حليمة يعقوب ثلاث أقليات في شخص واحد

شخصية يعقوب تحقق عدة تحديات في وقت واحد، فعلاوة على أنها أول امرأة تشغل منصب رئيس الجمهورية، هي أول مسلمة، وأول ملاوية أيضاً، وهكذا تكون الرئيسة منتنمية إلى أقليتين اثنتين؛ الإسلام والملاوية.
السبت 2019/01/12
يعقوب تستحق أن تدوّن حياتها كقصة نجاح لامرأة جابهت ظروف الحياة لتصل إلى ما هي عليه

ظهور شخصية تنموية متعددة الأبعاد مثل حليمة يعقوب رئيسة جمهورية سنغافورة يعتبر بمثابة مكافأة للباحثين عن الأمل في نجاح العمل السياسي بلا حوامل الأيديولوجيا.

الرئيسة المختلفة عن نظرائها في العالم، تدرك أهمية الصعود في عالم السياسة ولكن من دون دهاليز الحركات الدينية والانتهازية التي تشهدها الساحة الدولية، ولذلك فهي تشيد بأداء بعض الدول العربية التي باتت ذات أهمية محورية بالفعل خلال السنوات الأخيرة وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة التي تعد ركناً أساسياً، اليوم، في ترسيخ قيم التعايش الإنساني، حسب وصف الرئيسة السنغافورية.

وخلال استقبالها لـ”منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”، في زيارته لبلادها مؤخراً، لم تكتم يعقوب إعجابها بالمشروع وإنجازاته وجهوده برئاسة الشيخ عبدالله بن بيه، منوهة بدوره في صناعة ثقافة السلام.

وعن يعقوب وبلادها، يمكن كتابة الكثير من الصفحات، فهي نموذج نسائي فريد من نوعه، وسط مشهد عالمي لا يقل غرابة. بعد أن تطرح على نفسك السؤال: إذا كانت لديك رصاصة واحدة وأمامك ثلاثة أهداف أولها الفساد وثانيها الفقر وثالثها الجهل، فأي من هذه الأهداف تقتل؟ لو اخترت الفقر سأقول لك بأنك اتخذت القرار الخاطئ، فالفساد والجهل سيعمي الأمة وسيعود الفقر أكثر مما كان. وإن اخترت الفساد فالجهل والفقر كفيلين بخلق فساد أعمق من سابقه ومتجذر أكثر. أما إن اخترت الجهل فالعلم والتنوير أولى خطوات القضاء على الفساد والفقر معاً. فإن بدأ العلم والتنوير في بلد ما، فإنه لا محالة لن يحتاج إلى ثورة. سيكون نظامه ثورياً، نخبوياً، وحداثيا دون أن تُرَاق الدماء للوصول إلى ذلك.

هذا ما صنعته دولة سنغافورة في تاريخها القصير، كدولة وليدة لا يتعدى عمرها الخمسين عاماً ونيفا. فقد نالت هذه الدولة استقلالها التام في أغسطس 1965 وحظيت باعتراف أممي كدولة برلمانية حرة مستقلة.

من مستنقعات الأمية إلى القمة

الرئيسة السنغافورية تحمل تفكيرا منفتحاً على العالم، ولذلك تشيد بأداء دولة الإمارات وتعتبرها ركناً أساسياً يرسّخ قيم التعايش الإنساني
الرئيسة السنغافورية تحمل تفكيرا منفتحاً على العالم، ولذلك تشيد بأداء دولة الإمارات وتعتبرها ركناً أساسياً يرسّخ قيم التعايش الإنساني

بدت هذه الدولة الوليدة الغارقة في المستنقعات والأمية والمستوطنة بالأمراض، غير قادرة على النهوض، فعلامات الانهيار لم تكن بعيدة عنها. ومع هذه الظروف المعيشية والاقتصادية والتعليمية السيئة كانت البلاد أيضاً تفتقد إلى التاريخ أو الأسطورة، أو حتى السيرة الشعبية. ما دفع برلمان البلاد إلى التصدي للكثير من التحديات لمواجهة الفقر وقلة الموارد وضعف البنى التحتية والمؤسسات وغياب التاريخ والأساطير والإرث الثقافي معاً.

كانت الحكومة مضطرة إلى إيجاد حلول إسعافية لتعبئة هذه الفراغات معاً، فوجدت الحل السحري والسريع، والذي يعتبر العصا السحرية الحقيقية، والتي يشكو معظم حكامنا من عدم امتلاكها. لقد وجدت وصفة التقدم بالاعتماد على النخب المتنورة وإن كانت هذه النخب غير متجانسة من حيث الأسس الأيديولوجية لبناء الأمة، لكنها كانت اللبنة الأولى الحقيقية في بناء مجتمع منفتح ومتعلم ومتكافئ، فشددت هذه النخب على الحداثة والتقدم على أساس التعددية العرقية وحكم الأكفأ، وهذه بذاتها أدوات ضعيفة لبناء أمة وكان البديل هو النخبوية، فأخذ الأكفاء حقهم وجرى العمل على بناء جيل كامل من الأكفاء عن طريق العلم والمعرفة والتنوير.

انتقلت سنغافورة سريعاً من دولة متخلفة إلى مصاف نمور دول جنوب شرق آسيا، وأصبحت من بين أغنى دول العالم خلال زمن قياسي، فركزت الدولة على التعليم مدركة أنه من سيبني نخب المستقبل.

وتتويجاً لكل ذلك، تصل سنغافورة اليوم إلى نقطة فارقة في تاريخها بوصول امرأة مسلمة إلى سدة الحكم فيها دون ضوضاء أو سجون أو نضال أو دم.

صيف العام 2017 فاجأتنا سنغافورة بتعيين حليمة يعقوب رئيسة لها، لتحقق بذلك عدة تحديات في وقت واحد، فعلاوة على أنها أول امرأة تشغل منصب رئيس الجمهورية هي أول مسلمة، وأول ملاوية أيضاً، وهكذا تكون الرئيسة منتمية إلى أقليتين اثنتين؛ الإسلام والملاوية وأقلية جندرية سياسية كونها امرأة، أضف إلى ذلك أن زوجها عربي يمني الأصل.

تنتمي يعقوب إلى الأقلية المسلمة التي لا تتعدى نسبتها 14 بالمئة من مجموع سكان البلاد، فقد ولدت في إحدى الضواحي الفقيرة للعاصمة سنغافورة عام 1954، لأسرة متواضعة الحال ذات أصول مشتركة هندية ملاوية، نسبة إلى جزيرة ملاوي المتاخمة لسنغافورة؛ فالأب هندي والأم من الأقلية الملاوية، حين كانت هذه الجزيرة الواقعة في جنوب شرق آسيا تحت حكم الاستعمار البريطاني.

أحلام صغيرة

حليمة يعقوب تنضم بإنجازاتها، إلى مجموعة قائدات في العالم كالمستشارة الألمانية ميركل ورئيسة الوزراء البريطانية ماي وأخريات يحاولن صنع المستقبل
حليمة يعقوب تنضم بإنجازاتها، إلى مجموعة قائدات في العالم كالمستشارة الألمانية ميركل ورئيسة الوزراء البريطانية ماي وأخريات يحاولن صنع المستقبل

تستحق يعقوب أن تدوّن حياتها كقصة نجاح لامرأة جابهت ظروف الحياة لتصل إلى ما هي عليه. عاشت اليتم في صغرها، فلم تكن حليمة قد تجاوزت الثمانية أعوام حتى وقع والدها الحارس الفقير صريعاً بسبب أزمة قلبية فاجأت الشاب في عمله، لتفقد الأسرة الفقيرة معيلها الوحيد فتتذوق هذه الابنة الصغيرة طعم اليتم والعوز قبل أن تتذوق طعم النجاح.

بعد وفاة والدها اتجهت الأم المفجوعة بموت زوجها إلى العمل من أجل إعالة أسرتها، فما كان من الابنة ذات الثمانية أعوام سوى العمل مع والدتها بعد المدرسة في محلات الأطعمة وتنظيف المنازل وتوصيل الطعام أيضاً.

أرادت الفتاة التي عانت مرارة العوز أن تكمل تعليمها فقط كي تحصل على وظيفة جيدة تعين بها والدتها على مصاريف الحياة، ولم يخطر لها يوماً أن أحلامها الصغيرة ستوصلها إلى ما هو أكبر من الوظيفة الجيدة، وأن اسمها سيصبح الاسم الأكثر شهرة في تاريخ سنغافورة.

لم يكن طموح الصغيرة الفقيرة أكثر من إتمام تحصيلها العلمي من أجل وظيفة لائقة تقيها شر الفقر الذي عانته مع والدتها في سن مبكرة، فرسمت حلمها بألوان تزين فيها مستقبل أسرتها بعيداً عن شبح العوز لا أكثر، عبر مرتب جيد من وظيفة محترمة، فالتحقت بمدرسة سنغافورة الصينية للبنات، ومن ثم مدرسة سنغافورة تان جونك كاتونغ للبنات، حيث أنهت فيها دراستها الثانوية بمعدل عالٍ، ما جعل طموحها يكبر، فلم تكتف بهذه الشهادة خاصة وأن الوظائف المتاحة فيها أقل بكثير من الوظائف المتاحة أمام خريجي الكليات الجامعية، فأصرت على دخول الجامعة وبفضل معدلها العالي تم قبولها في جامعة سنغافورة الوطنية وهناك حصلت على بكالوريوس الحقوق نهاية السبعينات.

نفعل الخير معاً

تجربة يعقوب مثيرة للغاية. فقد ولدت ببلد محتل تطور في صباها، ليصبح الأقوى بالتعليم والأغنى بالفرص في شبابها
تجربة يعقوب مثيرة للغاية. فقد ولدت ببلد محتل تطور في صباها، ليصبح الأقوى بالتعليم والأغنى بالفرص في شبابها

على مقاعد الدراسة تعرفت على الشاب اليمني الأصل محمد عبدالله الحبشي، ليتزوجا ويبدآ حياتهما معاً من الصفر. فسكن الشابان في غرفة واحدة، قبل الإقامة لبعض الوقت مع أقارب لهما، ولم يستطيعا امتلاك منزل واسع وكبير في الضاحية الشرقية للعاصمة، إلا بعد أن أصبح زوجها خريج كلية العلوم، أحد متوسطي رجال الأعمال الناجحين في الجزيرة. زوجها الذي تقول عنه إنه ميال للغناء بلغة الملاوي، كما ذكرت في صفحتها على الفيسبوك أنه يمني الأصل وأن جذوره تعود إلى محافظة حضرموت.

 حياة يعقوب لم تتوقف عند تخرجها وزواجها وأطفالها الخمسة فكان طموح هذه المرأة كبيرا، ونشاطها أكبر. وبالرغم من مسؤولياتها المتزايدة كأم لخمسة أطفال التحقت بصفوف حزب “سنغافورة بار”، والذي بقيت فيه حتى منتصف التسعينات حيث تركته واختارت الانضمام إلى حزب “العمل الشعبي” الحاكم في سنغافورة منذ العام 1959.

عملت في نقابة المحامين حتى شغلت منصب مديرة الخدمات القانونية فيها، وفي هذا الوقت كانت تشغل منصب نائب الأمين العام للمؤتمر الوطني لاتحاد النقابات، ثم مديرة لإدارة الخدمات القانونية، ومديرة أمانة تنمية المرأة، وشغلت منصب الأمين التنفيذي لعمال الشركة المتحدة للإلكترونيات والصناعات الكهربائية. بعد ذلك وقع عليها الاختيار لتعين مديرة لمعهد سنغافورة للدراسات العمالية. وباتت المتحدث باسم العمال أمام لجنة القانون الدولي.

ثم عادت مجدداً إلى مقاعد الدراسة لتحصل على درجة الماجستير في القانون من جامعة سنغافورة.

وكان أول ظهور سياسي لها حين ترشحت على قوائم الحزب للانتخابات التشريعية عام 2001، حيث فازت بمقعد عن دائرة منطقة غرب سنغافورة، ثم دخلت البرلمان، لكن تم تعيينها في العام ذاته وزيرة دولة بوزارة التنمية المجتمعية والشباب والرياضة، ثم بموجب تعديل وزاري، أصبحت وزيرة دولة بوزارة التنمية الاجتماعية والأسرية.

وبسبب إمكاناتها اللافتة، وفي نقلة أخرى ضِمْن حياتها السياسية، تم اختيار يعقوب في يناير 2015 لعضوية اللجنة المركزية التنفيذية لحزب “العمل الشعبي”، وهي أعلى هيئة لصنع القرار في الحزب. لكن قبل ذلك تم ترشيحها لرئاسة البرلمان خلفاً لرئيسه مايكل بالمر الذي استقال على خلفية ملف فضائحي، فانتخبها النواب لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ سنغافورة. 

لكنها فاجأت الجميع حين أعلنت استقالتها من عضوية الحزب الحاكم ومن منصبها كرئيس للبرلمان، وكان من الواضح أنها مرشحة الحزب لانتخابات الرئاسة المنتظرة آنذاك، خاصة بعد أن أيدها رئيس الوزراء لي هسين لونغ، فأطلقت حملتها الانتخابية تحت شعار “نفعل الخير معاً”.

وقد ترشح إلى جانبها منافسان آخران من أقلية الملايو المسلمة ذاتها، هما فريد خان وصالح ماريكان، لكن سرعان ما تم استبعادهما بموجب الدستور الذي يشترط أن يكون المرشح للرئاسة قد شغل منصباً عاماً لمدة 3 سنوات على الأقل، وهو شرط ينطبق على يعقوب ولا ينطبق على أي من منافسيها، أو أن يكون قد شغل رئاسة شركة رأسمالها المدفوع لا يقل عن 370 مليون دولار أميركي، وهو أيضاً ما لا ينطبق على خان وماريكان، لتنجح يعقوب بالتزكية وتصل إلى كرسي الرئاسة كتعيين أو كتزكية مطلقة وليس بالانتخاب، وبذلك أصبحت حليمة ثامن رئيس للبلاد.

من المحظوظ بالآخر؟

هذه المرأة التي ولدت في بلد محتل، استقل في طفولتها، وتطور في مراهقتها، ليصبح البلد الأقوى بالتعليم والأغنى بالفرص في شبابها، لتصبح رئيسته في كهولته.، فمن المحظوظ بالآخر؟ كتب البعض أن انتقادات كثيرة طالت يعقوب، لكنّ أياً منها لم يكن حول جنسها فلم نسمع أي داعية أو أي شيخ سنغافوري قال “ما أفلح قومٌ ولوا أمرهم لامرأة”.

ولم نسمع أي انتقاد يقول إنها مسلمة أو محجبة أو إن أصولها ليست سنغافورية، لم نسمع كلمة عنصرية واحدة بحقها، بل إن الانتقاد الوحيد الذي انتشر بُعيد وصولها إلى الكرسي الرئاسي كان انتقاداً واحداً موحداً يتمثل في أنها لم تفز بانتخابات ديمقراطية بل عينت بالتزكية وأنها تنتمي إلى الحزب الحاكم لا أكثر ولا أقل.

تنضم حليمة يعقوب إلى مجموعة قائدات حول العالم تتصدرهن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي وأخريات يحاولن صنع المستقبل كما تراه المرأة لا كما يراه الرجل.

فهل يحق لنا، في العالم العربي، أن نحلم بالوصول يوماً إلى امتلاك تلك العصا السحرية الحقيقية التي امتلكتها سنغافورة فنقلتها من الفقر والتخلف إلى أفضل دول العالم في أقل من ربع قرن؟

هل يحق لنا الحلم بأن تصل امرأة يوماً إلى منصب في بلادنا دون أن تعترضها آلاف العقبات ودون أن تطالها آلاف الانتقادات التي تتغاضى عن كل إمكانياتها ولا تنظر إلا لكونها امرأة؟ بانتظار ذلك اليوم، فعندها فقط، سنكون فعلاً بلغنا درجة التنوير.

12