حلم الفراشة: قصة شابيكوينسي الحزينة

الأحد 2016/12/04

حلت الكارثة في الأوساط الرياضية البرازيلية وضربت بأقسى ما لديها الأسبوع الماضي، وصعقت الجميع بعد أن أودت كارثة جوية بحياة أغلب أعضاء فريق شابيكوينسي البرازيلي الذي كان يتأهّب لكتابة فصول مرصّعة بالذهب في سجله بخوض نهائي “سود أميركانا” لكرة القدم لأول مرة في تاريخه، منذ انبعاثه في أوائل السبعينات من القرن الماضي.

الكارثة ضربت الفريق وحوّلته إلى مجرد ذكرى، إذ تحطمت الطائرة التي كانت تقل بعثة الفريق لخوض ذهاب نهائي المسابقة القارية، فانتهى الحلم وتحوّل إلى كابوس من الصعب للغاية أن تنتهي تداعياته سريعا، فما حصل لهذا الفريق الفتيّ يعدّ من أكثر الأحداث المأساوية التي ضربت الكرة العالمية، ولا تضاهيها سوى فاجعة سنة 1993 عندما أودت كارثة جوية بكافة أفراد المنتخب الزامبي الذي كان آنذاك من القوى التقليدية في القارة السمراء.

هي قصة جديدة تضرب الكرة العالمية في الصميم، قصة موغلة في التراجيديا والمأساة والحزن، وكان من حظي العاثر أن أتابع آخر مباراة رسمية خاضها هذا الفريق المنكوب يوم الأحد الماضي، عندما نزل ضيفا على نادي بالميراس المتوّج بلقب الدوري البرازيلي عندما هزم شابيكوينسي، في تلك المباراة أتيحت لي الفرصة كي أكتشف أحد الفرق الصاعدة بسرعة البرق في سماء الكرة البرازيلية والأميركية.

فريق يقدم عروضا جيدة وممتعة، ما يؤشّر حتما أنه كان قادرا على الحصول على كأس “سود أميركانا” والرقيّ درجات إلى عنان السماء، رغم أنه كان قبل سنتين فريقا متواضعا مغمورا نجح فيما بعد إلى الوصول إلى الدرجة الممتازة في الدوري البرازيلي.

قصة أثارت مشاعر الحزن والأسى في شتى أصقاع العالم، فالصدمة أصابت الجميع بعد هذا الحدث الجلل، والكل تعاطف مع الفريق الموجوع الذي خسر في لحظة عابرة كلّ ما بناه، وتحطمت أحلامه على هضاب كولومبيا التي كانت ستحتضن مباراة ذهاب الدور النهائي للمسابقة القارية.

قصة أثارت في النفس مشاعر تعاطف، ليس بسبب حجم الكارثة وهولها، بل لأن القدر اختار فريقا كان يكابد ويكافح كي يرسم لنفسه موقعا دائما ضمن كوكبة الفرق المتألقة على الخارطة الكروية لأرض البرازيل الولادة للمواهب الرائعة والفرق الممتعة.

قصة شابيكوينسي الحزينة أعادت إلى الذهن أحداث فيلم تركي موغل في التراجيديا والبؤس والشقاء عنوانه “حلم الفراشة”، ويتحدث عن تفاصيل علاقة صديقين حميمين جمعهما رابطان وثيقان، فهما مصابان بمرض خطير، لكن رغم ذلك حاولا العيش وتحدّي كل الصعاب وكان سلاحهما الشعر، تعرضا للعديد من المضايقات والصعوبات، وأحد البطلين لم ينجح في الظفر بمبتغاه وهو الزواج بحبيبته، أما الثاني فقد تزوج، لكنه خسر زوجته سريعا بعد وفاتها بسبب المرض نفسه، لينتهي بهما المطاف في النهاية إلى الأجل المحتوم الذي كان أقوى كثيرا من كل التحديات.

لا أدري أيّ رابط متين يجمع بين القصتين، فالأولى تجسدت على أرض الواقع والثانية هي رواية ترجمت إلى فيلم سينمائي نال الإعجاب والتقدير، لكن يبقى الأساس هو أن للحدثين طعما مريرا قاسيا يحيل إلى التراجيديا والوجع والصدمة.

ما حدث لطائرة شابيكوينسي المنكوبة هو أشبه ما يكون بحلم فراشة أرادت الطيران والتحليق عاليا والوصول إلى أرض خصبة، لكن رياحا عاتية ألقتها أرضا وحطمت أجنحتها الضعيفة، فغدا الحلم مجرد ذكريات وكابوسا مزمنا.

فريق شابيكوينسي المغمور كان تماما مثل تلك الفراشة الجميلة الحالمة، كانت لا تقوى على الطيران كثيرا في عنان السماء، لكن هفوتها القاتلة أنها ولدت ضعيفة فاختارها القدر، أما شابيكوينسي فإنه ولد فريقا ضعيفا مغمورا تجرّأ على الحلم، وكان قادرا على تحقيقه وتجسيمه قصة رائعة وأسطورية على أرض الواقع، لكن القدر اختار أن ينهي الحلم ويغتاله في غفلة من الجميع وفي رمشة عين.

قدر هذا الفريق كان أبيّا عصيّا وشديدا، لتحلّ الكارثة والمأساة بشكل درامي تراجيدي موغل في الكآبة والحزن تماما مثل نهاية بطلي الفيلم التركي، وكأن هذا القدر أراد أن يقول من لا يملك أجنحة قوية فلا أمل له كي يحلق عاليا، فالسقوط سيكون مروّعا ومدوّيا وداميا.

هذا ما حصل فعلا مع الفريق البرازيلي المنكوب، فريق أصبح بلا أبطال ولا فراشات قادرة ولو إلى حين على الطيران، فريق عاش المتناقضات في حيّز زمني قصير، فمن التحليق والاقتراب من حلم التتويج القاري إلى اللاشيء، بل إلى الفناء.

رغم الهبّة العالمية لمواساة الفريق المنكوب، حيث دخلت البرازيل في حداد، كما أعطى أنفاتينو رئيس الفيفا تعليماته بالوقوف دقيقة صمت في كافة ملاعب العالم على روح ضحايا الطائرة المنكوبة، ورغم أن الفريق الكولومبي الذي كان من المفترض أن يواجه شابيكوينسي في الدور النهائي طالب بمنح اللقب للفريق المنكوب، إلاّ أن ذلك لن يهوّن من حجم الكارثة، فلا أصوات جماهير الفريق ستعلو في القريب العاجل في الملعب الصغير التابع للنادي، ولا آهات الإعجاب والمديح تجاه نجوم شابيكوينسي ستصدح سريعا، سيبقى كل شيء مجرد ذكريات سيئة ومزعجة، وسيغدو كل شيء فصلا تعيسا ضمن دفاتر الماضي الحزينة.

كاتب صحافي تونسي

23