حلم اليمنيات بكسب حقوقهن بعد الثورة وئد في مهده

الأحد 2015/01/25
نسب مشاركة اليمنيات في الثورة كانت مرتفعة لدرجة تلقيبها بثورة السواد

المرأة اليمنية لا تختلف عن نظيراتها في الدول العربية التي شهدت ثورات ما يسمّى بالربيع العربي من حيث مساهمتها في الحراك الثوري وتواجدها في الصفوف الأمامية من المظاهرات المطالبة بتنحي الدكتاتورية وبالتغيير. غير أن ما آلت إليه الثورة في اليمن من نزاعات مسلحة واقتتال زادا وضعها المتسم بالتهميش والمعاناة سوءا، لتجد نفسها في مواجهة قضاياها الأصلية إلى جانب توجه إسلامي يرنو لإعادة تكميمها.

أملت المرأة اليمنية من الثورة الكثير وحلمت بأن تهب فعلا نسمات الحرية على بلدها وبأن يشملها جانب منها فتتمتع بحقوقها وتتحسن أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. حلمت بغد أفضل لها ولليمنيات الصغيرات وبمستقبل يخلو من مظاهر التهميش ومن مظاهر الفقر المدقع ومن الزواج المبكّر ومن الأمية ومن التبعية للرجل ومن النظر لها على أنها ليست إلا أداة للتكاثر والمتعة. آمال اليمنيات وطموحاتهن لم ترتق إلى الرفاه وإلى المطالبة بالكماليات بل هن يطمحن إلى بلوغ أبسط الحقوق لأنهن يعشن واقعا مترديا ولعله يكون الأسوأ بين نظيراتهن ليس فقط في العالم العربي بل في العالم بأسره.

أن تولد أنثى في اليمن فذلك يعني بالضرورة أن تتحمل وزر العقلية الذكورية التقليدية المتسلطة التي تنظر لها نظرة دونية، وأن تتحمل العادات والتقاليد القبلية التي يتميز بها المجتمع اليمني، وأن تتحمل وزر الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السيئة التي تعيشها عائلتها تحت ظل الفقر والجهل. تحمل اليمنية منذ ولادتها كل هذه الأوزار وتبدأ رحلة معاناتها منذ سن الطفولة فتحرم من ارتياد مقاعد المدارس الابتدائية وتحرم من التعلم كأقرانها الذكور. وهو ما يجعل من البديهي وجود فوارق في التعليم والمستوى الدراسي بينها وبين الرجل.

ورغم تضارب الإحصائيات حول نسب الأمية في صفوف الإناث في اليمن، فإن الثابت أن هذه النسبة تقارب أو تفوق الخمسين في المئة ويرجع ذلك لعديد الأسباب أهمها صعوبة دخول الفتيات إلى المدارس لأسباب مادية حيث يحول الفقر وعدم قدرة العائلات على التكفل بمصاريف التعليم وتبجيلهم للذكور على الإناث، دون إرسال بناتهم للمدارس أو يفضلون في حالات أخرى إخراج بناتهن من المدرسة منذ السنوات الابتدائية الأولى.

أما الأسباب الأعمق فتتمثل في حواجز أكثر صلابة تعترض طريق الفتاة نحو مقاعد التعليم وهي العقلية المتحجرة التي ترفض خروج الفتاة إلى الفضاء العام واحتكاكها بالذكور وتقاسمها الفضاء التعليمي معهم أو حتى الطريق والشارع، فالكثير من العائلات اليمنية وخاصة منها التي تعيش في وسط ريفي قبلي ترفض مبدئيا فكرة تعليم البنات وتعتبرها تجاوزا للشريعة وتسعى لتزويجها في سنّ مبكرة لتتخلص من مسؤولياتها و”تسترها” كما هو متداول في المنطق الشعبي، وكأنما هي عورة من المفترض حجبها عن الأنظار.

تدرك فئة واسعة من المجتمع المدني اليمني، وكذلك من الحقوقيات أن الجماعة ذات الخلفية الدينية والعقلية القبلية وحسب مبادئها ونواياها المعلنة والمضمرة لا تعترف لا بحرية المرأة ولا بمكاسبها ولا بحقوقها

ولا ننسى أن اليمن بلد قائم على المعطى القبلي وعلى الانتماء الطائفي وهو ما يخلق صراعات بين الأطراف السياسية التي تنتمي لطوائف مختلفة في المذهب كالطوائف الشيعية والسنية وغيرها، والجدير بالذكر هنا أن أغلب النساء البارزات على الساحة اليمنية خاصة في المجال السياسي تكنّ مدعومات ومدفوعات من جهات معينة في إطار طمأنتها للمرأة، ومحاولة لتبيان إيمانها بالتشارك بين الجنسين وبحقوق المرأة وهو الحال بالنسبة إلى الناشطة والصحفية اليمنية توكل كرمان الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2011 لنضالها السلمي لحماية المرأة وحقّها في المشاركة في صنع القرار، لكن توكّل عضو في حزب التجمع اليمني للإصلاح الذي يهدف إلى أن يكون الحكم في اليمن إسلاميا ويرعى مقاصد الدين وله خلفية إخوانية، وهو ما جعل نضال الأخيرة يكون مرتبطا بهذه الخلفيات السياسية التي أثّرت على أدائها ونضالها وحكمتهما.

ولأن التعليم أساس تكوين الذات وأساس الوعي وإدراك الحقوق وقيمتها في حياة الإنسان، فإن الفتيات اليمنيات يرزحن تحت طائلة التجهيل المفروض والمقصود من الأسر والمجتمع، وأيضا من الحكومات اليمنية التي لا تؤمن بحقوق المواطن أصلا لا بحقوق المرأة فقط، وذلك لكي لا يتكون لديهن هذا الوعي ولكي لا تدركن أنهن لسن أقلّ من الرجال في شيء وأن من حقهن المطالبة بالمساواة في الحقوق في جميع المجالات.

ورغم ما تبدو عليه هذه الصورة للمرأة اليمنية في قطاع التعليم من قتامة إلا أنها لا تقلل من شأنها لأن الفئات الاجتماعية التي آمنت بحق المرأة في التعليم والتي أتاحت لها دخول المدارس، أدركت أن المرأة جديرة بهذا الحق وأنها إذا تعلمت يمكنها أن تحقق النجاح وتصل إلى نيل شهائد عليا تدخل بها سوق العمل وتنجح في الحصول على المناصب والرتب الإدارية العليا فنجد مديرات جامعات وأساتذة في شتى المجالات وطبيبات.. كما نجد من وصلن منهن لتحقيق التميز لا فقط في اليمن بل اكتسبن صيتا عالميا وحقّقن نجاحات باهرة في مجال العلوم مثل الباحثة مناهل ثابت التي حصلت على جائزة العبقرية في الرياضيات.

هذا الواقع المتردي للمرأة اليمنية اجتماعيا وعلميا لا يمكن إلا أن ينتج وضعا اقتصاديا هشا في اليمن، بسبب تغييب المرأة عن المشاركة في التنمية وإقصاء نصف المجتمع من أداء أدواره في النهوض باقتصاد البلاد وفي رسم سياساته، وهو بدوره يخلف ضعفا ماديا للمرأة التي تظل رهينة ما يمنّ به عليها الرجل العائل لها سواء الأب أو الزوج أو الكفيل.

اليمنيات أبرز ضحايا العقلية المتشددة قبل الثورة وبعدها

هذه الظروف مجتمعة مثّلت منطلقات وأسبابا مركزية دفعت بالمرأة للتظاهر جنبا إلى جنب مع الرجل في الثورة اليمنية، وجعلتها ترفع صوتها منادية بالتغيير وبتحسين الأوضاع وبتمكينها من حقوقها دون منّة من أحد لأنها جديرة بها وقادرة على تحمّل مسؤولياتها في المجتمع والإدارة وجميع مجالات العمل والمناصب السياسية والقيادية، كما تحمّلت أدوارها الاجتماعية والأسرية بجدارة. وكما في أغلب دول ثورات الربيع العربي جرت الرياح بما لا تشتهي السفن فرغم مشاركتها البارزة في الثورة اليمنية لدرجة أنها سميت بثورة السواد (لوجود عدد هام من النساء المرتديات للجلابيب السوداء في المظاهرات في ساحة التغيير أو ساحة الحرية التي احتضنت المظاهرات الشعبية) وجدت المرأة اليمنية نفسها في وضع يشابه وضع المرأة الليبية أو المصرية فإذا بدفاعها عن حريتها وحقوقها ومواطنتها يجب أن يكون مضاعفا وأكثر شراسة، لأنها لم تعد تواجه المعوقات التي تعرضنا لها سلفا فقط، بل أضيفت إليها معاناة من معوقات أكثر تشددا وأكثر حدة وهي الأفكار المتطرفة للمجموعات الدينية المتذرعة دوما بالشريعة الإسلامية وضرورة تطبيقها على المرأة.

فرضت الأوضاع السّياسية المضطربة في اليمن حاليا، وامتداد يد جماعة أنصار الله أو الميليشيات الحوثية إلى السلطة ومحاولتها افتكاك زمام الحكم في البلاد صراعا من نوع آخر على اليمنيات مع ميليشيات تحمل السلاح لتفرض سيطرتها وقوتها وقوانينها على المجتمع اليمني بأسره، وتدرك اليمنيات من ناحية أن هذا الطرف ذا الخلفية الإسلامية يسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية وفق قراءته وفهمه الخاص لها والتي يؤمن بها في تسيير الشأن العام وفي تقنين العلاقات الاجتماعية.

ومن ناحية ثانية تدرك فئة واسعة من المجتمع المدني اليمني، وكذلك من الحقوقيات أن هذه الجماعة ذات الخلفية الدينية والعقلية القبلية وحسب مبادئها ونواياها المعلنة والمضمرة لا تعترف لا بحرية المرأة ولا بمكاسبها ولا بحقوقها، بل إنها تؤمن وتعمل على تطبيق قناعاتها الرامية لتكميم النساء وإرجاعهن إلى دورهن البدائي الذي لا يتخطى حدود تأدية الواجبات نحو الزوج والأبناء، وهذا الأمر يبدو جليا من خلال رفض الحوثيين، أو عدد من التابعين لهم وللاتجاه الإسلامي عموما، تعديل قانون الزواج اليمني وتحديد سن الزواج الأدنى بثمانية عشر عاما للفتيات.

الخطوة الأولى في تمكين المرأة عبر الحكومة اليمنية لم تعد بعد الاضطرابات الأخيرة تُعدُّ مكسبا حققته المرأة اليمنية، لأنه يمكن التراجع عنها بسهولة

انتشار ظاهرة الزواج المبكّر أو ما يسمّى بالطفولة المغتصبة في اليمن من بين أهم قضايا المرأة التي تنهش المجتمع اليمني، والتي لا تنتهك فقط حق الفتيات في طفولة عادية وحقّهن في التعليم، بل أيضا تقضي على مستقبلهن وتدمّر حياتهن فقد بلغت خطورة الظاهرة حد تزويج البنات في سنّ العاشرة من رجال يفوقونهن كثيرا في السن، وهو ما يرمي بهنّ في جحيم المسؤوليات العائلية والزوجية في سنّ لا يمكن أن تتقنّ فيه ذلك، ومع ضعف الرعاية الصحية في اليمن والضعف البدني للفتاة فإنه عندما تحمل الفتاة وتلد لا يتحمل جسدها الصغير هذه العملية، لذلك تكثر نسبة الوفيات في صفوفهن ويكنّ ضحية العائلة والزوج.

وفي حالة بلد مثل اليمن تكبّل المرأة فيه بشتى أنواع القيود فإنّ الثورة خلقت فرصة فريدة من نوعها لمعالجة الفجوة بين الجنسين ولوصول المرأة لطريق تحقيق جزء من حقوقها، لذلك جاء تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة، مطلع نوفمبر الماضي، ليمنح المرأة أربع حقائب وزارية بعد أن شاركت بشكل فاعل في مؤتمر الحوار الوطني، وكان نصيبها من التمثيل 30 في المئة، وحصلت المرأة على وزارة الإعلام، ووزارة الثقافة وعضوية مجلس الوزراء، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. ولقي تعيين اليمنيات الأربع ترحيباً من الشارع اليمني، في حين ترى اللجنة الوطنية للمرأة أن المشاركة الأوسع للمرأة هي مشروع نضال نسوي من أجل كفالة ذلك في الدستور الجديد، وإشراك المرأة في السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية بنسبة لا تقل عن 30 بالمئة، لكنّ المشكلة تكمن في إرادة الممثلين، لا في غياب النصوص.

هذه الخطوة الأولى في تمكين المرأة عبر الحكومة اليمنية لم تعد بعد الاضطرابات الأخيرة -وتقدّم الحوثيين نحو بسط نفوذهم في البلاد- تعتبر مكسبا حققته المرأة اليمنية، لأنه يمكن التراجع عنها بسهولة بل ومن المحتمل أن يشهد وضع المرأة اليمنية تراجعا وترديا أكثر بعد حالة الفوضى والصراع الذي تشهده البلاد الذي أزّم الأوضاع السياسية والإنسانية والاقتصادية للمجتمع بأكملها وخصوصا وضع المرأة أو حالتها.

وعوض التوجه نحو بناء دولة حديثة ووضع دستور جديد يضمن حقوق المرأة ويلغي الفجوة بين الجنسين في الحقوق والواجبات ويكسب المرأة حقها في المواطنة، بات اليمنيون واليمنيات يكافحون من أجل السلام والعيش بأمان بعيدا عن السلاح والتطرف والقوى الرجعية التي تمزق وحدة الوطن.

20