حلم إميلي نصرالله يتحقق بعد 6 أشهر من رحيلها

حلم طالما راود المبدعة الراحلة، يتحقق بتحويل منزل طفولتها إلى مزار ثقافي وملتقى للكتاب والأدباء.
الثلاثاء 2018/09/11
إميلي نصر الله استلهمت من طفولتها في بيت جدها وبيئة قريتها لتكتب عوالمها الأدبية الساحرة

بيروت - بعد ستة أشهر من رحيل الأديبة اللبنانية إميلي نصرالله أطلت روحها في مسقط رأسها بقرية الكفير جنوب لبنان، لتشهد تحقق حلم طالما راود المبدعة الراحلة، بتحويل منزل طفولتها إلى مزار ثقافي وملتقى للكتاب والأدباء.

وجاء افتتاح “بيت طيور أيلول”، المبني منذ حوالي مئة سنة من التراب والطين على الطراز اللبناني، ليخلد ذكرى “أم الرواية اللبنانية” كما يصفها النقاد.

البيت المحاط بطبيعة خلابة ترعرعت فيه نصرالله في كنف جدتها روجينا، التي تركت لها الكاتبة إهداء في كتابها “المكان” الصادر أخيرا عن دار قنبز، والذي تزامن صدوره مع افتتاح البيت.

في هذا البيت الواقع قبالة جبل الشيخ الشامخ الذي كان حاضرا في أدب نصرالله واستوحت منه الكثير من صلابتها وتعلقها بالأرض والكتابة عن الوطن والانتماء والهجرة، درست الطفلة الصغيرة المنحدرة من عائلة اختارت الهجرة طريقا للخلاص، ومن ثم أصبحت طفولتها وأمكنتها والهجرة أفكارا أدبية عالجتها إميلي في رواياتها وقصصها ونقلتها إلى قرائها وإلى العالم.

عندما يصل الزائر إلى البيت بعد طريق طويل يدوم حوالي ساعتين ونصف الساعة من بيروت، يشعر كأنه يعرف البيت جيدا، خصوصا إذا سبق له وأن قرأ روايات إميلي، يشعر أن في كل زاوايا غرفه الضيقة التي تزدان اليوم بصور إميلي منذ طفولتها حتى مماتها، حكايات عن الأرض والحب والبساطة ولبنان والزرع والزيت والزيتون.

وفي البيت يزوّدك العاملون بخارطة لأبرز محطات إميلي في القرية، وهي المدّ (أرضية تحت البيت تستخدم مخزنا للمؤونة أو زريبة للحيوانات)، النافذة، المصطبة، الكنيسة، مدرسة البنات التي درست فيها، دزينة الستة (سطح الكنيسة حيث كانت تدق الجرس دزينة أي 12 مرة من أجل صلاة العصر، وهي مهمة توكل للرجال عادة)، الخشخاش (المقابر).

هناك أيضا “صخرة القرقار” العالية الأكثر قربا من جبل الشيخ حيث كانت تجلس إميلي وتتأمل الطبيعة الخلابة التي لا يمكن لأحد أن يسكن فيها من دون التأثر بها لناحية الإبداع أو التنسك.

أما المحطة الأخيرة فهي ساحة السوق. وفي كل محطة وضع تعريف بالمكان ونص كتبته إميلي بنفسها مأخوذ من مذكراتها في كتاب “المكان”.

كتاب يحمل ذكريات نصرالله
كتاب يحمل ذكريات نصرالله

ومثلما قالت ابنتها المعمارية والأستاذة في الجامعة الأميركية في بيروت هذا البيت الحميم الصغير “أرادت إميلي قبل وفاتها أن يُرمّم ويفتتح للعامة كملتقى ثقافي مخصص للإقامات الفنية والأدبية ولمن يريدون البحث والعمل والكتابة حول ثيمة الهجرة التي شغلت إميلي”.

إذن هذا الصرح الثقافي هو مبادرة من نصرالله قبل رحيلها، أي مبادرة خاصة بدأتها بنفسها قبل وفاتها، وتولت ابنتها مهى ترميم البيت وحافظت على روح البساطة والحياة القروية التي يمتاز بها، من دون أن تمس أو تشوه أي عنصر معماري أو جمالي فيه.

اختار أولاد الكاتبة وعلى رأسهم مهى التي اهتمت بترميم البيت بعدما اشترته إميلي من الورثاء ودار قنبز التي تولت أيضا فكرة تنفيذ وإخراج كتابها الأخير “المكان” أن يُحتفى بإميلي نصرالله وكتابها وبيتها في سبتمبر نظرا إلى رمزية هذا الشهر في حياة الكاتبة وأدبها. فأهم كتبها هو “طيور أيلول” الذي يعالج قضايا الهجرة، وفي أيلول يعود المهاجرون إلى بلدانهم بعد الاصطياف في لبنان.

وتتولى إدارة “بيت طيور أيلول” جمعية تحمل الاسم ذاته، وسيضم لاحقا مكتبة عامة مفتوحة طوال السنة.

وقالت أمال أبوعسلي وهي صديقة إميلي نصرالله منذ الطفولة خلال الافتتاح “إميلي كانت امرأة محبة وكريمة ومجبولة بهذه الأرض، نحن نفتخر بها ونتباهى بأن قريتنا أخرجت أديبة عالمية”.

وأضافت “خطوة تحويل البيت الذي تربت فيه في كنف بيت جدها لأمها، هو مهم لذكراها ولنا كأهالي المنطقة. سيصبح معلما سياحيا وثقافيا يحرك المنطقة ويجذب السياح والمثقفين لزيارتها”.

وسبق افتتاح البيت إطلاق كتاب “المكان” في الجامعة الأميركية مع الإعلان عن صدور طابع بريدي يحمل صورة إميلي نصرالله بريشة الفنان جان مشعلاني.

ومن مخطوطة أصلية نثرت على صفحاتها إميلي نصرالله ما اختزنته ذاكرتها من عوالم الطفولة في قريتها الكفير تشكل كتاب “المكان” وضمت الكاتبة بين دفتيه وللمرة الأولى سيرتها الذاتية، فكانت هي، بقلمها الشفاف، تروي سِير أفراد عائلتها وتشق خطوط هجراتهم.

وقالت الناشرة نادين توما “هذا العمل كان هدية بالنسبة إلى دارنا عندما طلبت منا مهى ابنة إميلي أن ننفذه ونتولى رؤيته. وقد استمر العمل عليه ثلاثة أشهر بشكل مكثف، قبيل رحيل الكاتبة لأنها كانت تريد أن يطبع وتراه قبل الرحيل، وهكذا حصل”.

ونذكر أن إميلي نصرالله توفيت في 13 مارس الماضي عن عمر ناهز 87 عاما.

14