حلم العدالة

الثلاثاء 2014/04/29

لربّما بات الحديث عن العدالة ضربا من الترف القيميّ في عالم يفتقر إلى الحدّ الأدنى منها، فلا مشاهد الدمار والخراب والتهجير والتشريد الجماعيّ بقادرة على الدفع إلى اتّخاذ مواقف علاجيّة إزاءها، ولا رعب الفراغ يوجب أيّ حلول إسعافيّة محتملة، بل يظلّ التخبّط سيّد المشهد والموقف، يرافقه شيء من القلق المشين.

من المفارقات الواقعيّة والتاريخيّة أنّ الحديث عن العدل والعدالة يكون من قبل المُستضعفين والحالمين في حين أنّ الأقوياء والمتسلّطين لا يكترثون للفكرة، وقد يستعينون بها للانتقام من محكوميهم، وتفصيل نوع مؤطّر من العدالة يلائم ظلمهم وتحكّمهم وتقييدهم، بحيث يتمّ توظيف القيمة المثلى للنيل من الخصوم.

العدالة التي يطبّقها بعضهم تظلّ انتقائيّة، ما يصحّ على جزء لا يصحّ على آخر، ولاعتبارات مختلفة، ودوما هناك مَن يتجاوز القانون، على مقولة “وُضِع القانون ليخترق”، أو إنّ القانون يوضَع للبسطاء والضعفاء فقط، أمّا الأقوياء فهم واضعو القانون، وسدَنة تطبيقه على غيرهم.

تكثر الدعوات في ظلّ الثورات العربيّة إلى عدالة انتقاليّة، والخشية تكمن في أن تتحوّل بدورها إلى انتقائيّة، أو انتقاميّة، فالتاريخ يذكر روبسبيير الذي حكم فرنسا سنتين (1792 – 1794)، وكان أحد قادة الثورة وكيف أنزل عقوبة الإعدام بالمقصلة بأكثر من ستّة آلاف شخص، ثمّ لاقى المصير نفسه على يد حكومة “المديرين” التي جاءت بعده، وذلك قبل أن يعتلي نابليون بونابرت العرش 1799 ويعلن إمبراطوريّته.

ويمكن تذكّر حديث الهنديّ أمارتيا كومار سِن؛ الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد 1998، في كتابه “فكرة العدالة” وتركيزه على دور العقل في تقديم أساس مكين لنظرية العدالة، إذ اعتبر أن التفكير هامّ جّدا لفهم العدالة في عالم فيه كثير من الجنون.

وأكّد أن الإحساس بالظلم يدفع إلى تحدّيه بالوسائل الممكنة، فيفترض أنّ الباريسيين ما كانوا ليقتحموا الباستيل، وغاندي ما كان ليواجه الإمبراطورية التي لم تكن تغيب عنها الشمس، ومارتن لوثر كينغ ما كان ليكافح سيادة العرق الأبيض لولا ذاك الإحساس بالظلم، مع إدراكه أنّهم لم يكونوا يحاولون التوصّل إلى عالم من العدالة الكاملة، لكنهم أرادوا رفع المظالم الواضحة بالقدر الذي يستطيعون.

ويظلّ قول جبران صالحا لزماننا ومنطبقا عليه كثيرا: “العدل في الأرض يبكي الجنّ لو سمعوا به ويستضحك الأموات لو نظروا”. وقد يبعث المنادي بالعدالة والم على السخرية منه والهزء به لإبحاره ضدّ التيّار الذي يؤدّي به إلى التصادم مع الواقع، أو الجنون المحتّم في حال التشبّث بالفكرة. لكن تظلّ العدالة حلما جميلا يسبغ على الوجود معاني سامية تستحقّ ما يبذل في سبيلها.


كاتب من سوريا مقيم بلندن

15