حل الأزمة السورية لا يمر عبر سيناريو التقسيم

الاثنين 2015/06/01

تناول الإعلام منذ عام تقريبا مصطلح “سوريا المفيدة”، أي أنّ النظام سيتخلى عن كافة المناطق التي لا يستطيع استرجاعها ويتمترس بمناطق محددة مثل اللاذقية، طرطوس، الجزء الغربي من ريف حماه وحمص والقلمون ودمشق، والبعض يضيف درعا والسويداء، وبالتالي ستنتهي سيطرته على باقي سوريا، وبذلك يتحدد التقسيم جغرافيا بين المعارضة والنظام.

لكن ومع بداية شهر أبريل طُرد النظام من إدلب وجسر الشغور وأريحا ومناطق أخرى، وسيطر تنظيم داعش على تدمر، وأضحى هناك احتمال بسقوط دير الزور بيد التنظيم المتشدد وحلب بيد جيش الفتح، ودرعا بيد الجبهة الجنوبية في حين ستنكفئ السويداء على ذاتها، شأنها شأن الكثير من المناطق التي تدير شؤونها بنفسها.

هذه الصورة التخيّلية المحضة، تستند إلى فكرة التقسيم المتداولة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وترتبط بحرق السجلات العقارية في مدينة حمص وبتهجير سكان بلدة القصير ومحيطها، على الرغم من أنها لا تنطلق من أيّ بحث جدي، إلاّ أنها تطرح معها أسئلة عدة، مفادها؛ هل أنّ التقسيم ممكن فعلا؟ وما مصلحة إيران وروسيا مثلا في دعم هكذا دويلة علوية مفترضة؟ وما مصلحة بقية سوريا بالسماح لهكذا دويلة بالوجود؟

الثابت أنّ روسيا وإيران لهما مصالح في كلّ سوريا، وقد دعمتا النظام، لا لتفوزا بدويلة طائفية يتطلب بقاؤها دعما مستمرا بل هما تريدان حفظ مصالحهما في كل سوريا. وبدورها لن ترضى الدول الأخرى الداعمة للمعارضة شأن تركيا والسعودية وقطر وبقية الداعمين بهكذا تقسيم، وبالتالي فمن مصلحة الأطراف الداعمة للنظام وللمعارضة بقاء سوريا موحدة من خلال إيجاد حل سياسي يضمن ذلك.

وهذا الحل السياسي، الذي تجدّدت المساعي للوصول إليه مؤخرا من خلال اللقاء الذي جمع بين كيري بوتين، أو من خلال الكلام عن مؤتمر الرياض، يبدو أنّه جاء على خلفية ضعف النظام الذي يتأكد بشكل يومي، ولا ينطلق من فكرة التقسيم أو على أرضية إسقاط النظام عسكريا، التي مازالت تجابه باحترازات دوليا.

وبالتالي فإنّ النقاش حول حل سياسي سيكون بين أطرافٍ تمثل النظام وأخرى تمثل المعارضة، ومن لا يخضع من بقية القوى السورية المعارضة أو الموالية، فإنّ طائرات التحالف الدولي تنتظره، خاصة أنّ هناك فرضية تفيد باحتمال تنظيم عملية عسكرية دولية أو إقليمية سترافق هذا الحلّ السياسي وتشرف على تنفيذه.

ولذلك فإنّ الكلام عن التقسيم والتفريغ الديمغرافي، الذي تم فعلا في مناطق واسعة في سوريا انطلق من الاستثمار السياسي ضد الآخر؛ فالنظام أخاف به مواليه، والمعارضة بدورها أشارت إليه مرارا لحث أنصارها على الحرب. غير أنّ القائلين بهذه الفكرة يتجاهلون أنّ التقسيم مرفوض، ليس على مستوى اللحظة الراهنة فحسب بل وكذلك على مدى التاريخ الذي أثبت فيه الشعب السوري أنه يتمسك بالوحدة ويرفض كل محاولات التقسيم.

وبهذا فإنّ الحل الممكن في سوريا يجب أن يمرّ عبر بوابة الحل السياسي، وفي ظل غياب ذلك الحل ستزداد المشكلات الطائفية في كامل المنطقة، وسيتضاعف الخطر الجهادي، حيث أنّ الحل السياسي هو الذي من شأنه أن يسمح بإيقاف مستوى العنف العالي والانتقال إلى حلّ مشكلة “الجيوش” المتعددة المنتشرة بكثافة في كل المدن السورية بما فيها ما يسمى بـ”ميليشيا الدفاع الوطني”، وسيلغي تفجر المشكلة الطائفية والقومية في تركيا مثلا، وسيخفف من الخطر الجهادي وتحديدا الداعشي ضدّ دول الخليج العربي، وسيمنع احتمال حدوث مجازر طائفية، قد تنتقل إلى لبنان وتركيا وربما إلى مصر وسواها، ولذلك فإنّه وعلى وقع تهاوي النظام، فإنّ هذه المشكلات المحتملة لا تدفع نحو اتّباع سيناريو التقسيم.

وعلى الرغم من تراجع النظام نحو مدن بعينها ووجود تسريبات تفيد بمحاولته إنشاء “لواء درع الساحل”، إلا أنّ إقامته لدويلة هناك يبقى أمرا مستبعدا، حيث أنّ شعبيته منخفضة جدا هناك بسبب حالة التذمر العامة جراء الشباب الذين قتلوا وإحجام كثير من الناس عن إرسال أولادهم إلى الحرب.

وفي ظلّ رفض إسقاط النظام عسكريا من قبل أميركا وحلفائها، فإنّ التطورات الميدانية الأخيرة تفرض حاليا البحث الدؤوب عن شكل النظام القادم، فدخول داعش إلى مدينة تدمر يبدو أنه جاء بتوافق بين النظام وبين قوات التحالف الدولي لإعاقة السقوط العسكري، خاصة أنّ داعش لم يتعرض لأي قصف جوي. ووظيفة التنظيم الآن تكمن في تهديد كافة الجبهات المشتعلة من حلب إلى درعا إلى حماه إلى الغوطة الشرقية والقلمون.

غير أنّ ورقة داعش هذه لا تعني أنّ دمشق أصبحت مكانا آمنا للنظام، أو أنّها ستكون عاصمة “سوريا المفيدة”، فكلّ التطورات تفيد بأنه قد يتم التخلي عنها، كما أنّ داعش لن يتمكن من إرباك الجبهات وسيخسر في أي حرب مع الفصائل المعارضة الموحدة، كما كان يخسر دائما باستثناء ما حدث في الرقة ودير الزور. الساحل أيضا وبعد خساراته الكبيرة لن يدافع عن النظام، فليس فيه أيّ مميزات لدويلة ممكنة، وقوات المعارضة لن تتوقف عن محاولة استعادته، وبالتالي فإنّ التطورات الميدانية تضع الأطراف الدولية وتحديدا أميركا وروسيا أمام حلين؛ إما إطلاق العنان للفوضى التي يمكن أن تهدد الأمن الإقليمي عموما، وإمّا الحل السياسي الناجع.

كاتب سوري

7