حلم ولي العهد السعودي: واحة لمشروعات تقنية وحياة عصرية

أكد محللون أن المشاريع العملاقة التي يطرحها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد تواجه تحديات كبيرة في طريق التنفيذ، وهو ما يؤكده الأمير الشاب الذي يقول إن الحلم سهل لكن تحقيقه في غاية الصعوبة.
الاثنين 2017/10/30
مواجهة صريحة مع المستقبل

الرياض – المدينة العملاقة التي تخطط السعودية لبنائها باستثمارات تصل إلى نصف تريليون دولار سيفوق فيها عدد الروبوت أعداد البشر وتتنوع مظاهر الحياة المدنية الحديثة بين الرياضة والحفلات الموسيقية على منحدرات وشواطئ رملية مذهلة. وستضم أحدث المشروعات التقنية التي تعمل بطاقة الرياح والطاقة الشمسية.

لكن تلك الرؤية التي طرحها مقطع فيديو ترويجي عُرض في مؤتمر استثماري عالمي في الرياض الأسبوع الماضي لا تشبه حاضر السعودية الذي أدى فيه “إدمان” النفط إلى اعتماد أفراد الشعب على منح وعطايا الدولة ويفرض فيه رجال الدين الأصوليون نمط حياة شديدة التحفظ.

وتمثل المدينة أحدث أحلام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وهو شخصية طموحة ومجتهدة يدفعه إحساس بالأسف لأن بلاده، صاحبة أكبر اقتصاد عربي وأكبر دولة مصدرة للنفط في العالم، تخلفت عن ركب جيرانها الأصغر.

وقد تسارع مؤخرا إيقاع الخطط الطموحة التي يطرحها الأمير الشاب في الأشهر الأخيرة، لكن بعض المحللين يرون أن طموحاته قد تواجه تحديات بسبب ميثاق تاريخي بين الأسرة الحاكمة والمؤسسة الدينية الوهابية شديدة الصرامة وصاحبة النفوذ الواسع.

وتلخص خطته الأخيرة لبناء منطقة اقتصادية مساحتها 26500 كيلومتر مربع، أي ما يقرب من مساحة بلجيكا، مدى طموحاته وحجم المخاوف التي تكتنفها.

وقد وصف بعض المديرين التنفيذيين والمستثمرين الذين حضروا المؤتمر ذلك المشروع بأنه “دافوس في الصحراء”، لكنهم شككوا في قدرة الرياض على تنفيذ مخططها العملاق في ضوء النظام القانوني الذي لا يواكب العصر والبيروقراطية.

ولا يخفي الأمير الشاب صعوبة المهمة لكنه يؤكد أنه عاقد العزم على مواصلة المشوار. وقد وصف المشروع بأنه تحد، وأقر بأن الحلم سهل لكن تحقيقه في غاية الصعوبة. وقد أكد أن هذا المشروع ليس للمستثمر التقليدي بل للحالمين الذين يريدون إنجاز شيء في هذا العالم.

وصف الأمير محمد الشباب السعودي الذي يعول عليه في تحقيق رؤيته بأنه سلاح ذو حدين. وقال إنه إذا اجتهد وسار في الطريق الصحيح فسيجعل من السعودية بلدا آخر مختلفا تمام الاختلاف. أما إذا سار في الطريق الخطأ فسيكون ذلك وبالا على البلاد.

ويخطط الأمير محمد بموجب “رؤية المملكة 2030” لخصخصة حصة في شركة أرامكو وعدد كبير من أصول الدولة لخلق أكبر صندوق للثروة السيادية في العالم من أجل الاستثمار في البنية التحتية والمشروعات الصناعية.

وتحت وطأة انخفاض أسعار النفط لجأت الرياض إلى خفض الإنفاق ومحاولة إيجاد مصـادر جديـدة للدخل لمعـالجة عجـز المـوازنة، لكن ذلك أدى إلى ركود النمو الاقتصادي.

الأمير محمد بن سلمان: مشروع مدينة نيوم للحالمين الذين يريدون إنجاز شيء في هذا العالم

ومن المتوقع أن تؤدي إصلاحات مستقبلية إلى خفض الدعم وزيادة الضرائب وإصلاح نظام التعليم الذي عفى عليه الزمن وتقليص حجم القطـاع العـام ومنح المـرأة دورا أكبـر في المجتمع. ويمثل ذلك تحديا للمؤسسة الدينية المحافظة التي يقلقها الحديث عن التحديث.

وكان موضوع المناقشات الساخن في دهاليز المؤتمر هو ما إذا كان الأمير محمد سيحقق رؤيته في تحديث الاقتصاد، والتي تعتمد على القطاع الخاص في حفز النمو وتوفير إيرادات جديدة للدولة.

ونسبت وكالة رويترز إلى شتيفن هيرتوج الباحث المتخصص في الشأن السعودي قوله إن المستهدف هو جذب استثمارات من القطاع الخاص “حتى تصبح المخاطر المالية على المال العام محدودة، إذا لم تحقق تلك الاستثمارات المرجو منها لسبب أو لآخر”.

وأضاف أن “مخاطر المشروع الرئيسية هي على الأرجح احتمال عدم وجود كبار المستثمرين من القطاع الخاص. فالقطاع الخاص المحلي والدولي سيرغب في سماع تفاصيل أكثر بكثير مما نشر حتى الآن”.

ويؤكد صعود نجم الأمير الشاب (32 عاما) تحولا جذريا صوب قيادة أكثر تماشيا مع احتياجات البلاد التي تقل أعمار 70 بالمئة من سكانها عن 30 عاما.

وفي أقل من عامين أدخل الأمير محمد الذي يتولى إدارة الاستراتيجيات الدفاعية والنفطية في البلاد تغييرات اجتماعية حقيقية كانت تعتبر من المحظورات حتى عام واحد مضى.

فقد قلص سلطات رجال الدين في التدخل في الحياة العامة ورفع حظرا على قيادة النساء للسيارات وسمح بإقامة حفلات موسيقية. ومن المتوقع أن يعيد فتح دور السينما التي أغلقت قبل 40 عاما.

ويقف في جانب الأمير محمد في هذه الحرب الثقافية كثيرون من أفراد جيل الشباب الحريصين على اللحاق بالعالم المعاصر الذي يتابعونه على وسائل التواصل الاجتماعي وعبر القنوات التلفزيونية الفضائية ومن خلال السفر إلى الخارج.

غير أن مشروعات سعودية عملاقة سابقة كانت تستهدف حفز النمو والتنويع الاقتصادي لم تفلح. فمدينة الملك عبدالله الاقتصادية ومركز الملك عبدالله المالي مازالا خاويين إلى حد كبير.

وأحد المشاريع الناجحة التي يحتمل أن يريد الأمير محمد بن سلمان محاكاتها مجمع أرامكو على الساحل الشرقي للبلاد والذي تشبه الحياة فيه حياة الضواحي في الولايات المتحدة حيث تتمتع النساء بمزيد من الحريات وتنتشر المدارس الأجنبية والنوادي الرياضية والحدائق بما يغري أسر العاملين على الحياة فيها.

ويقول الخبراء إن هذه الاستراتيجية تستند في ما يبدو إلى إنشاء مدن بديلة تأخذ فيها الحياة طابعا عصريا، بينما يجري العمـل تـدريجيا على تغيير بقيـة المجتمع دون المجازفة برد فعل من المحافظين المستائين.

11