حلويات للسيدة الأسد.. على أرض الشام تجتمع كل المفارقات

الجمعة 2016/05/13
سوريا ستبقى رغم كل شيء

قضى الصحافي روبرت دولمرس شهرين في سوريا يتجوّل ويحاور ويسجّل ملاحظاته حول بانوراما الحرب التي نقل تفاصيلها كما شاهدها في كتابه “حلويات للسيدة الأسد”، الذي صدر أواخر أبريل 2016.

ويرمز الكاتب بهذا العنوان إلى الحلويات التي ابتاعها من أحد محلات الشكولاتة الفاخرة في بلجيكا وأرسلها للسيدة أسماء الأسد، حيث كان ينوي إجراء حوار معها ومع زوجها لكن لم يتم الأمر حينها، وإن كانت أُتيحت له فرصة متأخرة لذلك رآها لا تلزمه.

ينقل دولمرس صورا من دمشق التي تستمر فيها الحياة رغم القتال المحتدم على تخومها، ففيها تتعايش الأعراق ويمارس كل شعائره حسب ما يناسبه لكن الخطّ الأحمر يبقى السياسة والتدخل فيها. وصور الرئيس وهو يرتدي نظارات سوداء الحاضرة بقوّة في شوارع دمشق ذكّرت الكاتب، كما صرح في بعض أحاديثه بالاتحاد السوفييتي سابقا.

يقابل الكاتب في حمص جنرالا يقدم شهادة قاسية عن المقاتلين القاصرين الذين يقعون في أيدي الجيش النظامي السوري. ويعترف بأنهم يقتلون وإن كانت أعمارهم قد لا تتجاوز الثالثة عشرة. ويقابل روبرت دولمرس أيضا اليسوعيين الذين يواصلون نشاط الأب فرانس الذي لقي حتفه في حمص وينقل شهاداتهم المؤلمة لكنه ينتبه لاستمرار الحياة في أماكن تنجو من الموت والقصف.

يتضمّن الكتاب شهادة للمحلّل الهولندي إيرفين فان فيين تقدّم ما يلزم لفهم تعقيد الوضع السوريّ الحاليّ، والذي لا يمكن فصله عن ارتباط البلد الجغرافي بجيرانه وتاريخ النظام ومخابراته منذ حافظ الأسد إلى الآن.

يورد فان فيين ما يلي: عام 1982 عندما سويت حماة بالأرض تم تغييب الإخوان المسلمين حوالي 20 سنة عن مسرح الأحداث. في أواخر التسعينات فقط عادت تلك الشبكات للنشاط مجددا. وكانت هناك مساحة أكبر في سوريا لتحمل أفكار أكثر محافظة وتدينا، بالطبع تحت مراقبة حريصة من طرف مخابرات النظام السوري. المساحة الجديدة لإعادة إحياء الإسلاميين تم اختلاقها من طرف المخابرات لأنها سلعة مفيدة للتصدير.

ويضيف المحلل الهولندي أن سوريا حافظ الأسد كانت تقدم نفسها كمعادية لإسرائيل ومساندة لفلسطين وكانت تحب أن تظهر نفسها كمناضل من أجل العروبة في المنطقة. وحرص حافظ الأسد على أن يكون ما هو شعبيّ بين الناس جزءا من سياسة البلد وهكذا صارت سوريا بطلة من أجل الفلسطينيين والعروبة.

وساهم انهيار الاقتصاد في السنوات الأخيرة لحافظ الأسد، الذي توفي عام 2000، في تحفيز وتنشيط القناعات الدينية المحافظة والمتطرفة لاحقا، وفق تحليل فان فيين الذي يؤكّد أن الدين مشتت انتباه جيد. وبعد تولي بشار الأسد الحكم ما بين 2001 و2002 صارت الجماعات الإسلامية المحافظة أكثر قوة وأصبحت أيضا أصعب للتأطير من طرف المخابرات السورية.

المرحلة الثانية كانت عام 2003 عندما غزت الولايات المتحدة العراق. وقد كانت الفرصة مناسبة جدا، بالنسبة إلى المخابرات الخاضعة للسلطة المباشرة للأسد، لتصدير المشكلة الداخلية المتنامية، والمتمثلة في تزايد أعداد الإسلاميين المتشدّدين. وقد انتقل عدد كبير منهم من سوريا إلى الجارة العراق.

وليس عجبا ألا يؤتي الضغط الأميركي على سوريا في تقليص دورها في تمويل الجهاديين أُكله. بالنسبة إلى أصحاب السلطة في النظام السوري هناك أمور أكبر في اللعبة، مركزهم معرض للخطر.

يضاف إلى السلوك المخابراتي والتدخلات الكثيرة وضعف عدم انسجام المعارضة؛ الدعم الذي يحصل عليه الجيش السوري، الذي كان يعادل ثلاثمئة ألف جندي انكمش لحوالي مئة ألف لكنه يحصل على المساعدة من الحدود اللبنانية من حزب الله، ويحصل بمساندة إيران على ميليشيات شيعية من العراق وأفغانستان وباكستان. ويقدر عدد المقاتلين الأجانب في سوريا إلى جانب المقاتلين في الغالب مع جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية.

وتوضّح أعداد المقاتلين الأجانب في الجهتين إلى حدّ ما درجة الصراع وسبب شدّته وعدم تغير الكثير على الجبهات حتّى التدخل الروسي في أكتوبر 2015. هناك تدفق مستقر في المقاتلين والأسلحة.

يغادر روبرت دولمرس دمشق والموالون للنظام مستبشرون بالتدخل الروسي وانقلاب الأوضاع لصالحهم. ويترك خلفه أُسَرا موجوعة وأخرى مستفيدة من الحرب. تبدو سوريا في ”حلويات للسيدة أسد” بلدا فوق المقارنة بقدمه وتاريخه وغناه وأصالته لكنها في المشهد الحربي تكاد تكون أرمجدون، معركة نهاية الزمن.

سوريا التي صار مواطنها مهدّدا بالموت والقتل وفقدان كل شيء ستبقى رغم كل شيء، هكذا رآها الكاتب ولا يمكننا أن نراها غير ذلك.

12