حلم فلوبير

الخميس 2014/10/16

يختلف كتاب الرواية في مقاربة نصوصهم، منهم من لا يستهل نصه إلا إذا كان ماسكا بالخاتمة التي سوف يؤول إليها، عالما بمصائر أبطاله، وفق خطة مرسومة سلفا.

ومنهم من يكتب عفو الخاطر، محمولا بالأسلوب، مدفوعا بما تمليه اللحظة، ويبدعه الخيال، بدل فكرة ثابتة يجهد في تحقيقها، فالأسلوب عندهم هو الذي يولّد الكتابة ويخلق شخصيات تتحرك أحيانا بحرية على طريقة أبطال بيرانديلّو.

بل إن منهم من يتوق إلى نص بطله الأسلوب وحده، أي أن يكون “اشتغالا على اللغة في اللغة” كما يقول شعراء الحداثة. وما زلنا نذكر حلم فلوبير بتأليف كتاب عن لا شيء، كتاب ينهض بذاته مستندا إلى القوة الداخلية لأسلوبه.

فأما المثال الأول فيجسده البريطاني كين فولّيت، فهو يكره التصنع الأسلوبي ويفضل كتابة “شفافة كالزجاج” تهتم بالحكاية وحدها، على طريقة ألكسندر دوما وتشارلز ديكنز، مع أقل قدر ممكن من الزخرف، وبنية محكمة قادرة على تنمية الحبكة.

ويضع قبل تأليف كل كتاب ما يسميه أطوار الصناعة الثلاثة أي السيناريو والكتابة والصقل، مع التركيز على الطور الأول، الذي يرسم فيه خطة ينسج على ضوئها أحداث روايته وتشابكها وينحت شخوصها ويدقق علاقاتها ببعضها بعضا.

ويرصد الفضاء التي سوف تتحرك في إطارها، ويحدد الفصول بشكل يجعل أحدها يصب في الآخر، في تنامٍ مطّرد حتى الذروة والانفراج المرسوم مسبقا كما أسلفنا.

وأما المثال الثاني فنجده لدى لفيف من الكتاب مثل سيرج دوبروفسكي مبتدع رواية السيرة الذاتية وخصوصا بيير دومارتي في رواية “أمام” الصادرة هذه الأيام.

فهو كتاب عن لا شيء، يقوم على قناعة خاصة بأن الكتابة يمكن أن تعيد تنظيم العالم، وأن الكلمة جسد حيّ شبقيّ بالغ الحساسية، وواقع مكتفٍ بذاته، وأن الشيء، أي شيء ملموس، ليس سوى تصويرٍ زائد للكلمة، حشوٍ لا فائدة منه، أو تخطيطٍ مصور عنها، في أبعاده الثلاثة، يوضع من أجل صغار العقول.

وكأن الكاتب أراد تحقيق حلم فلوبير، من خلال استبدال العمل الفني بالعالم، وخلق ظروف حياة أخرى، متحررة من الأثقال القديمة وقوانين الفيزياء وشرعة البشر.

وإذا كان النموذج الأول لا يستوفي شروط الرواية الحق، إذ أن أعمال فوليت في نظر النقاد لا تخرج عما يسمونه “روايات محطة الأرتال” ولو أنها ترجمت إلى عديد اللغات وبيعت بالملايين.

فإن النموذج الثاني، مهما سما، لا ينوب عن العالم، وبراعة السبك اللغوي لا يمكن أن تكتفي بذاتها لفهمه، فلفظة “خبز” لا تسمن ولا تغني من جوع.


كاتب من تونس مقيم بباريس

15