حماة 2011-1982 مأساة مدينة تبحث عن الحرية

الجمعة 2014/02/07
أهالي حماة السورية على موعد متجدد مع الدموع والدمار

دمشق – استحضر السوريون، يوم 2 فبراير الماضي، ذكرى مجزرة حماة 1982 التي بدأ نظام الأسد بتنفيذها عبر هجوم شامل عمد إلى حصار المدينة وقتل المدنيين المطالبين بالحرية مرتكبا أفظع الجرائم. ناجون من مذبحة حماة، 1982، يروون الرعب الذي عايشوه قبل ثلاثة عقود، ويعايشونه اليوم منذ اندلاع ثورة 2011.

نهاية آذار: “إن ما حدث في مدينة حماة قد انتهى”، كان هذا تعليق الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد على أخطر أزمة داخلية هزت سوريا منذ توليه السلطة عام 1970. بعد أربعة أسابيع غرقت خلالها حماة في الدماء والآلام التي تسبّبت فيها قوة قوامها بلغت 11 ألف رجل (واللواء 47 مدرعات ولواء 21مدفعية وطائرات مروحية ومظليين وقوات حماية النظام الخاصة وقوات حماية أمن الدولة)، انتهت فترة القتل والنهب والحرق التي تذكر بالقرون الوسطى، وسكتت المدافع وغدت المدينة أنقاضا ورمادا.

طوال عام 1981، أي قبل المجزرة بعام كامل، شهدت المدينة عمليات مسلحة يقودها الإخوان المسلمون الذين تعاونوا مع تنظيم جهادي يطلق عليه “الطليعة المقاتلة“، بقيادة مروان حديد. وهذا الأخير شاب متشدّد من الإخوان كان يعتقد أنه لا يمكن إسقاط حزب “البعث الملحد” إلا بالقوة. عندما تم القبض على حديد، وتوفي في السجن في يونيو 1976، تعهّدت الخلايا التي تمكّن من تدريبها وتوزيعها في مدن حلب وحمص وحماة بالثأر له. وسرعان ما تحولت خطط عمليات القتل المستهدف إلى سلسلة من الهجمات الجهادية العشوائية ضد العلويين، الأقلية الحاكمة في البلاد.

وفي يونيو 1979، تمكّنت وحدة كوماندوز من التوغل في مدرسة المدفعية بحلب، وفصلت بالقوة التلامذة الضباط السنة والعلويين، ثم ذبحت عشرات من العلويين.. وكانت المواجهات بين الطرفين تدوم عدة أيام، آخذة أحيانا شكل حرب حقيقية بين الجناح العسكري للإخوان وبين سرايا دفاع رفعت الأسد، “الحرس الإمبراطوري “التابع للنظام والمدرّب على عمليات الاقتحام والقمع داخل المدن، والمتمتع بامتيازات مادية هائلة، برئاسة الضابط علي ديب. قائد اللواء المتحرك.

ابتسامة بريئة تطل من بين الأنقاض لتبعث أملا في مستقبل افضل

عاشت مدينة حماة مخاضا كبيرا من الألم، ولم يكن لأحد أن يتوقع موعدا مع الموت. حوالي أربعين ألف مواطن مدني من مسلمين ومسيحيين استشهدو وعائلات كاملة شطبت من قيد النفوس، وتم هدم أربع كنائس وثمانين مسجدا وعشرات الأسواق والمؤسسات والأبنية الأثرية التاريخية النادرة، ونتيجة لذلك فإن قسما كبيرا من المدينة القديمة (أحياء الكيلانية والحميدية والزنبقية) القائمة في وسط البلد قد مُحي.

شهادة حية

خالد الخاني فنان تشكيلي من حماة وأحد الناجين من المجزرة، يروي بعض تفاصيل المجزرة، بعد مضي وقت طويل قائلا: «في فبراير 1982 كان عمري 6 سنوات وكنت في الصف الأول ابتدائي، في حماة كان الألم كبيرا لنا جميعا، من كل الفئات والانتماءات، ألم تقاسمه أهل المدينة سواسية من دون تفرقة، عشنا مرحلة سوداء من دون أن نعرف أن هذا الأمر سيظل كالسكين يقطع ذاكرتنا، يخفي دموعنا ويمحوها أحيانا، رائحة المكان أتذكرها جيدا، كانت لا تطاق، ويضيف: أبي كان طبيب عيون، لم يكن من جماعة الإخوان المسلمين لكنه انحاز لأهل مدينته المستباحة.. تسرب خبر إلى الضباط بوجود طبيب بين جموع المعتقلين وكانوا أكثر من خمسة آلاف في معتقل «معمل السيراميك» جنوب المدينة، فجمع المعتقلين في الساحة. وبعدها قال الضابط الكبير نريد طبيبا وأوحى للجميع أن هناك حالة إسعاف مستعجلة فخرج أبي ولبى النداء وهو الذي أقسم قسم “أبقراط، وكان هناك طبيب آخر لبى نداء الواجب أيضا، ولكنهما لم يعلما بالمكيدة. سحل أبي وزميله، عذبا من دون رحمة واقتلعوا إحدى عينيه، أهل حماة يشهدون على ذلك، لقد قلعوا إحدى عينيه وهو حي ثم قتلوه، ثم سلم جسده للمستشفى الوطني وبقي مرميا مع الشهداء على باب المستشفى. لم تنته عذابات أبي حتى بعد وفاته، فقلعت عينه الثانية هناك وأخرجت بطاقته الشخصية وخرزت في ملابسه، لما دفناه، وكنت صغيرا، أذكر أنه كان بلا عينين.

حماة 2012

في 2012، استهدفت حماة من جديد على أيدي قوات الأمن السورية في حملة القمع الحالية التي شملت معظم أرجاء سوريا، والتي قتل فيها -وفق تقديرات المرصد السوري- أكثر من 6000 شخص منذ اشتعال الانتفاضة في شهر مارس 2011.

شهداء مجازر حماة 1982

“أبو محمد” (اسم مستعار) 47 سنة، ناشط من مدينة حماة التي تحاصرها قوات النظام وتحكم السيطرة عليها بعد اقتحامها منتصف عام 2012 يخبرنا: «مشاهد اليوم تعيدني واحدا وثلاثين عاما إلى الوراء. أتذكر تماما ما حدث عام 1982، قتل سبعة من أعمامي، هناك أماكن عدة في حماة تحتوي على قبور جماعية لقتلى هجوم عام 1982، مثل موقع سوق الخضر والحديقة المجاورة لمسجد السرجاوي التي بدأنا الدفن فيها منذ 31/7/2011 والحديقة المجاورة لمسجد أبو بكر في حي الحميدية. وتم منع المواطنين حتى من الصلاة على قتلاهم لأن النظام يكن أشد العداء لكل من يخاصمه.

“شارل بوبت”، وهو صحفي فرنسي محرر في صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية استطاع أن يدخل إلى قلب مدينة حماة بحيلة ذكية. كان في دمشق. وحينما سمع بالأحداث استقل الباص باتجاه حلب. وفي حمص وأثناء استراحة قصيرة اختفى وترك الباص يتابع سيره ثم بحث عن تاكسي لكي تنقله إلى مداخل حماة أو ضواحيها بحجة أنه سائح يبحث عن الآثار. قضى في المدينة وقتا لا بأس به، ثم سلم نفسه للسلطات السورية تمويها. وبعدما عاد إلى فرنسا نشر تحقيقا مطولا.

وبعص مماجاء في شهادته عن المجزرة “إنني أمشي الآن وسط بيوت متهدمة، وأشجار مكسرة، وأعمدة ملوية أو منزوعة من مكانها. هناك قليل من السكان. ومثلهم فإنني أتنقل بحذر أثناء المسير. إنه هنا حدث القتال وما يزال مستمرا من صباح هذا اليوم من شهر فبراير. إنها ليست الحرب، ولكن بالأحرى، نهاية معركة كانت على ما يبدو رهيبة.

40 ألف مواطن سوري استشهدوا في مجزرة حماة 1982

ننتقل من بيت إلى بيت. ومن فوقنا تمر طائرة هيلوكبتر. وأمامنا عائلات بأكملها تبكي، جثث تجر من أرجلها أو محمولة على الأكتاف، أجساد تتفسخ وتنبعث منها رائحة قاتلة ، وأطفال تسيل منهم الدماء وهم يركضون لاجتياز الشارع. امرأة ترفض أن تفتح لنا منزلها. إنها ليست زيارة متفقاً عليها. إنني غير مرغوب في مثل هذه الساعات. ونهيم على وجوهنا أنا ومرافقي – أحد أبناء المدينة الذي تطوع بهذا العمل

مجزرة حماة تحضر اليوم بشدة، وفي المشهدأكثر من 100 ألف شهيد مع مواصلة آلة الحرب الأسدية مواجهة السوريين، في كل مكان.

12