حمادي الجبالي رجل الورطات المتتالية

الأحد 2015/08/23
رئيس حكومة لثورة تونس المدنية احتفل بإعلان "الخلافة السادسة"

من جديد، وبسبب ما أثارته وتثيره قضية تسليم البغدادي المحمودي الذي حكم عليه بالإعدام مؤخرا، يعود حمادي الجبالي، رئيس أول حكومة تونسية تشكّلت بعد انتخابات خريف 2011، والذي خيّر الاستقالة بعد مرور نصف عام فقط على توليه المنصب المذكور، إلى الظهور ساعيا من خلال وسائل الإعلام إلى تلميع صورته وتبرير سياسة حركة النهضة خلال فترة حكمها.

ولعلّه يعتقد أن ما يفعله بحماس فيّاض، وبروح “نهضويّة” عالية، نافع له ولحركته، غير أنّ ردود الفعل على ذلك تبدو مخيّبة لآماله ولرغباته وللأهداف التي رسمها في كل مرة يقتحم فيها المشهد الإعلامي والسياسي.

وما نستنتجه من ردود الفعل هذه، هو أن الجبالي مخطئ في تقديراته وحساباته. وهناك أسباب عدّة لتفسير ذلك، فمعلوم أنّ هذا الرّجل الذي دخل قصر “القصبة” محاطا بمهابة ماضيه، ماضي “المجاهد” الذي أمضى حوالي عقدين في زنزانة منفردة خلال فترة حكم بن علي، فَقَدَ خلال الأشهر القليلة التي أمضاها رئيسا للحكومة المؤقّتة، التي جاءت بها انتخابات 23 أكتوبر 2001، مَهَابته ومصداقيّته ومعهما رصيده السياسي، ليغادر منصبه الرّفيع خالي الوفاض تاركا عند التونسييّن أسوأ الذكريات وأمرّها.

الخلافة السادسة

الأخطاء الفظيعة والقاتلة التي ارتكبها على مستويات متعدّدة، يعود إليها الدور في ما آل إليه حال “المجاهد”، فحال فوز النهضة في الانتخابات، ذهب الجبالي مسرعا إلى سوسة، مسقط رأسه، ليبشّر أمام جمع غفير من أنصار النهضة، وبحضور ضيوف من فلسطين، بقيام ما سمّاها بـ”الخلافة السّادسة”.

وبطبيعة الحال، فقد صفّق له الحاضرون طويلا، وهلّلوا وكبّروا، ولعلّ أغلبهم فعلوا ذلك من دون أن يدركوا معنى ما قاله “المجاهد”، الذي دخل عليهم معتمرا قبّعة “الكاوبوي” الخارج للتوّ من غبار معركة ضارية.

غير أنّ التبشير بـ”الخلافة السادسة” أثار غضب واستياء نسبة عالية من التونسيين، الذين ثاروا من أجل الحريّة والكرامة، وأطاحوا بنظام بن علي ليمضوا بأنفسهم وببلادهم نحو مستقبل أفضل، وليس ليعودوا إلى ماض سحيق.

وكان على قادة النهضة أن يُبدّدوا الكثير من الوقت، ويبذلوا جهودا مُضنية سعيا منهم لإصلاح ما أفسده خطأ صاحبهم، الذي كان لا يزال على عتبات قصر “القصبة”. وعقب مرور أسابيع قليلة على الخطأ الأوّل، ارتكب الجبالي هفوة أخرى أثارت ردود فعل واسعة شعبيّة وإعلاميّة، فقد ظهر على الإعلام وهو يدلي بتصريح إلى قناة إيطاليّة وعلى يمينه راية النهضة، وليس العلم التونسي.

ومن ذلك استوحى التونسيّون أن الجبالي معتزّ بالحركة التي ينتمي إليها أكثر من اعتزازه بوطنه، ومرّة أخرى وجد رئيس الحكومة المؤقتّة نفسه عرضة لتهجّمات عنيفة من تيّارات ومن أحزاب مختلفة. وازداد التونسّيون غضبا منه له لما اكتشفوا أن الجبالي الذي أمضى قرابة العشرة أعوام طالبا في فرنسا لا يحسن نطق جملة واحدة بلغة موليير.

الحكم بالإعدام على الوزير الأول السابق البغدادي المحمودي، والذي سلمّه حمادي الجبالي للميليشيات الليبية، يتسبب بحملة هائلة تشنها وسائل الإعلام عليه معتبرة حكومته مسؤولة عما اعتبرته "خطأ فادحا" و"جريمة دولة"

وكان من الطبيعي أن يعتبر التونسيّون ذلك إهانة لهم، وهم الذين يعتبرون اللغة الفرنسيّة “غنيمة” من غنائم النضال ضدّ الاستعمار، كما أنهم تعوّدوا على أن تكون نخبهم السياسيّة والمثقّفة مُتقنة للغة العدوّ الذي احتلّ بلادهم على مدى سبعين عاما.

وكان امتعاض التونسيين كبيرا لمّا عاينوا أن حمادي الجبالي، يتعثّر أيضا في لغته الأمّ، بل ويقلّد اللّهجات المشرقيّة، وكأنه يرغب في أن يوحي لهم بأنّه يتعيّن عليهم تغيير لهجتهم هم أيضا لكي يصبحوا عربا أقحاحا.

الأصوليون في قصر القصبة

خلال الفترة التي أمضاها في قصر “القصبة”، كان الجبالي غالبا ما يتصرّف كأمين عام لحركة النهضة، وليس كرئيس للحكومة، وهذا ما يفسّر الحفاوة المبالغ فيها التي خصّ بها زعماء الحركات الأصوليّة مثل عبدالحكيم بالحاج وإسماعيل هنيّة وخالد مشعل، الذي التقط معه الصور خلال مؤتمر النهضة في صيف عام 2001 وهو واضع يده على يده، بزهوّ وفخر فتى مراهق، يجد نفسه جنبا إلى جنب مع زعيمه الروحي المفتون به منذ أن فتح عينيه على عالم السياسة.

وبتسامح كبير، شرّعت حكومة الجبالي أبواب تونس أمام الدعاة المتطرّفين القادمين من المشرق، ومن دون مراقبة أو حساب، سمح لهم بغسل أدمغة الشباب، وبالحث على الجهاد، وبالتحريض على العنف والفتنة، وصَمَتت عن أولئك الذين رفعوا أصواتهم عاليا من داخل المساجد للسّخرية من النشيد الوطني التونسي ومن بعض الأحزاب المعارضة لحركة النهّضة مثلما فعل المصري وجدي غنيم.

وقد استغلّ المتطرّفون التونسيّون الخارجون للتوّ من السّجون، أو العائدون من المنافي تواطؤ حكومة الترويكا الأولى معهم، ليسيطروا على أغلبيّة المساجد، محوّلين إياها إلى فضاءات لنشر دعواتهم الجهاديّة المتطرّفة، وزرع التنافر والبغضاء في النفوس والقلوب.

وفي تلك الفترة ارتكبت أولى العمليّات الإرهابّية التي ذهب ضحيّتها المناضل التقدّمي شكري بالعيد، كما تعدّدت أعمال العنف في العديد من مناطق البلاد وداخل الجامعات والمدارس، وكانت السفارة الأميركيّة هدفا لمثل تلك الاعتداءات.

الأخطاء الفظيعة والقاتلة التي ارتكبها على مستويات متعدّدة، يعود إليها الدور في ما آل إليه حال "المجاهد"، فحال فوز النهضة في الانتخابات، ذهب الجبالي مسرعا إلى سوسة، مسقط رأسه، ليبشّر أمام جمع غفير من أنصار النهضة، وبحضور ضيوف من فلسطين، بقيام ما سماها بـ"الخلافة السادسة"

ورغم أن الأبحاث أثبتت أن التيّارات الأصوليّة المتشدّدة، واللجان التي تدور في فلك حركة النهضة مثل “لجان حماية الثورة”، هي المحرك لأعمال العنف، والمشجّع عليها، فإنّ حكومة الجبالي، ظلّت تتصرف وكأن الأمر لا يعنيها من قريب ولا من بعيد.

ومن المؤكّد أن المجموعات الإرهابيّة التي تنشط راهنا في مختلف المناطق، وتقتل الجنود والضباط ورجال الأمن والسياح الأجانب بنيّة السيطرة على الحكم، هي ثمرة سياسة تلك الحكومة التي تسامحت مع الإرهاب وأهله وغضّت الطّرف عن تدفّق الأسلحة.

ورطة تسليم البغدادي

تنضاف إلى الورطات التي أوقع الجبالي نفسه فيها، أيام كان رئيسا للحكومة، ورطة تسليم البغدادي المحمودي إلى الميليشيات الليبية، وقد فعل ذلك رغم الاحتجاجات الكثيرة التي ارتفعت في ذلك الوقت لمنعه من تنفيذ قراره.

والآن، وبعد أن صدر الحكم بالإعدام على الوزير الأول السابق، شنت وسائل الإعلام مجددا هجمات عنيفة على حمادي الجبالي؛ ووجّهت بعض المنظمات الحقوقية والمدنية في تونس انتقادات لاذعة له وفريقه الحكومي، معتبرة تسليم البغدادي المحمودي ”جريمة دولة”.

وطالت الهجمات أيضا بعض رموز فريقه الحكومي، خصوصا نورالدين البحيري، وزير العدل آنذاك، الذي يتهمه العديد من المحامين ورجال القضاء بـ”إفساد المؤسسة القضائية”، كما طالت محمد المنصف المرزوقي، الرئيس المؤقت السابق، الذي سارع بنفي مسؤوليته عن العملية المذكورة، مؤكدا عبر صفحته على الفيسبوك أن كل شيء “دبّر من وراء ظهره”.

ويبدو الجبالي متضايقا ومتوترا ولا يدري ما يقول وما يفعل للرد على سيل الاتهامات التي طالته، وربما نصحه أصحابه بالركون إلى الصمت خشية أن يخرج من فمه ما يزيد في تعقيد وضعيته.

التونسيون يدركون أن الجبالي معتز بالحركة التي ينتمي إليها أكثر من اعتزازه بوطنه، بعد مواقفه العديدة، التي وجد رئيس الحكومة المؤقتة نفسه، خلالها، عرضة لتهجمات عنيفة من تيارات ومن أحزاب مختلفة

وبانتظار ما ستبوح به الأيام القادمة بشأن القضية المذكورة، هبّ رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي لنجدته داعيا حكام ليبيا الجدد المنقسمين إلى ملل ونحل وإلى قبائل متناحرة إلى “التبصر والتعقل” ذلك أن ليبيا الجديدة بحسب رأيه لا يمكن أن تبنى على كومة من “الرؤوس المقطوعة”.

زنزانة انفرادية مستمرة

وكان حمادي الجبالي قد ولد في مدينة سوسة أواخر الأربعينات، ودرس الهندسة في الجامعة التونسية، ثم في باريس في السبعينات من القرن الماضي، وخلال سنوات الدراسة انجذب إلى حركــة النهضة التي كانت تسمى آنذاك حركـــة الاتجاه الإسلامي، ومنذ البدايــة أصبح من القيادييـــن البارزين في الحركة، ومـــن أكثرهم تصلبــا في المواقف.

وكان واضحا أن الغنوشي، حينها، وجد في الجبالي الرجل المناسب الذي يمكن أن يساعد النهضة على التغلغل في منطقة الساحل التي ينتسب إليها خصمها الأكبر بورقيبة، وبالفعل قام الجبالي بدور هام لاستقطاب أنصار كثيرين في المنطقة المذكورة.

وفي عام 1981، تم القبض على قياديي حركة النهضة وصدرت في شأنهم أحكام قاسية، ثم قام نظام بورقيبة بالإفراج عنهم في صيف العام 1984. غير أنهم سرعان ما عادوا إلى النشاط السري في كامل أنحاء البلاد، وإثر عملية إرهابية طالت فنادق سياحية في مدينة المنستير، مسقط رأس بورقيبة، في صيف عام 1986، أعيد قياديو حركة النهضة إلى السجون لتصدر في شأنهم مجددا أحكام قاسية.

وبعد إزاحة بورقيبة من السلطة في السابع من نوفمبر 1987، أطلق سراح هؤلاء القياديين مرة أخرى، وسمح لهم نظام بن علي بالمشاركة في الحياة السياسية، وفي هذه الفترة، ترأس الجبالي تحرير جريدة “الفجر” الناطقة باسم الحركة.

غير أن الوفاق بين نظام بن علي والحركة سرعان ما توقف، وقد تمكن الغنوشي والعديد من مساعديه من الفرار إلى المنافي، أما الجبالي فقد حكم عليه بـ16 عاما سجنا أمضى عشر سنوات منها في زنزانة انفرادية. ولم يفرج عنه إلا في العام 2006.

لكن زنزانة الجبالي، بقيت مستمرة، حتى بعد الإفراج عنه، وبقي يعيش فيها، معزولاً عن متغيرات العالم، وما يتوجب فعله اليوم، غير التهليل للخلافة السادسة، واللعب بعقول الأجيال.

8