا. خذلوا المجلة والمدينة. اتصلتُ بصموئيل حزينًا. قلت له “آسف يا صديقي، لقد تخلّوا عنا”. لكن صموئيل بادرني بقهقهته الطفولية العجيبة “ها ها ها ها. كالعادة. كلهم يتخلّون في الأخير يا صديقي. وأنا تعوّدت. لكن لا تقلق. العدد مذهل”.

كان صموئيل يتكلم بغبطة. وبفرحٍ نادرٍ بالأدب. حينها أدركتُ السر. “بانيبال” نجحت وتألقت على امتداد هذه السنوات ببساطة لأن محرّكها الأساس هو الفرح بالأدب والانتصار له. هذه هي الوصفة ُ السريّةُ التي يُخفيها صموئيل وماغي عنّا. لكنّنا نحدسها كلما هلّ علينا عددٌ جديدٌ من هذا الحلم الأدبي المتجدّد الذي نُسمّيه “بانيبال”.

كاتب من المغرب

13