حمادي الجبالي هروب من سطوة الشيخ أم بحث عن زعامة فردية

الأحد 2014/04/20
حمادي الجبالي يطمح للرئاسة بعيدا عن جبة حركة النهضة

تونس- بعد سنتين كأمين عام لحركة النهضة الإسلامية اختار حمادي الجبالي أن يستقيل من تلك المهمة تاركا المجال للكثير من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي جعلته يقدم على تلك الخطوة في هذه المرحلة بالذات وبعد أن أرغمت الحركة على الخروج من الحكم بفعل العديد من الضغوطات ونظرا لفشلها في تحقيق تطلعات التونسيين.

وبرغم شخصيته القوية وبراعته في الحديث إلا أن الجبالي عجز وهو في رئاسة الحكومة عن الخروج بتونس إلى بر الأمان وعرفت البلاد في ظل تواجده الكثير من الأزمات السياسية والتوترات الأمنية.


حافة الإفلاس


لطالما وجهت إليه سهام النقد على اعتبار المخلفات التي تركتها حكومته من ميزانية متهالكة شارفت على الإفلاس، وكذلك التعيينات التي تمت على أساس الولاء الحزبي بفعل تطبيق قانون العفو التشريعي العام مما زاد في ثقل كاهل الدولة من أجور الوظيفة العمومية، برغم أن الجبالي وعد في كثير من تصريحاته أنه سيعمل على حل القضايا الاجتماعية والاقتصادية، لا التركيز على التوجهات الأيديولوجية الضيقة.

ولغرابة الممارسات والمواقف التي كان يقوم بها الجبالي زمن رئاسته للحكومة ولاستقالته التي تطرح العديد من نقاط الاستفهام حول رجل فشل في إدارة حكومة ويدغدغه حلم بقيادة دولة، نعود في هذه المصافحة للتعرف أكثر على شخصيته ومبررات قراراته. فمن يكون الجبالي؟

في مدينة سوسة الساحلية ولد الجبالي سنة 1949 والتحق بكلية الهندسة في جامعة تونس ثم انتقل منها إلى جامعة باريس حتى بات مهندسا أول في الطاقة الشمسية، تحصّل على شهادة الهندسة الميكانيكية من جامعة تونس، ثمّ على ماجستير في الطاقة الضوئية الجهدية من باريس.


إدارة حسنة


عرف في الحياة السياسية التونسية بعد اعتقال القيادة التاريخية لحركة الاتجاه الإسلامي ومحاكمتها سنة 1981. وقد انتخبه مجلس الشورى في سنة 1982 رئيسا للحركة.

تشهد له الأوساط السياسية ودوائر الحركة بحسن إدارتها وتوسيع علاقتها بالوسط السياسي، وقد اشترك المهندس حمادي الجبالي مع المهندس علي العريض في إدارة الحركة في فترة دقيقة جدا تلت أول اعتقالات واسعة في صفوفها.

ابتداء من سنة 1984 وبعد إطلاق سراح القيادة التاريخية تولى الجبالي عضوية المكتب التنفيذي والمكتب السياسي ومجلس الشورى. حوكم أمام المحكمة العسكرية في سنة 1992 وصدر ضده حكم بالسجن 15 سنة سجنا، وقد عرف الجبالي بتوازن تحليلاته للأوضاع القُطْرية والدولية، وبجرأته في إبداء آرائه.

بدت حكومة الجبالي عاجزة عن حل القضايا المختلفة التي من أجلها قامت الثورة وفشلت في اتّباع منوال تنموي يحسّن من الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للتونسيين

وبعد خوض الحركة للانتخابات الأولى بعد الثورة وفوزها في انتخابات المجلس التأسيسي في 23 تشرين الأول سنة 2011 أعلنت أطراف في الحركة أنها تقترح حمادي الجبالي لرئاسة الحكومة المقرر تشكيلها بعد تولي المجلس التأسيسي مهامه، و جاء هذا الإعلان على لسان نور الدين البحيري عضو المكتب التنفيذي لحزب النهضة الذي قال إن النهضة ترشح أمينها العام حمادي الجبالي لمنصب رئاسة الحكومة الانتقالية، ليبدأ بعدها مسارا سياسيا جديدا ولتكون له جملة من المواقف المتباينة أثارت ضده الخصوم والمقربين.


المواقف والمحكات


الكثير من المواقف التي اتخذتها حكومة الجبالي وكانت جلّها تشير إلى تخبط في القرارات ولا تشي بأن هناك وعيا بدقة المرحل الانتقالية التي تعيشها البلاد.

ولعل أهم موقف اتخذته حكومة الجبالي وكان يشير إلى ذاك التخبط الذي تعاني منه بين رغبة الرئاسة ورغبة الحكومة يتمثل في تسليم رئيس الوزراء البغدادي المحمودي إلى ليبيا. حيث أكد الجبالي وقتها أن تونس ستسلم البغدادي المحمودي إلى ليبيا حتى ولو لم يوقّع الرئيس منصف المرزوقي قرار التسليم مثلما ينص عليه القانون التونسي.

عجز الجبالي وهو في رئاسة الحكومة عن الخروج بتونس إلى بر الأمان وعرفت البلاد في ظل تواجده الكثير من الأزمات السياسية والتوترات الأمنية

وقال “المحكمة الإدارية قالت لنا إنه ليس هناك ضرورة لتوقيع قرار التسليم من قبل الرئيس″. وتابع الجبالي “إن الحكومة الليبية قدمت ضمانات شفوية ومكتوبة بشأن احترام حقوق الإنسان، والحرمة الجسدية والمحاكمة العادلة للمحمودي ".

وكان موقف المرزوقي معارضا لقرار التسليم عندما قال "ما زلت أعارض الترحيل، إنه موقف مبدئي، لا يمكن أن أوقع الترحيل بحق شخص قد يتعرض للتعذيب أو للقتل ". هذا الموقف أشار إلى تناقض كبير بين الرئاسة والحكومة مما فتح المجالات لعدة تأويلات وقتها من بينها أن الرئيس المرزوقي لا يستطيع أخذ القرارات المصيرية وأن النهضة هي من تقرر ذلك.

أما الموقف الثاني الذي أحرج حكومته فيتمثل في تقصيره في توفير الحماية اللازمة للمنشئات التابعة للبعثة الدبلوماسية الأميركية في تونس خلال المواجهات التي وقعت بين متظاهرين وقوات الشرطة فيما يعرف بأحداث السفارة الأميركية، مبررا ذلك بأن وزارة الداخلية تفتقد إلى التجهيزات الكافية التي تمكنها من مجابهة مثل تلك التحركات، فقبل موعد المظاهرة لم يتوفر للمصالح الأمينة سوى 48 عربة فقط لنقل أفراد مكافحة الشغب ما دفعهم إلى الاستنجاد بحافلات النقل العمومي التي كانت معرضة للتحطيم والتكسير.


بداية الأزمة


كثير من الأحداث المتراكمة أدت جميعها إلى بداية تشكل نوع من الخلاف بين الجبالي ورئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي وباقي القيادات التي انزاحت طواعية أو مرغمة وراء قرارات الشيخ.

فبدءا من العجز الذي بدا من حكومة الجبالي عن حل القضايا المختلفة التي من أجلها قامت الثورة وفشله في اتّباع منوال تنموي يحسّن من الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للتونسيين، ظهرت في الأثناء احتقانات مختلفة غذتها رغبات المعارضة في إسقاط حكومة الترويكا مثل الأحداث التي جدت يوم 9 أبريل 2012 بشارع الحبيب بورقيبة وما حوله بوسط العاصمة التونسية والتي أدت إلى حدوث هـزة قوية لحكومة الجبالي. وخلفت الصدامات التي حصلت بين قوى الأمن والمتظاهرين من الفعاليات السياسية والمدنية مزيدا من الاحتقان بين حركة النهضة تحديدا وكل خصومها بمختلف المواقع.

كثير من الأحداث المتراكمة أدت جميعها إلى بداية تشكل نوع من الخلاف بين الجبالي ورئيس الحركة الشيخ راشد الغنوشي وباقي القيادات التي انزاحت طواعية أو مرغمة وراء قرارات الشيخ

أم الحدث الأبرز الذي جعل الجبالي يطالب بتشكيل حكومة غير متحزبة فتمثل في اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد الذي خلف موته تصعيدا غير مسبوق من المعارضة. ودفع رئيس الحكومة إلى اقتراح حكومة غير حزبية للخروج من الأزمة السياسية وحالة الاحتقان التي وصلت إليها البلاد.

وقال الجبالي وقتها “يتعين تكوين حكومة غير مسيسة تقوم بمهمة تقنية لمدة ستة أشهر في إدارة الانتخابات". ودعا إلى التسريع بإنهاء عمل المجلس التأسيسي بعد الانتهاء من المصادقة على الدستور والقانون الانتخابي.

واعترف بأن الفريق الحكومي لا يملك خبرة سابقة في مجال إدارة شؤون الدولة، وهو تشخيص كان يرفضه بشدة في ما مضى، لكنه في المقابل أكد أن حكومته حققت عديد المكاسب. وقال ” اكتشفت من موقع المسؤولية حجم المشاكل وتعقد الملفات الموروثة منذ سنوات طويلة”، وهو ما جعل خطابه السياسي يخفف كثيرا من حجم الثقة في الذات.

غير أن حلول الجبالي واقتراحاته اصطدمت برغبات الشيخ الذي رأى عكس ما ذهب له أمين الحركة السابق.

ورفض مطالب المعارضة بتشكيل حكومة غير حزبية، مقترحا في المقابل تشكيل حكومة وحدة وطنية تعبر عن مختلف الأحزاب. وقال الغنوشي ” نرفض تشكيل حكومة غير حزبية لأن هذا النوع من الحكومات لا يستطيع إدارة الوضع الحساس الذي تشهده البلاد”. وأضاف أن الحكومة تحتاج إلى “كثير من الوقت لإدارة القضايا السياسية والاقتصادية".

هذا التباين بين رغبة الجبالي والشيخ راشد الغنوشي للخروج من الأزمة التي تمر بها البلاد بعد اغتيال شكري بلعيد جعل الهوة تبدأ في الاتساع، وبدا الجبالي الطموح يأخذ مسافة في قراراته عن قرارات قائد الحركة مما جعل البعض يتحدث عن انقسامات وبداية التصدعات في حركة عرفت طيلة تاريخها بتماسكها.

ورأى بعض المحللين أن ذاك الخلاف في حل الأزمة السياسية هو الذي جعل قرار الاستقالة يعتمل في نفس الجبالي إلى أن صدح به أخيرا.


دواعي الاستقالة


اختلفت التحاليل حول الدواعي التي تقف وراء إعلان حمادي الجبالي عن استقالته وذهبت الآراء مذاهب شتى مما دفع المعني بالأمر إلى توضيح الأسباب الفعلية التي دفعته إلى أخذ مثل ذاك القرار.

وقال في بيان نشره على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك “لقد أعلمت كتابيا يوم 5 آذار 2014 رئيس الحركة راشد الغنوشي وثلّة من قياداتها بقراري التخلي عن مهمة الأمانة العامة.

وأضاف الرئيس الأسبق للحكومة “قراري الذي اتخذته عن رويّة هو نهائي، ويبقى لمؤسسات الحركة حق اختيار من تراه صالحا لهذه المهمة".

الحدث الأبرز الذي جعل الجبالي يطالب بتشكيل حكومة غير متحزبة تمثل في اغتيال المناضل اليساري شكري بلعيد

وأرجع الجبالي استقالته إلى “أسباب ذاتية وموضوعية” قائلا إنه “لا يرى ضرورة أو فائدة في الخوض فيها خارج أُطر الحركة”. وأضاف “إن تخليّ عن هذا التكليف (الأمانة العامة) وفي هذه الظروف بالذات لا يجب أن يُفهم منه بشكل من الأشكال، محاولة لشق الحركة أو إضعافها أو التأليب عليها”. وتابع الجبالي “أعتبر قراري هذا مناسبة ومساهمة مني في دعم صفها القيادي بجيل من الكفاءات تزخر به الحركة على كل المستويات، تشبيبا وإصلاحا وخدمة للحركة والبلاد".

وأوضح “إن ابتعادي عن الأمانة العامة لا يعني بالضرورة تأسيسا أو انخراطا في حزب آخر، فلست في حاجة للبحث عن هوية جديدة".

غير أن هذه التبريرات لم تقنع البعض وذهبوا في اتجاه أن الحركة اختارت الجبالي للسباق الرئاسي ولكن ذلك لن يكون متاحا وهو أمين عام للحركة فدفعته لتقديم استقالته كي يترشح بصفته مستقلا مما يدعم حظوظه في الفوز. وذلك ما ستثبته الأيام خاصة أن الجبالي لم ينف إمكانية خوضه غمار السباق الرئاسي بل أبدى نوعا من القبول للفكرة.


الترشح للرئاسة


من خلال توزيع ابتساماته المعهودة لما سئل عن إمكانية ترشحه للرئاسة أبان الجبالي عن رغبة في خوض غمار تلك التجربة، قائلا “لا أرى في الوقت الحاضر أن شروط وظروف اتخاذي لمثل هذا القرار متوفرة، ويبقى الأمر مفتوحا في الوقت المناسب على كل الاحتمالات".

وأضاف “إن احتمال ترشحي للرئاسيات القادمة حق كفلته الثورة في دستورها الجديد ولكن الرئاسة أمانة ومسؤولية في الدنيا والآخرة".

وقد برر المتابعون تلك الرغبة بأسباب ذاتية تتعلق بإرادته إبراز نفسه أنه قادر على التحرك بصفة فردية دون غطاء حركة النهضة حتى يتحرر من كل الروابط التي تشده إلى التنظيم وإكراهاته العملية.

كما رأى محللون أن سهام النقد التي وجهت له عندما كان رئيسا للحكومة والتي أبانت فشله في جميع المستويات جعلته يحاول إثبات العكس عندما ينجح في الوصول إلى رئاسة البلد ويقدر على تحقيق بعض من الإنجازات التي انتظرها الشعب التونسي منه وهو في السلطة.

وهذه الرغبة في الترشح للرئاسة تطرح العديد من التساؤلات حول أن يتمكن الجبالي من الفوز وذلك للعديد من الاعتبارات، فالرجل فشل في جل الملفات التي كانت تحت يد حكومته، بل لم يقتصر الأمر على الفشل في تحقيق مطالب الشعب التونسي، فقد وصلت البلاد في زمنه إلى حافة الهاوية على المستوى الانفلات الأمني وعلى مستوى الاحتقان الاجتماعي وكذلك على المستوى الاقتصادي.

فكيف له بكل هذا الإرث من الفشل أن يتحدث وبكل جرأة عن إمكانية خوضه للسباق الرئاسي. فمن من التونسيين سيمنحه ثقته مجددا بعد أن جرّب ارتباكه في الحكم وعجزه عن أخذ القرارات الحازمة بحجم ذاك السياق الثوري الذي عاشته تونس. إن الاستغراب من سلوك الجبالي وطموحاته الشخصية يفسر بتلك الصورة التي انطبعت في الأذهان وهو رئيس للحكومة والذي كان يتحرك تحت إملاءات الشيخ ولم ير له التونسيون موقفا ذاتيا، إلا تلك الدعوة إلى حكومة كفاءات وطنية بعد اغتيال شكري بلعيد، الأمر الذي جعله يتلقى الكثير من النقد من داخل حركته إلى درجة اتهامه بالوقوف إلى جانب الثورة المضادة.

قد يفهم التحول في مواقف الجبالي وخاصة قرار استقالته والحديث عن إمكانية ترشحه للرئاسة أنه ابتعد عن حركة النهضة لكن الأيام القادمة كفيلة وحدها بكشف المستور وهل أن الجبالي قد تحرر فعلا من سطوة التنظيم ومن حصار القيادات المتشددة؟.

9