حلم الفرصة الأخيرة: وحدة منتجة ومجلس تعاون عربي حقيقي

الثلاثاء 2014/03/18

إلى الآن، بالرغم من كل المثبطات والمصائب والتراجعات في تاريخ العرب المعاصر، لو سألت أي مواطن عربي عن الحل الأنجع لهذه الأمة لقال دون تردد، إن الحل في وحدتها وتلاقيها على مصالحها المشتركة. أي أن طول أمد تسفيه (قومية) العرب والحروب الطاحنة التي قامت ضدها من قوى محلية وإقليمية ودولية لم تنل من الاعتقاد الراسخ لدى أبنائها بأن وحدتهم هي الحل وأن مصيرهم مشترك. بل إن العربي، خاصة بعد فشل جماعات الإسلام السياسي في ثورات العرب الأخيرة وزلازلها الاقتصادية والأمنية، يؤمن الآن أكثر من أي وقت بأن التقاء العرب بات الآن ضرورة قصوى وليس اختيارا متاحا.

وهي ضرورة تفرضها، غير اعتبارات الدين واللغة والجغرافيا، سياقات حتمية تتعلق بوجود العرب ذاتهم وامتلاكهم لإرادتهم وقرارهم الذاتي إن أرادوا الخروج من التبعية التي وضعوا أنفسهم فيها نتيجة لتفرقهم وانفراد القوى الأجنبية بدولهم بعد تقسيمهم إلى جزر تتناحر فيها الأنظمة السياسية على الكراسي والمكاسب القُطرية المؤقتة. هذا التناحر الذي فوت دون شك الكثير من الفرص السياسية والاقتصادية الكبرى، التي لو استغلت في حينها ما وصل العرب ولا اضطروا، كما يفعلون الآن، للتعامل مع مؤامرات شرسة جديدة تسعى إلى تمزيقهم وتقسيم بلدانهم إلى دويلات كرتونية تزيدهم تناحرا وضعفا.

كما أن الالتقاء على المصلحة القومية ليس خطيئة كما صُوّرَ لنا خلال العقود الماضية نتيجة لمعارك سياسية أو دينية معروفة، فأمم اليوم في أوروبا وأميركا الجنوبية وفي آسيا الشرق الأقصى، لم تقم لها قائمة سياسية أو اقتصادية إلا من خلال الحزام الجامع لأعراقها بالدرجة الأولى ثم تأتي، بعد ذلك، بقية الأحزمة التي تُثبّت وجود هذه الأعراق وتقوّيها ليكون بمقدورها أن تتخذ القرار الوطني، الصحيح والحاسم، الذي يناسبها ويحقق مصالح شعوبها.

اليابان وكوريا، مثلا، وهما دولتان لا حظ لهما من الثروات الطبيعية، قامتا على أساسين قوميين لتحققا رفاهيتهما وحضورهما على المستوى الدولي. هذان الأساسان هما إيثار مصلحة الجماعة ومصلحة الوطن التي يُربّى عليهما المواطن الياباني أو الكوري في جميع مراحل التعليم ويستمر حقنه نفسيا وعاطفيا بهما حين يدخل مجال العمل والإبداع والإنتاج. أي أن مدار حركة مواطني هاتين الدولتين المتفوقتين هو الوطن وصورته وتقدمه. وبالتالي فإن الوقود الدافع للعنصر البشري في اليابان وكوريا، هو الانتماء لقوميته والانحياز الواضح لكل ما يتصل بها.

إيران وتركيا المجاورتين أيضا، وهما قريبتان منا حضاريا وجغرافيا، تعوّلان على عرقيهما الفارسي والتركي لبناء حضورهما ومجدهما العلمي والتقني والاقتصادي، ومن ثمة إيجاد تركيا وإيران قويتان بمقدورهما أن تحققا مزيدا من المكاسب الإقليمية التي تصب في صالح قوميتيهما وشعبيهما. وكل ما تفعله هاتان الدولتان الآن في المنطقة لا يخرج عن كونه صيانة وتمكينا لقوميتيهما في مقابل قومية العرب المترهلة التي ضُربت من قبل وما زالت تُضرب من قبل بعض أبنائها ومن الآخرين على حد سواء.

إذن فإن الانتماء للقومية العرقية واستخدامها لشحن همم التوحد والعمل والإنتاج، ليس عيبا ولا خطيئة يرتكبها شعب دون آخر. بل إن الخطيئة هي أن توضع هذه القومية على الرف، لتحل محلها بدائل بائسة أثبتت فشلها على مر العقود الماضية في عالمنا العربي. لكنني، في المقابل، أتفق مع كثيرين في آرائهم التي تعيدُ فشل التقاء العرب ووحدتهم السياسية والاقتصادية إلى وقوع قوميتهم في شرك الشعاراتية العاطفية، التي أنتجت أول ما أنتجت إلغاءهم لبعضهم واستقواءهم أو استعلاءهم على بعضهم والانشغال بالتصفيات السياسية فيما بينهم.

وهذه الشعاراتية العاطفية، لم تسلم منها الأفكار المضادة لفكرة القومية الجامعة، إذ أن البدائل وقعت في ذات الشرك ولذات السبب. وهو أن استثمار العاطفة أسهل من الاستثمارات الأخرى المتعلقة بالعلم والإنتاج والإبداع. ولذلك اعتُبر العرب في زمانهم الحديث، قوميون وإسلاميون ومن كل التيارات، مجرد ظاهرة صوتية لا حضور لها في سوق التقدم الاقتصادي والبحث العلمي والتكنولوجي. ولم يُستثن أحد منهم من ذلك، سواء أكانت دولهم غنية أم فقيرة.

ولذلك، بعد كل هذه الخيبات العربية المتوالية والمشتركة بين كل التيارات، ربما يكون مطلوبا اليوم أن تنشأ بادرة حقيقية لتأسيس وحدة عربية منتجة لا تفقد العاطفة الضرورية والمطلوبة للحشد الشعبي، لكنها تحتفي أكثر بما يجمع العرب على أساس المصالح الحقيقة والعملية المشتركة، التي توظف مكاسب وخصائص كل دولة لترفد مكاسب وخصائص الدولة الأخرى.

هذه البادرة التي تشبه الحلم تؤيدها الأحداث السياسية الأخيرة التي عرف فيها العرب أكثر من السابق أن يدهم الواحدة هي التي تُفوّتُ على الأجندات الدولية والإقليمية نواياها وتربصاتها. فلولا، مثلا، الدعم الخليجي لما تمكنت ثورة 30 يونيو في مصر من الصمود في وجه الهجمة الغربية والتركية على الإرادة الشعبية المصرية التي أسقطت حكم الإخوان وما وراءهم من مخططات. ودون مصر تعرف دول الخليج، أنها ستكون إقليميا ودوليا أضعف في مواجهة الأجندات الطامعة بها، لا سيما الأجندتين الإيرانية والتركية.

ومن مصر والسعودية يمكن أن تنطلق بادرة هذه الوحدة المنتجة ممثلة بإنشاء مجلس للتعاون العربي تنضم إليه كل الدول العربية الراغبة في تحقيق استراتيجية الاقتصاد والأمن العربي المشترك، باعتبار أن عاملي الاقتصاد والأمن هما الضمانتان الحقيقيتان لامتلاك الإرادة العربية الشاملة وامتلاك السلامة والأمن الوطنيين.

وإذا ما قُدّرَ لهذا المجلس العربي أن يقوم، فلا بد أن يستفيد من دروس الماضي ومن دروس فشل الجامعة العربية في مساعيها وأهدافها، بحيث يكون التوجه لبناء اقتصاد وأمن عربيين مشتركين صادقا وجادا بين كل الدول التي توجد تحت سقفه. وبحيث توضع آليات بشرية وتنظيمية فعّالة تدير أعماله ومشروعاته على أسس علمية وليس فقط سياسية. بمعنى أننا نريد أن ينتقل الخطاب العربي في هذه المجلس من ديباجات السياسة التقليدية إلى أرقام التقارير الاقتصادية والمنجزات الأمنية الفعلية التي تحققت تحت مظلته، والتي استفادت منها هذه الدولة أو تلك بنفس القدر، بحيث لا ننزلق مرة أخرى إلى مطبّات الفائدة المعظمة لدولة عربية على حساب دولة أخرى.

ما لدى العرب الآن، إن فهموا واقعهم وما يتهدّدهم من مخاطر، هو فرصة أخيرة لاستثمار مخزونهم من الثروات الطبيعية والاقتصادية والبشرية ليصبحوا أقوى وأفضل مما هم عليه. وبعد أن أثبتت لهم الوقائع الأخيرة أن مصائرهم السياسية والاقتصادية والأمنية مترابطة بشكل عضوي، فإن توظيف هذه المخزونات توظيفا صحيحا أصبح مسألة مصيرية ينجحون فيها جميعا أو يفشلون جميعا. ومن يعتقد من العرب أنه سيظل يمارس المؤامرات والتصفيات السياسية وسينجو منفردا من مصير التمزق والضعف الذي سيصيب العرب الآخرين واهم، فالعرب أمة واحدة فرقتها في زمانها الحديث السياسة وألاعيبها ويمكن أن تجمعها، بإرادة صلبة وحقيقية، مكاسب اقتصادية وأمنية لم يعد هناك مناص من السعي الجاد لتحقيقها.

كاتب سعودي

8