حل قضية الصحراء المغربية ينطلق من الداخل

اعتبر خبراء مغاربة أن القرار الجديد لمجلس الأمن يعزّز مكتسبات المغرب في مسلسل الوساطة الأممية، لكنّه لا يخرج عن سياق قرارات سابقة اتخذتها المنظّمة الأممية، الأمر الذي يستوجب من السلطات المغربية مراجعة ذاتية للرؤى المطروحة لحل النزاع المفتعل حول الصحراء وإيجاد حلّ جذري له، بما يجعل المغرب في مأمن من تداعيات التغييرات والأحداث الاستراتيجية الإقليمية.
الجمعة 2015/05/01
تأكيد سكان الصحراء على انتمائهم المغربي يفضح زيف النزاع المفتعل

الرباط- يمضي المغرب قدما نحو حلّ قضية الصحراء، بدعم أممي وتأييد دولي لمقترحاته لحسم هذا المشكل المفتعل، ضمن حلّ سلمي وعادل وواقعي، ووفق مقاربة منهجية تضمن حقّ المغرب في سيادته على أراضيه وحقّ سكّان الإقليم في الاستفادة من السياسات التنموية المغربية القائمة على الجهوية المتقدمة والمساواة بين المناطق.

لكن، حتى تكتمل صورة مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب كمبادرة لحل نزاع الصحراء وتسدّ كل الثغرات التي يمكن للجهات المعارضة استغلالها، يدعو خبراء وباحثون مغاربة النخب والقيادات السياسية في بلادهم إلى إجراء نقد ذاتي ومراجعة رؤيتهم لحلول قضية إقليم الصحراء.

ويؤكّد الخبراء الذين ناقشوا هذا الموضوع، خلال ندوة نظمها مركز الرباط للدراسات السياسية والإستراتيجية، من أجل تسليط الضوء على قرار مجلس الأمن بشأن الأوضاع في إقليم الصحراء، على ضرورة قطع الطريق أمام المقاربات المنحازة والتشبّث بمعايير التفاوض المحددة من طرف الهيئات الأممية الدولية بما يتوافق مع المقاربة المغربية.

وكان مجلس الأمن الدولي اعتمد، الثلاثاء الماضي، قرارا بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في إقليم الصحراء “مينورسو” لمدة عام، حتى 30 أبريل من العام المقبل؛ من دون أن يدخل أي تعديل على مهامها أو أن يكلفها خصوصا بمراقبة حقوق الإنسان مثلما دعا إلى ذلك الاتحاد الأفريقي.

وأكد الخبيران المغربيان في القانون الدولي خالد بن جدي وحميد أبولاس، أن القرار رقم 2218، الذي أصدره مجلس الأمن الأممي بخصوص قضية الصحراء، يعد “تنويها” بمبادرات المغرب لحل النزاع المفتعل بالطرق السلمية والسياسية وعبر الحوار المجدي.

هذا الرأي أكّده أيضا خالد السموني، مدير مركز الرباط للدراسات، مشيرا إلى أن دعوة مجلس الأمن المغرب وجبهة البوليساريو إلى إحياء المفاوضات لحل النزاع المستمر بينهما حول هذه المنطقة منذ حوالي أربعين سنة، تأكيد من مجلس الأمن على نجاعة وصحة ومصداقية المقترح المغربي، الذي قدم للأمين العام للأمم المتحدة في 11 أبريل 2007.

وبعثة “مينورسو”، بعثة أممية أسست بقرار أممي لمجلس الأمن للامم المتحدة رقم 690 في أبريل 1991، مهمتها الأساسية تنظيم استفتاء في منطقة الصحراء المغربية لتقرير مصير سكانها وحفظ السلام.

وتسعى قيادة البوليساريو، المدعومة من الجزائر، إلى الدفع نحو تغيير طابع مهمة بعثة المينورسو عبر الترويج إلى المغالطات وتضليل المجتمع الدولي، وهو ما يشكل ابتعادا عن المسار الذي رسمته الأمم المتحدة باتفاق مع الأطراف بغرض إيجاد حل سلمي وعادل ودائم للنزاع حول الصحراء.

القرار رقم 2218 تأكيد دولي جديد على نجاعة مبادرات المغرب لحل النزاع المفتعل بالطرق السلمية والسياسية

ونظرا لتدخّل جهات خارجية، على رأسها الجزائر وبعض الدول التي تدعمها بالمساعدات، ومنظمة الاتحاد الأفريقي، في مسار هذه القضية، بدعم البوليساريو واحتضان قياداته، ومحاولة فرضه في الاجتماعات الرسمية الأفريقية، شدّد الخبراء المشاركون في ندوة مركز الرباط للدراسات على ضرورة عدم الاعتماد الكلّي على المبادرات الدولية الخارجية.

وأكد سفير المغرب بالأمم المتحدة، عمر هلال، أن المواقف المنحازة بشكل سافر للاتحاد الأفريقي والموالية للجزائر وصنيعتها (البوليساريو) تفقده كل مصداقية وشرعية لتولي أي دور يتعلق بقضية الصحراء المغربية.

لا حل من الخارج

أمام هذا الوضع، قال نور الدين بلالي، أحد مؤسسي جبهة البوليساريو، خلال مشاركته في ندوة الرباط، إن “المراهنة على حلول لقضية الصحراء تأتي من الخارج أمر عبثي”. ودعا بلالي، العائد إلى المغرب من مخيمات تندوف سنة 1989، إلى ضرورة التركيز على ساكنة الإقليم وتعزيز قناعتهم بالخيار الوحدوي، والقطع مع سياسات استغلال موارد المنطقة والعمل على إطلاق مشاريع تنموية بها للتخفيف من حد الاحتقان في أوساط ساكنتها.

واعتبر أن قرار مجلس الأمن الأخير، “لا يخرج عن جملة القرارات السابقة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي بشأن قضية الصحراء، دون أن يحمل جديدا مهما في مسار حل النزاع”. واشار إلى أن “هناك بعض المنتفعين من الصراع المستمر في الصحراء منذ عقود، يمثلون طابورا خامسا، ويرون في استمرار الوضع القائم ربحا شخصيا لهم”.

وشدد بلالي على أن “القوى الدولية أيضا من صالحها أن يطول أمد الصراع في المنطقة، لتواصل أطراف النزاع الإرتهان لها، وطلب دعمها السياسي والاستراتيجي”، معتبرا أن دور الأمم المتحدة لا يتجاور “الوساطة”، فيما أن إيجاد حل نهائي لهذه القضية مرتبط بتوافق أطرافها الأساسية.

عمر هلال: مواقف الاتحاد الأفريقي المنحازة تفقده شرعية تولي أي دور في القضية

ودعا المسؤولين المغاربة إلى المبادرة بتنفيذ مقترحهم لمنح حكم ذاتي لإقليم الصحراء حتى “لايفقد بريقه”، عوض انتظار التوصل إلى حل مرتقب مع جبهة البوليساريو المطالبة بالانفصال.

وعملا بتوصيات الأمم المتحدة اتخذ المغرب جملة من الإجراءات الحقوقية في أقاليمه الجنوبية لتحسين أوضاع المواطنين هناك، حيث أشار وزير الخارجية صلاح الدين مزوار، في تصريحات سابقة، إلى المبادرات التي تم اتخاذها خلال السنوات الماضية، ومن بينها على الخصوص، تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول النموذج الجديد للتنمية بمنطقة الصحراء، بدعم الالتفاف حول خيار الوحدة.

ولضمان مواصلة العمل وفق خطة التنمية مفتاح حل قضية الصحراء وفضح زيف الأطروحة الانفصالية ولضمان نجاح المهمّة الدبلوماسية المغربية، تدعو النائبة في البرلمان المغربي، آمنة ماء العينين، أنه على النخب والسياسيين المغاربة الخروج من الخطاب التقليدي والدبلوسي بشأن قضية الصحراء، فلا يكفي اعتبارها من الثوابت الوطنية المغربية، بل يجب العمل على “صياغة خطاب نقدي لمسار التعامل مع الصراع الإقليمي في الصحراء”، حتى لا يبقى دون حلّ لسنوات طويلة أخرى.

وانتقدت ماء العينيـن القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن الدولي، واعتبرته “إعادة للقرارات السابقة المنبثقة عنه بشأن قضية الصحراء”، مضيفة أن الأمم المتحدة عاجزة عن إيجاد حل لهذا النزاع، لذلك على المغرب أن يعمل على إنضاج الحلول التي يتقدم بها والمضي فيها قدما. وشدّدت على أن حل القضية يصنع على أرض الواقع.

تطورات ملف الصحراء

يعتبر مقترح مشروع الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب كمبادرة لحل نزاع الصحراء توجها واعيا متعدد الأبعاد والصلاحيات، ونمطا استراتيجيا لاستتباب الأمن والاستقرار خاصة في منطقة الساحل والصحراء.

قضية الصحراء أضحت تعيش في وضعية "مأزق"

وقد كان مجلس الأمن واضحا حين أكد أنه لم يعد قادرا على تحمل استمرار النزاع على هذا الوضع، في ظلّ المستجدّات الإقليمية والدولية المحيطة.

في المقابل اعتبر ميلود بلقاضي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في الرباط، أن “هناك سياقا جيوسياسيا إقليميا ودوليا يحكُم القرار الأخير للأمم المتحدة بشأن التطورات في إقليم الصحراء، والذي شدد لأول مرة على ضرورة تحقيق السلام بتعزيز التعــاون بين دول المغرب العربي”.

ولفت بلقاضي، خلال مشاركته في ندوة مركز الرباط، إلى أن التحولات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط والساحل والصحراء، أظهرت بالملموس فشل الأمم المتحدة في حل عدد من الملفات الشائكة، وأظهرت أيضا أن الخيارات العسكرية لا تسهم إلا في مفاقمة الصراعات، وذلك ما دفع بمجلس الأمن الدولي في قرراه الأخير إلى دعوة الأطراف المعنية بالصراع إلى تعزيز الحوار ومواصلة المفاوضات.

والقرار، وفق بلقاضي، يشير، في سابقة من نوعها، إلى أن قضية الصحراء أضحت تعيش في وضعية “مأزق”، وأن الهيئة الأممية باتت قلقة من “طول أمد الصراع”، مشددا في ذات الآن على أن إقامة “دويلة” جديدة على حدود منطقة الصحراء الأفريقية الكبرى سيكون له تداعيات سلبية على المصالح الجيوسياسية الغربية في المنطقة.

وكان قرار مجلس الأمن دعا، كلا من المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، إلى التعاون من أجل وضع حد للمأزق الراهن، وإحراز تقدم نحو إيجاد حل سياسي للمشكلة. وأكد المجلس في قراره أن “تكريس الوضع الراهن ليس مقبولا، وأن إحراز تقدم في المفاوضات أمر أساسي لتحسين نوعية حياة شعب الصحراء المغربية من جميع جوانبها”.

7