حمادي صمّود: النقد العربي الحديث ليس منفصلا عن أصوله القديمة

الباحث والناقد التونسي يؤكد على فقدان النقد الثقافي الرصين ويستغرب المحاكمات التي تقام في الكثير من الدول العربية للتيارات الفكرية الهامة.
الأحد 2018/07/29
حمادي صمود: الموروث النقدي حاضر في التجربة العربية الحديثة

اشتغل الباحث والناقد التونسي حمّادي صمود على ميدان الخطاب، وتحليله قادما إليه من النظرية البلاغية القديمة، حيث عمل على البلاغة العربية، وقبلها البلاغة اللاتينية واليونانية، لينتقل إلى تحليل الخطاب، والعلاقة بين الحياة والنص، وقدم في هذا الميدان أعمالا عدة، ثم انطلاقا من إيمانه بضرورة خدمة اللغة العربية، اشتغل مع أستاذه عبدالقادر المهيري على أمهات الكتب اللغوية في الترجمة، فقاما بترجمة معجمين كبيرين جدا يبلغ تعداد صفحات الواحد منهما 1500 صفحة تقريبا، وهما من أهم المعاجم الآن بالفرنسية في قضايا اللغة، وقضايا الميادين التي تستعمل فيها، المعجم الأول “معجم تحليل الخطاب”، والثاني “المعجم الموسوعي الجديد في علوم اللغة”. وهما مساهمة لصياغة هذه العلوم باللغة العربية، وتقديمها للقارئ وخاصة القارئ الذي لا يحسن الفرنسية.

يعمل الناقد صمود حاليا على مشروع كبير مسجل في المجمع التونسي “بيت الحكمة” عنوانه “صورة المجتمع في كتب أخبار الأدب إلى القرن الرابع الهجري”، مؤكدا أنه يحاول فيه الكشف عن الجانب الذي لم نتعود على رؤيته في حياتنا العربية، وهو كيف كان الناس يحيون إلى جانب النص، هناك النص، وهناك الحياة، كيف كانت العلاقة بين النص والحياة؟ الناس في كتب أخبار الأدب كيف يعيشون يومهم؟ إنني أسعى لاستخراج الصورة التي كانت عليها حياتهم في ذلك الوقت.

حاز صمود على جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في دورتها الخامسة عشرة (2016-2017) حقل الدراسات الأدبية والنقد، ووفقا للجنة التحكيم “تقديرا لجهده في إثراء النقد العربي الحديث، حيث قدّم أفكارا ومعالجات جديدة في التراث البلاغي العربي، فهو من القلائل الذين تتوافر في منتجهم المعرفي درجة عالية من العمق والتمحيص، وتأصيل المكتسبات المعرفية الإنسانية في الثقافة العربية”.

لا قطع مع الموروث

انطلاقا من رؤيته لمشهد النقد العربي كان الحوار مع حمادي صمود الذي قال إن النقد العربي له ملامح خاصة به، باعتباره يمتد إلى أو ينطلق من كما نريد إلى النقد العربي القديم، المشهد النقدي الآن، مهما كانت التغيرات التي تحدث أو حدثت فيه، ومهما كان التطعيم الذي يمكن أن يمارس، فالنقد العربي أولا يأتي من النظرية العربية القديمة للأدب، ومن الأطروحات الكبرى التي طرحها النقاد العرب عندما مارسوا نصوصهم، فنحن نمارس هذا النقد باعتبار استحضار أهم ما في هذا النقد القديم من قضايا بعضها لافت جدا، وبعضها مواقف في فهم الشعر، وتحديد دواعي المزية في الشعر والنثر، حتى وصل الأمر إلى النص القرآني.

المعرفة ليس بها استحواذ ولا سيطرة، المعرفة هي منتوج فكر عالمي نحن جزء منه، ونحن مدعوون وبشكل أساسي إلى أن نكون في خضم هذه المعرفة

هذا كله أعطى ملامح لنظرية عربية قديمة متجذرة في التراث متعلقة بالنص، هذا النص العابر للأزمنة والأمكنة، باعتبار أنه نص شعري، والنقد العربي اليوم مهما كان اعتماده أو اطلاعه على المعرفة الحديثة في النقد والاتجاهات والتطورات الحديثة، فلا بد أنه يستحضر هذا الموروث، ويستحضر ما فيه من مواقف مهمة، والملمح الأساسي أنه لا قطع بين الموروث النقدي القديم والموروث اليوم، بل هو امتداد ومحاولة لجعل النقد العربي القديم بما يكتسب طرقا في القراءة الجديدة، جعله النقد قادرا على أن يقرأ النصوص الحديثة، وأن يساهم في الحوار الدائر الآن في القضايا النقدية، حيث أن النقد العربي اليوم عند أي ناقد من النقاد ليس منفصلا عن الجذور النقدية عن العربية القديمة.

التواصل مع العالم

يرفض صمود أن تكون حركة النقد العربي قد استحوذت عليها المدارس والتيارات النقدية الغربية، وأضاف “المعرفة ليس بها استحواذ ولا سيطرة، المعرفة هي منتوج فكر عالمي نحن جزء منه، ونحن مدعوون وبشكل أساسي إلى أن نكون في خضم هذه المعرفة، والاطلاع على هذه الأمور وحزقها وتبين أصولها ومنطلقاتها وغايتها، هو أمر نحن مندوبون إليه. الاطلاع ضروري، لا يمكن للإنسان أن يعيش الآن دون الاطلاع على ما يجري في العالم من تطورات ونظريات تغذي المعرفة. بقي أن تكون هناك استعمالات مدرسية لمثل هذه الأمور، وهذا لا يحسب على النقد، هذا ليس نقدا، الإنسان الذي يبقى في ظاهر النظرية، ويحاول أن يُجريها على النص العربي مهما كانت ودون ترو أو احترام الممكنات الموجودة في النص التي لا تحمل ذلك، فهذا لا يعتبر ناقدا، الناقد مبدئيا يجب أن يكون متجذرا في التراث وعارفا به، مدركا لما يؤسسه من ناحية الرؤية، ومن ناحية المنطلقات المعرفية، علينا ألا نحسب من النقد ما ليس من النقد، هناك صحيح طفرات، وهناك محاكاة سخيفة وبسيطة، ولكن هذا لا يدعونا إلى أن نجعل الاطلاع على الفكر الآخر وعلى ما يدور في العالم من المعرفة استحواذا، ليس استحواذا. نحن مدعوون، وبإلحاح، إلى أن نكون على علم بما يجري في الكون، كل واحد منا في اختصاصه، كل واحد مدعو إلى ألا يركن ولا يرتاح أو يطمئن إلى بعض ما تحصل عليه من علوم، لعلها إن تثبت منها وجدها في حاجة إلى تعهد أو في حاجة إلى تطوير”.

نص على نص

رأى صمود أن مشكلة النقد العربي في علم القيمة، علم المزية، وقال “كان النقد العربي القديم يسعى إلى إبراز مزية نص على نص وتفوق نص على نص، وما الذي يجعل من نص معين نصا أدبيا؟ المسألة مسألة القيمة، أين مكمن القيمة؟.. هل القيمة في قدرة الكاتب، وبالتالي الكاتب الذي يملك القيمة في نصه هو من يسيطر على اللغة وله معرفة بالآداب، وفي ذهنه القوالب الأساسية التي على أساسها يمكن أن يكتب الأدب، أم أن القيمة في السياق، أم أن القيمة في القارئ؟ إن التطورات التي حدثت في العالم كله من بداية القرن الماضي إلى اليوم، لا تعدو أن تكون في مثلث أو بنية ثلاثية الأضلاع. المرحلة الأولى عشنا ردها من الزمن على أن النص ملك لصاحبه يضع ما يريد ويوجهه الوجهة التي يريد، ويخدم به ـ إذن ـ أغراضه، باعتبار أن النص مرآة تنعكس عليها حياته ونفسيته، عشنا على ذلك زمنا طويلا، وكان النقد يبحث من ناحية النص ـ زمنا طويلا ـ عن نفسية الكاتب وعن الأوهام التي تعيش في ذهنه.. إلخ، إذ النص هنا مرآة الكاتب”.

ينقصنا أن يكون النقد رديف العلم
ينقصنا أن يكون النقد رديف العلم

المرحلة الثانية هي أنه وقع الانتباه إلى أن اللغة رغم كل شيء مستقلة عن كاتبها، وأن للغة ذاكرة، وأن اللغة لا تقول ما يريد مستعملها أن يُقوّلها، بل تقول ما يريد أن يقول ولكنها تقول ما تريد هي قوله، ولا يعرفه هو نفسه، وأن اللغة لها استقلال عن الكاتب وأنها عالم وبنية ولها علاقات تربط بين أجزائها ولها تاريخ وسياقات نزلت بها ولها ذاكرة، وأصبحت ـ إذن ـ قادرة على أن تقول على لسان الكاتب ما لم يخطر بباله، وهنا كان الاهتمام بالنص، ليصبح أهم من صاحبه.

المرحلة الثالثة هي تلك التي جاءت مع جماليات التلقي والمدرسة الألمانية، وهانس روبيرت ياوس وأصحابه لهم فضل كبير، حيث أن المعنى والقيمة في الحوار الذي ينشأ بين النص المكتوب وبين النص الذي في ذهن القارئ، وبين شبكة القراءة التي يمتلكها القارئ. هذه تطورات كبرى، في النظرية ومحاولة تحديد مكمن القيمة، ومكمن المعنى، ومن الذي ينتج المعنى، ومن هو القادر على الوقوف على المعنى.. إلخ. هذه الأشياء ليست أجنبية ولا عربية، هي مخاض متأت نشأ عن تفكير الإنسان المستمر في ما يصنع في اللغة وباللغة.

النقد والعلم

يشير صمود إلى استغرابه للمحاكمات التي تقام في الكثير من الدول العربية للتيارات الفكرية الهامة، محاكمات ساذجة قام بها بعض ممن لا يعرفون الأصول. الحقيقة أن كلمة نقد الآن عندنا تطلق على كل من هب ودب، كل من كتب نصا عن نص أصبح ناقدا، كل من أرسل فكرة في ما يخص كتاب سمي ناقدا. إن النقد في أصل معناه خبرة لأن “نقر ونقد”، والنقد هو تمييز الغش من الصالح، والكلمة في أصلها لـ”الصكة” أي الفلوس، كانوا يميزون بين الدينار الصالح والدينار المغشوش.. والعصفور ينقر الثمرة ليرى إن كان أصبح بالإمكان استغلالها أم لا. إن عملية النقد هي عملية تثبت وتدقيق ومعرفة، وليست هكذا الآن، نحن الآن في بلداننا لدينا القدرة على إنتاج النقاد بالآلاف، ليسوا نقادا هؤلاء الذين يشتغلون على السماع عن المذهب البنيوي ثم يخطون في ما يخص قصيدة أو نص سردي كلاما فارغا.. هذا لا يعد نقدا.

الذي يدرس المعرفة يجب أن يكون ملما بها إلماما يجعله قادرا على أن يوصلها للناس كما هي في مصادرها، لا أن تكون معرفة مبتثرة

وأكد صمود أن قوله هذا يسري على المشهد النقدي التونسي، كما يسري على المشهد العربي النقدي وأشار إلى أن مشهد النقد العربي ينقصه أمر أساسي، هو أن يكون النقد رديف العلم. إن المعرفة الأدبية ليست هينة، لكن للأسف نحن نستهين بها ونعتبر أن الأدب ـ سامحني نقول بالتونسية “البهيم القصير يستطيع كل إنسان أن يركبه” ـ لا يستطيع كل إنسان أن يركبه، الأدب معرفة وخبرة وتعمق في الأشياء واكتشاف لها، وكونه لا ينطوي على معادلات رياضية أو فيزيائية، فلا يعني هذا أن كل إنسان يستطيع أن يتكلم فيه، ولكن عندنا في العالم العربي، كل إنسان يستطيع أن يتحدث في الشعر والقصة والرواية والنقد، بينما الأمر اختصاص، اختصاص ربما استدعى من صاحبه خبرة ومعرفة أكثر مما تستدعيه بعض الاختصاصات الأخرى.

النقد الثقافي

يلفت صمود إلى أننا نفتقر إلى نقد ثقافي رصين، ومتابعة لكل ما ينشر، متابعة يومية، وهذا مجاله الصفحات الأدبية في الصحف، وأن يقوم به أناس متخصصون. عندما تعيش في الغرب، تقرأ أحيانا في جريدة كجريدة لوموند، مرة في الأسبوع أربع صفحات أو أكثر لعالم الكتب، جريدة لوموند تستدعي لذلك كبار القوم من مختصين عارفين حتى يقدموا لهذا الكتاب أو ذاك سواء في الفلسفة أو الرواية أو الشعر أو النقد أو الفكر.. إلخ تقديما معرفيا، وهذا ما لا نجده في ما ينشر في صحفنا، وهو ما يسمى بالنقد الثقافي.

إن النقد الصحافي الذي يعلم الناس وينشر بينهم الوعي والمعرفة وينبههم إلى الجيد من الكتب ويحذرهم من الرديء، ليس عندنا، وإذا وجد فهو أقل من القليل. إن النقد الثقافي هو ما يتابع الإصدارات بقراءتها قراءة جدية ليست عاجلة تقف عند صفحة من الأول وصفحة من الآخر، ويبدي فيها رأيه. عندما تفتح الصحف عندنا من حين إلى حين تجد شيئا، لكن في الغالب هذا الذي ينقصه.

نحن والمعرفة

حول مطالبته أن تستعيد الجامعة العربية المعرفة استعادة دقيقة قال “إنني أطمح وأريد لأمتنا وجامعتنا وشبابنا أن يلتحقوا بالأفق أو بالمدار الذي يصبحون فيه قادرين على إنتاج المعرفة، لأن إنتاج المعرفة هو طريق الحرية والاستقلال وتطور اللغة، اللغة لا تتطور، ولا يصبح لها بين اللغات شأن كبير إلا إذا انتقلت من فترة النقل والحكاية إلى فترة فرض لما أنتجه أهلها من المصنوعات والمعلومات، لأنهم سيصنعونها ويضعونها بالعربية، في غياب هذا ـ وهو في الحقيقة غائب ـ نحن لسنا في مرحلة إنتاج المعرفة بصفة عامة. على الأقل أضعف الإيمان ـ وهذا أيضا غير متوافر غالبا ـ أن الذي يدرس المعرفة يجب أن يكون ملما بها إلماما يجعله قادرا على أن يوصلها للناس كما هي في مصادرها، لا أن تكون معرفة مبتثرة، معرفة محولة، معرفة قائمة على سوء الفهم، والكثير من الناس يحدثك عن أشياء وهو لا يفهمها على وجهها الحقيقي. في هذا المجال، على الأقل تحدثت عن استعادة المعرفة استعادة صحيحة في غياب إنتاج المعرفة، حتى يمن الله علينا في يوم من الأيام بأن نصبح منتجي معرفة”.

12