حلم غوارديولا يبدأ من موناكو

الأحد 2017/05/28

هل يمكن القول إن الموسم الأول للمدرب الإسباني بيب غوارديولا مع مانشستر سيتي كان فاشلا؟ بالتأكيد الإجابة هي نعم، فلأول مرة يفشل هذا المدرب في تحقيق بطولات كبيرة بعد أن تعوّد في السابق على رفع الكؤوس وتحقيق المطلوب.

"بيب"، هو ذلك المدرب الذي لم يكن أحد يتوقع أن يحصد نجاحا منقطع النظير مع برشلونة في أولى تجاربه التدريبية، لكنه غيّر كل المفاهيم وأثبت أنه "تلميذ" نجيب لأسطورة التدريب الراحل يوهان كرويف، فغوارديولا استطاع أن يصل ببرشلونة إلى عنان السماء، فتحصل معه على ألقاب وكؤوس لم يحلم غيره من المدربين الذين تداولوا على تدريب "البارسا" تحقيقها خلال حيز زمني قصير، لكن "بيب" نجح في ذلك، ودوّن بسرعة اسمه ضمن عمالقة المدربين في العالم، وفي التاريخ الحديث لكرة القدم.

وما يحسب لهذا المدرب أساسا وقبل كل شيء هو تكوينه نواة صلبة وقوية للغاية من اللاعبين البارعين في برشلونة، ولعل هذا الأمر مازال قائما إلى غاية اليوم، بما أن الفريق الكاتالوني يواصل حصد ثمار العمل الذي قام به غوارديولا.

في تلك الفترة التي عين خلالها المدرب الشاب على رأس الإدارة الفنية لفريقه السابق، لم يكن أحد يتوقع أن يقوم "بيب" بثورة شاملة وكاملة أقصى خلالها النجم العبقري رونالدينهو والهداف الرائع إيتو، مقابل ذلك منح الفرصة لثلة من النجوم الواعدين مثل ميسي وتشافي وإينييستا، فكان رهانه ناجحا وخياره موفقا للغاية، ليحقق البطولة تلو الأخرى مع “فريق الأحلام” الذي كوّنه ببراعة وامتياز.

انتهت بعد سنوات قليلة التجربة الرائعة بطلب من المدرب الشاب، الذي تعب وأرهق كثيرا وأراد التمتع بقسط من الراحة قبل خوض تجربة جديدة فيما بعد، وفعلا انطلق "بيب" الذي بات من بين أبرز المدربين في العالم في تجربته الثانية وتحديدا مع "كبير" الأندية الألمانية بايرن ميونيخ، فقبل بخوض التجربة لأنه كان يمنّي نفسه أن ينجح مجددا في تكوين "فريق أحلام" بمقدوره حصد النجاح الذي حققه برشلونة في السابق، فغوارديولا آمن كثيرا بالمشروع البافاري ماليا وبشريا وكان يدرك جيدا أن كل الظروف كانت مهيأة لتشكيل فريق أحلام جديد.

بيد أن "بيب" لم ينجح في رسم "خارطة طريق السعادة" مع بايرن ميونيخ، ولم يقدر معه سوى على بسط النفوذ والهيمنة في الأراضي الألمانية فقط، حيث لم يكن الطريق سالكا في أوروبا وباتت الرؤية ضبابية، والسبب في ذلك أن حجر الزاوية لتشكيل فريق الأحلام لم يكن موجودا، كان لزاما عليه البحث عن نسخ جديدة لميسي وإنييستا وتشافي، لكنه فشل في ذلك في ألمانيا.

فتوجّه بعد ذلك صوب إنكلترا وتحديدا إلى مدينة مانشستر، ليكون الربان الجديد لفريق "السيتيزن"، ذلك الفريق الساعي لاستعادة الهيبة المحلية والمتطلع إلى التألق أوروبيا.

في المشروع الجديد للنادي ربما كان غوارديولا هو المدرب الأنسب والأفضل لتنفيذه، وبدأ العمل منذ الموسم الماضي، غير أن المحصّلة النهائية في أعقاب الموسم المنقضي كانت ضعيفة، فالفريق اكتفى بتحقيق التأهل للمشاركة في دوري أبطال الموسم المقبل، في حين كان حصاد الألقاب صفرا.

ورغم ذلك لم يتعرّض المدرب لأيّ نوع من النقد أو الضغط سواء من قبل الإدارة أو الجماهير، والسبب في ذلك واضح ومعروف، فصانع أفراح برشلونة "بيب" لم يقدم وعودا كبيرة في موسمه الأول مع السيتي، لكنه بالمقابل قال إن هدفه هو تكوين “فريق أحلام” مهاب وقويّ سيسيطر بالطول والعرض خلال السنوات القادمة.

بعد موسم أقل من المتوسط أدرك غواديولا أن حلمه بتكوين فريق الأحلام لن يتحقق بسهولة، ولن يكتمل العمل إلا من خلال البحث في الأماكن البعيدة، كان يبحث عن دماء جديدة، فوجد نجما برازيليا شابا يدعى خيسوس، ليتم التعاقد معه منذ منتصف الموسم المنقضي، فتألق وقدم الإضافة سريعا.

غير أن هذه المسألة وفقا لفلسفة غوارديولا لا تقف عند مجرد تكديس اللاعبين والتعاقد مع عدد كبير كل موسم، بل إن تكوين فريق أحلام يتعلق أساسا بـ”تطهير البيت” وإبعاد كل من لم يعد قادرا على النجاح تمهيدا لاستقبال وافدين جدد يكونون فعلا قادرين على الإبداع وتشكيل أضلاع “فريق الأحلام”، وفعلا تم تسريح ما لا يقل عن خمسة لاعبين بقرار من المدرب الحالم دوما بتكوين فريق عتيد.

هذا المدرب بحث في كل الأماكن، كان يريد إيجاد عناصر تكمل حلمه وتجعله حقيقة على أرض الواقع، وفجأة تفطن إلى وجود “كنوز” في فريق موناكو البطل الجديد لفرنسا، ففكّر وقدّر وتدبّر أمره قبل أن يقرّر البحث عن اصطياد بعض “كنوز” الإمارة، لأنه أدرك جيدا أن ما حققه الفريق الفرنسي هذا الموسم سيمهّد له الطريق لتكوين “فريق الأحلام”، فسارع إلى التعاقد مع أحد أبرز لاعبي موناكو هذا الموسم وهو البرتغالي بيرناردو سيلفا الذي كان بمثابة رمانة ميزان الفريق الفرنسي وأحد أبرز لاعبيه.

“أطماع” غوارديولا في الحصول على غنائم أكبر من الإمارة لن تتوقّف عند البرتغالي سيلفا، فالهدف القادم سيكون لاعب الدفاع الشاب بينيامين ميندي أحد أبرز نجوم الدوري الفرنسي.. لكن لن يكتمل حلم “بيب” إلا بعد قطع الطريق أمام الجميع واصطياد “العصفور النادر” كيليان مبابي، حينها قد يحق له الوثوق من قدرته على تشكيل فريق عتيد وبدء رحلة الأحلام بثبات.

كاتب صحافي تونسي

23