حلم إيران: اتفاق نووي وتوسيع النفوذ

السبت 2015/03/07

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن على إيران تجميد كل أنشطتها النووية للتوصل إلى اتفاق حفيظة تلك الأخيرة. الغريب أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف انتقد شكل تلك التصريحات أكثر من فحواها واعتبر بأن الرئيس الأميركي استخدم عبارات “غير مقبولة تنمّ عن تهديد”، مؤكداً على أن بلاده “لن ترضخ أمام المطالب المبالغ فيها وغير المنطقية”.

لم يكن دخول المفاوضات النووية يسيراً على الجانب الإيراني، فمجرد قبول التفاوض شوه الصورة المحببة التي يروجها النظام الإيراني عن نفسه، والتي تعرض إيران كدولة عظمى في محيطها ترفض كل الإملاءات الخارجية وتتخذ قراراتها باستقلالية تامة. وإذ بها تُخضع “مصالح الشعب” لجولات تفاوض طويلة مع الغرب، وتحديداً مع “الشيطان الأكبر”، أميركا.

من هنا، كان لابد لظريف أن يعلّق على تصريحات أوباما بصورة تظهر حسم إيران لضرورات الاستهلاك الداخلي. أما تصريحاته لمحطة تلفزيونية أميركية حول شروط أوباما فكانت هادئة، بل خانعة إلى حد ما. قال ظريف بأن كل شيء هو رهن المفاوضات، وبأن بلاده مستعدة للمضي بعيداً في تنازلاتها لكي تثبت أنها لا تسعى لامتلاك قنبلة نووية.

في حقيقة الأمر، لا يعرف تماماً إن كانت تصريحات الرئيس الأميركي هي لمجرد مواجهة الضغوط التي أحدثها خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكونغرس، وبالتالي هي تصريحات للاستهلاك الداخلي. أم أنها نتاج توافق الجانبين، الأميركي والإيراني، على تجميد الأنشطة النووية لفترة تتراوح بين 10 و15 عاماً، ولم يفعل أوباما سوى أن سرّب ذلك الشرط لتهدئة مخاوف منتقديه، ولإبراز خطأ نتنياهو عندما اعتبر أن الاتفاق مع إيران سيكون الأسوأ على الإطلاق.

كما يمكن قراءة شرط أوباما الأخير على أنه نتاج ارتفاع سقف المطالب الأميركية ضمن مخطط معد مسبقا يعمل على انتزاع ما يجب انتزاعه من طهران بشكل متدرج. لكن إذا كان تجميد أنشطة إيران النووية بند فعلي وجديد يقدمه أوباما كشرط للوصول إلى اتفاق ورفع العقوبات عن إيران، فربما يعقد ذلك من إمكانية التوصل إلى تسوية.

تبدي إيران رفضا للتجميد لمدة عشر سنوات أو لفترات أقل. لكنها كانت ترفض قبل عامين الحدّ من مخزون اليورانيوم المخصب، وتخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي ومراقبة بحوثها النووية، وشروط عديدة رفضتها طهران في السابق توافق عليها اليوم، ولا يستبعد أن تكون قد وافقت على تجميد أنشطتها النووية لعشر سنوات أو أكثر. وراء كل تلك التنازلات تبرز حاجة إيران الماسة للتوصل إلى اتفاق دولي حول برنامجها النووي، وربما يعود ذلك إلى أمرين اثنين.

يتعلق الأمر الأول بحجم الخسائر الفادحة التي تكبدها الجانب الإيراني خلال السنوات الماضية بسبب العقوبات الاقتصادية. وهي خسائر لا تتوقف عن التراكم وتحمل معها مضاعفات اجتماعية حيث ترتفع باستمرار معدلات الفقر والبطالة وتنحدر قيمة العملة المحلية إلى مستويات سحيقة. هكذا، يعتبر رفع العقوبات الاقتصادية أهم ما تطمح إليه إيران من الوصول إلى اتفاق دولي. وهي تبدي تشدداً في هذه المسألة يكاد يكون أكثر من تشددها في التمسك بتفاصيل مشروعها النووي. ففي حين تريد أميركا، ودول غربية، عدم رفع العقوبات مباشرة حتى في حال التوصل إلى اتفاق وذلك لمتابعة الضغوط على الجانب الإيراني لتنفيذ تعهداته، تقول إيران أنها لن توقّع أي اتفاق قبل رفع تام للعقوبات.

الحافز الثاني الذي يدفع إيران إلى تقديم مزيد من التنازلات للوصول إلى اتفاق فهو تدخلاتها العسكرية المتزايدة في دول المنطقة، في سوريا والعراق ولبنان واليمن وربما البحرين لاحقا. إذ تندفع إيران على نحو غير مسبوق في مساحات شاسعة لتضطلع بدورٍ متعاظم يحتاج موارد ضخمة هي حبيسة العقوبات الاقتصادية الغربية.

تفكر إيران في أن مستقبلا واعدا ينتظرها حال نجاحها بتوقيع الاتفاق النووي ورفع الحصار. تفكر في الموارد الاقتصادية الهائلة التي ستتدفق على الخزينة الإيرانية. موارد، سوف تفيض بها على حلفائها لتطلق يدها بحرية أكبر وبجسارة أشد في كل المنطقة. تعتبر طهران أن توسيع نفوذها الإقليمي رد حاسم على إجبارها وقف برنامجها النووي. هي تحلم وتتهيأ للانتقام منذ الآن.


كاتب فلسطيني سوري

8