حلوى القطايف لا تحلي مرارة الحياة في غزة

حتى داخل البلد الواحد، أحيانا ما نجد عادات وتقاليد في الأكل واللبس والاحتفال تختلف عن منطقة أخرى شمالا أو جنوبا. ففي غزة مثلا، يقوم الفلسطينيون فيها بصناعة حلوى القطائف التي ولئن راجت صناعتها في أماكن أخرى من فلسطين، إلا أن الغزاويين تميزوا نوعا ما بصناعتها وبيعها، وابتكروا فيها طرقا جديدة في تقديمها للحريف.
الاثنين 2015/07/13
التفاني في صنع القطائف مطلوب نظرا لعراقة هذه الحلويات وشعبيتها

غزة (فلسطين) - دقيق أبيض وسكر وخميرة.. يتناولها كهل الستين عاما درويش الجاعوني مركزا ذراعيه على كثافة المستحضر الذي بين يديه، ليعيد تشكيله من مواده الخام إلى عجينة بيضاء سوف تتحول بدورها إلى نوع من الحلويات واكب أجيالا من الفلسطينيين في غزة طيلة عقود.. إنها القطائف.

وما إن ينتهي درويش الجاعوني من عجن مكوناته، تبدأ دورة أخرى من العمل للوصول إلى تلك الحلويات الشهية، إذ يعيد تشكيل العجينة الكبرى التي أمامه لتستحيل دوائر وكتل مدورة من العجين، لتبدو للرائي في البداية صغيرة، لكنها تتحلل بعد ذلك وتزيد في حجمها بمفعول الخميرة.

ثم يسكب الجاعوني بأحجام مختلفة العجينة على صفيحٍ حديدي ساخن يطلق عليه اسمه فرن القطائف، فتتماسك القطع التي تكونت على شكل دوائر، وتشكل أقراصا دائرية مزركشة الأطراف، ذهبية اللون.

وبمساعدة أبنائه ومعاونيه، يبدأ الكهل “صانع الحلوى” في فرز الأقراص حسب أحجامها المختلفة، الكبيرة لتشكيلها على هيئة أهلة، والصغيرة مخصصة “للعصافيري” كما يسميها أهل الشام. ولا تظهر حلوى القطائف، في قطاع غزة سوى في شهر رمضان، وتختفي عملية صناعتها وبيعها بعد انقضاء الشهر.

ويقول الجاعوني أن قطائف رمضان من العلامات التي تميز هذا الشهر، وهي سمة بارزة في أحياء فلسطين وخاصة في غزة، ولعل التحضير لها قبل يوم من رمضان يكون بمثابة إعلان عن الدخول إليه، إذ أصبحت صناعة القطائف “جزءا من ثقافة الفلسطينيين في غزة”.

وتعددت الروايات في تأريخ صناعة القطائف، إذ تقول إحدى الروايات إنها تعود للعهد الأموي وأخرى للعباسي، بينما تذكر الرواية الأكثر تداولا أنها تعود للعهد المملوكي، حيث جمع أحد الملوك المملوكيين صانعي الحلوى وطلب منهم تقديم صنفا لم يصنعه أحد من قبل، فابتكر أحد الحلوانيين فطيرة محشوة بالمكسرات تسمى بـ”القطائف”. وللتسمية أيضا حكاية، فهي “قطائف من كل نوع من المكسرات توضع داخل العجينة قبل وضعها في الفرن”، حسب درويش الجاعوني.

تعتبر القطائف حلويات شعبية نظرا لثمنها الزهيد واحتوائها مواد مغذية عالية

وتعتبر حلوى القطائف من حلويات شهر رمضان الأكثر صناعة بقطاع غزة، خاصة أنها رخيصة الثمن، يستطيع الفقير والغني صناعتها أو شرائها. ويتابع الجاعوني الذي ورث مهنة صناعة القطائف عن أجداده قائلا إنه لا يمكن لشهر رمضان أن يمر على قطاع غزة، دون أن يحضر أهلها حلوى القطائف، التي تتميز بعجينتها الهشة المفيدة صحيا للصائم في شهر رمضان. ويعتبر ثمنها الذي لا يتجاوز الدولارين في مدى القدرة الشرائية نسبيا لأهل فلسطين في غزة.

ويبيّن العديد من صانعي هذا النوع من الحلويات أن حلوى القطائف يمكن أن يتم حشوها بمكونات مختلفة، إما بالمكسرات أو باللبن وجوز الهند، أو بالتمر، أو بالقشطة. ولفت جاوعني إلى أن الناس اعتادت على أكل القطائف إما مشوية بالفرن، أو مقلية، أو نيئة بعد غمسها بـ”القطر” وهو مزيج من الماء والسكر.

وعن القيمة الصحية لحلوى القطائف، يذكر الجاعوني أن قيمتها الغذائية جاءت من القيمة الغذائية للدقيق، والسعرات الحرارية التي تتكون منها تلك العجينة. وقال إنه إذا تم حشوها بالمسكرات فيستفيد جسم الصائم من زيوت تلك المسكرات، وإذا تم حشوها باللبن فيستفيد الصائم من تلك البروتينات، وكذلك الأمر إذا تم حشوها بالتمر، “في كل الأحوال تمد جسم الصائم بالطاقة اللازمة، كي تعينه على القيام بأعماله في نهار صومه المقبل”.

وفي ذات السياق، تقول المواطنة جميلة رائد وهي ربة منزل، إنها تحضير عجينة القطائف داخل منزلها، وتضعها في فرن درويش الجاعوني، مشيرة إلى أن ذلك النوع من الحلويات يعتمد على ذوق صانعه. وتابعت “أقوم بتحضير العجينة، بمكوناتها البسيطة، داخل البيت، ومن ثم أقوم بتوزيع الكثير منها على بعض المحتاجين بغزة، فأعينهم على تحمل شهر الصيام، حتى ولو بجزء بسيط”.

ولجأ صانعو القطائف بقطاع غزة لاستحداث طرق جديدة لصناعتها بشكل يجذب المستهلكين لشرائها. فوضع الفلسطيني أيمن عقل، صاحب محل للصناعة القطائف بمخيم النصيرات، وسط قطاع غزة، “بعض الكاكاو على عجينة القطائف ليعطيها لونا كلون الشوكولاتة.

وصرح قائلا إن طحين الكاكاو يعطي عجينة القطائف مجرد اللون، لكنها لا تغير من مذاقها، وبهذا الشكل نشجع المواطنين على الشراء منها، خاصة وأنها زهيدة”.

20