حلوى التمر البصرية شاهد على ذاكرة تاريخية

مازالت الأكلات الشعبية العراقية التي وجدت منذ المئات من السنين تصنّع وتستهلك إلى اليوم داخل العراق وخارجه، ورغم ما لحق بتاريخ وآثار العراق من دمار، إلا أن العراقيين ومن بينهم أهالي البصرة حافظوا على أكلاتهم التقليدية وحلوياتهم القديمة ونقلوها بين مختلف المجتمعات العربية والأجنبية، وإن اختلفت طرق إعدادها فإنها تتشابه في المذاق والمواد الأولية في دول المغرب والمشرق العربيين.
الاثنين 2016/03/28
"الهيس".. أكثر من حلوى بل هي صلة البصريين بتاريخ بلادهم

اشتهرت البصرة منذ القديم بحلوياتها المتفردة النكهة والمذاق، ولفرط تفردها، فإن الكثيرين يقصدونها من أمكنة بعيدة لشراء هذه المنتجات التقليدية ونقلها إلى عدة بلدان أخرى مثل الكويت القريبة أو بغداد وإلى المحافظات الشمالية. ومن هذه الحلويات ما هو ذائع الصيت وشهير في الأوساط الشعبية البصرية كحلوى”الهيس” وتعتبر عماد الاستخدام اليومي لكل أسرة بصرية خصوصا في فصل الشتاء البارد.

وجاءت تسميتها بمعنى “أخذ الشيء بكثرة” وقيل إنها استخدمت أيضا لتعني تنقية التمر من النوى، وسحقه بآلة لجعله عجينا. وتلا الهيس في الأهمية حلاوة “نهر خور”، نسبة إلى نهر خوز في أبي الخصيب، والتي يعتمد في صناعتها على الدبس والراشي، وكذلك حلويات “عصير السمسم” التي تسمى في الدول العربية بالطحينية، وهي أغلى سعرا وتباع في الأغلب للوافدين من خارج المدينة.

وهناك أنواع أخرى كحلوى صفائح المعسل وجوز الهند، ومعظم هذه الحلويات يعتمد صانعوها على نوعيات من التمر كالبرحي والبريم والساير والخستاوي والخضراوي والحلاوي والزاهدي، ولأن الكثيرين من أهل أبي الخصيب نزحوا إلى الأقطار العربية كالأردن وسوريا والجزائر والمغرب وإلى المنافي الأوروبية منذ التسعينات، فقد حملوا معهم عاداتهم من طعام وشراب وحلوى وما تعلموه إلى هذه البلدان.

وتقول أم عمر، وهي أصيلة منطقة أبي الخصيب بالبصرة، وتقيم في الدار البيضاء بالمغرب منذ عشرين عاما، إنها تحرص في كل سنة على عمل الهَيْس لعائلتها بالمواصفات التي كانت تعملها أمها رحمها الله في السبعينات في مدينتها آنذاك. زوجها وأولادها الثلاثة يفرحون بالهَيْس الذي تصنعه بداية كل شتاء للعائلة، فهو خير حلوى وطعام أيضا مثلما يقول محمد الطالب أصغر الأبناء، وهو يفضله على أي لمجة تعدها له أمه عند ذهابه إلى المدرسة، فيصطحب كرتين من الهَيْس أو ثلاث في علبة الطعام، وهي تعينه على تحمل الجوع خلال ساعات الدروس.

وتحرك أم عمر يديها باستحياء عندما يسألها شخص ما عن كيفية عملها لهذه الحلوى المميزة، ويسألها، لماذا الهَيْس دون غيره من الحلوى المغربية، التي تمتلئ بها محلات الحلوى الجاهزة في الدار البيضاء؟ فتجيب أم عمر قائلة “إنها لا تصنعه كما كانت تعمله أمها في أبي الخصيب، فقد كانت تضيف إليه القليل من الدهان الحر، الذي يعطيه نكهة خاصة. وتضيف “لقد جربتُ السمن البلدي المغربي، لكنه للأسف لا يعطي المذاق ذاته، الذي لا زلت أتذكره جيدا في الهيس الذي تصنعه والدتي ولا يزال طعمه في فمي.. فمنذ أن وفدنا إلى هذه المدينة وجدت أن معظم الحلوى مصنوع من المعجنات وكميات كبيرة من السكر، والألوان والمواد الحافظة وأغلبها مؤذ للصحة، خصوصا حين يكون الأولاد في عمر مبكر، وكنت أرى الحالات العدوانية، التي تظهر على سلوكياتهم بسبب المواد الملونة التي تضاف إليها لتكسبها نكهة معينة”.

أهل أبي الخصيب نزحوا إلى الأقطار العربية، وإلى المنافي الأوروبية حاملين معهم عاداتهم وما تعلموه إلى هذه البلدان

وتوضح أم عمر أن “الأطفال عندما يتناولون هذه النوعية من الحلويات فإنها ستسد شاهيتهم عن تناول الطعام الذي أعده لهم، لذلك فكرت بالحلوى المُغذية التي كانت تعدها أمي لنا حين كنا أطفالا. وكانت الحاجة فاطمة والدتي تعمل لنا الهَيْس في أبي الخصيب من تمر الساير أو الخستاوي وتضيف إليه الراشي والطحينية والجوز (عين الجمل) والسمسم وحبة الحلوى والقليل من الدهان الحر. وتحرص على وضع سبع فردات من التمر في كل كرة من الهيس، لأنها تتّبع السنّة النبوية التي أوصت بأكل العدد الفردي من التمر، لما في العدد الفردي من بركة وكذلك لأنه يمنع تأثير الحسد طوال اليوم لمن يتناوله”.

وتتابع أم عمر حديثها “للأسف هنا لا أتحكم في نوع التمر المستخدم، كما كانت أمي تفعل، فالتمر الذي أحصل عليه مكبوس ويكون قادما من دولة الإمارات العربية، وأقوم بعد ذلك بإضافة حبة الحلوى المغربية والسمسم والراشي إليه، وتكون حشوته من الجوز. كما أني أحرص على أن أكوّن من كل كيلو من التمر 30 كرة صغيرة من الهَيْس لأضمن أن يكون وزن كل واحدة 33.3 غراما. وهذا هو وزن سبع فردات من التمر خالية من النوى، وبذلك أحقق وصية السيرة النبوية المشرفة”.

وتضيف أم عمر أن جدها الحاج عبدالجليل عبود عندما كان ينقل زنابيل الهيس إلى المحتاجين في ساحة أم البروم خلال المجاعة التي حلت بالبصرة في العشرينات من القرن الماضي، كان وقتها مرض الطاعون قد انتشر بالمدينة واستخدم الهيس كدواء وغذاء للمحتاجين من أهل البصرة، ووقتها كان يعمل لدى عائلة آل الملاك المعروفين بكرمهم هناك، وقد وزعوا أثناء المجاعة في ساحة أم البروم على الفقراء الأكل المطبوخ في قدور ضخمة.

وكان جدها قدر روى لعائلته آنذاك كيف أن ثوار ثورة العشرين في العراق ضد الاحتلال الإنكليزي في العام 1920، كانوا يحملون معهم في أكياس من القماش يطلق عليها “أبوالخراطة”، مقادير كبيرة من “الهيس” الذي تصنعه نساء أبي الخصيب في البيوت ليكون مؤونة المقاتلين من العشائر.

وتختم أم عمر حديثها وهي تستحضر قصصا كثيرة من الماضي ومما تعلمته من أمها فيما تعمل أناملها على إعداد حلوى الهيس، وما إن فرغت من دحرجة كراته لتلتقط حبات السمسم وحبات الحلوى وتعدّها للتأكد من أن عددها يتوافق في كل كرة مع وزن السبع تمرات، عندها هزَّتْ رأسها راضية، وجمعت الهيس لتضعه في الفرن على درجة حرارة متوسطة، لمدة 20 دقيقة ليكتسب صلابة القوام ويكون جاهزا للأكل، وتحتفظ به بعد أن يبرد في الثلاجة رغم أن طرق حفظه قديما لم تكن تعتمد على الثلاجات بل على طرق طبيعية تقليدية.

12