حلو العيد وملوحته

ففي اليوم الأول من عيد الفطر في غزة، يتناول الكثير من الغزيين سمكا مملحا اصطلح على تسميته الفسيخ كما في مصر التي تتناوله في يوم شم النسيم القبطي.
الأحد 2018/06/17
بقاء القديم على قدمه

في عيد الفطر، تطفو البهجة وتتفشى المعايدات وتتبدى مباهج الأطفال ومجاملات المحتفلين. ففي عيديْ الفطر والأضحى، يَستَذكر البعيد الغائب كل ملامح الحياة في مسقط رأسه الذي ارتحل عنه.

 يُستعاد شريط الذكرى بحلوها ومرها وأفراحها وشقائها، ويجترح واحدنا لنفسه سياقا للبهجة الذهنية.

اليوم، تطورت وسائل الاتصال حتى أصبح واقعها أشبه بخرافة قد تحققت، إذ يتاح للغائب المشتاق أن يرى من يحدثه على شاشة هاتفه.

 فإن كان المشتاق من غزة مسقط رأسه، مثلا، وارتحل عنها، فبمقدوره أن يحادث من يريد، بالصوت والصورة، ببركة ورضوان الإنترنت العجيب، الذي أجهز على بعض وجع المسافات، وأن يستعيد مع الأهل ذكرى الأيام الخوالي.

لم يغفل حديث اليوم الأول من عيد الفطر، أي ملمح كان، كأنما يريد البعيد، الاطمئنان على أن كل شيء لا يزال قائما، حتى ولو كان شديد الملوحة رافق الأيام الهانئة.

 ففي اليوم الأول من عيد الفطر في غزة، يتناول الكثير من الغزيين سمكا مملحا اصطلح على تسميته الفسيخ كما في مصر التي تتناوله في يوم شم النسيم القبطي، ويكون السؤال عن بقاء هذه العادة أم اختفائها بتأثير ارتفاع نسبة الملوحة في سائر أيام الحياة.

إن طبائع الدنيا والناس تتبدل كما تبدلت وسائل الاتصال فانتقلت من فوق ظهور الإبل أو الخيول التي ينقل فرسانها الأنباء، إلى وميض شاشات الهواتف والحواسيب وصورها الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية. بالأمس كتبت على حسابي الفيسبوكي، وسألت عن مصير “فسيخ” الأمس في أحوال ملوحتنا الشاسعة اليوم.

وجاءت الإجابات فورا ببقاء القديم على قدمه.

 وسألت عن أطباق اليوم الثاني، وأهمها “السُمّاقيّة” وعلمت أنها ظلت أيقونة طبيخ في الأعياد، على الرغم من كون أحد دواعي بقائها لقرون، أن الثلاجات لم تكن ظهرت، وبالتالي كانت “السماقية” وسيلة استفادة مما تبقى من لحم الأضحية، التي صمدت بلا تبريد، إذ يُصار إلى تدبير استهلاك عاجل وشهي للحم المقطع إلى نتف صغيرة، ممزوجة بمكونات الطبخة.

و”السُماقية” طبق عريق، وقد ورد شرح تحضيرها في مجلد عنوانه “كتاب الطبيخ” لمحمد بن حسن البغدادي الذي عاش في العصر العباسي.

 لكنه في شرحه لفحوى “السُماقية” وطريقتها، توسع الرجل، بحكم سعة الإناء الذي كانت تُطبخ فيه، وهو القِدر الفخاري الواسع، إذ حَلّ في القديم، بخلاف اللحم، الدجاج ومكونات أخرى إضافية في الوصفة، مع السُمّاق الأساسي وطحينة السمسم ونبات “السَلِق”!

التقاليد ظلت على حالها واستوعب الناس الجديد بحلوه ومُره!

24