حمادي كيروم: الأصل في السينما الشعر لا الحكي لكن هوليوود زوّرت ذلك

الباحث السينمائي المغربي يرى أن السينما حلم جماعي داخل مغارة أفلاطون القديمة.
الأحد 2020/11/22
السينما ليست قصة فقط

للسينما فعل إنساني إبداعي يتجاوز ما تعرفه العامة عنه، ففي عمقها رؤية واسعة الطيف لمكنون الإنسان، بآلامه وأحلامه ومصائر حياته. وقد كانت عبر تاريخها أداة بيد بعض المبدعين الذين وعوا أهميتها وقدموها بمنظور فلسفي عميق تجلى في العديد من الأعمال الخالدة التي حفظها وجدان المشاهدين. حمادي كيروم باحث وناقد سينمائي مغربي من هؤلاء، يرى السينما بمنظور مختلف.

ليس كل فيلم هو سينما بالضرورة، ذلك أن للسينما شكلا خاصا يجب أن تتأطر به حتى تكون كذلك، وتتجاوز البعد التسلوي المحض. سابقا تحدث إرنست فيشر عن ضرورة الفن، ويؤكد منظرو علم الجمال والفن السينمائي على أن السينما رؤية واسعة للحياة، وليست مجرد عكس زمن محدد ضمن إطار فيلم لا يحقق شكلانيتها ومضمونها.

هذا ما يتبناه حمادي كيروم الناقد والباحث السينمائي المغربي الذي يراهن على دور السينما ووظيفتها في الحياة، فأستاذ مادة السينما في جامعات الرباط يحاول التأكيد على أن السينما هي الفن الذي سيصنع المستقبل أو الزمن الآتي.

السينما – توغرافية

يرى كيروم أن الإنسان خلق ليحكي ويتفاعل مع محيطه من خلال الحكي، الذي يتشكل في العديد من الأنماط الإبداعية منها الرواية وأيضا السينما، وعن العلاقة بينهما وكيف يتحول الحكي الروائي إلى حكي فيلمي ألف كتابه الشهير “الاقتباس من المحكي الروائي إلى المحكي الفيلمي” الذي صدر عام 2005 ضمن سلسلة الفن السابع التي تصدرها وزارة الثقافة السورية – المؤسسة العامة للسينما. وفيه بحث عميق لتجربة روائية وسينمائية عربية هامة تمثلت في اقتباس السينما المصرية لرواية الكاتب نجيب محفوظ “بداية ونهاية” إلى السينما التي قدمت من خلال المخرج الكبير صلاح أبوسيف.

يرى حمادي كيروم أنه لا بد من الحكي كفعل بشري يقوم به الإنسان لكي يتطور في حياته الإبداعية وأنه، أي الحكي، يقدم تقاطعا ضروريا في التفاعل ما بين الرواية والسينما، ويقول “الفن جاء مع الإنسان وأهم هذه الفنون هو الحكي، وما قام به الإنسان خلال مسيرته الطويلة هو تطور أسلوبه في الحكي. والإنسان كائن حكاء، فعندما يجتمع أحد مع آخر تكون لديه الرغبة في الحكي. فهو يتفاعل مع غيره ومحيطه وربما يحكي الإنسان عن نفسه لنفسه”.

ويضيف “اختياري للاقتباس من المحكي الروائي للمحكي الفيلمي كان ضمن إطار محاولة أردت فيها المقارنة بين العمل الروائي والسينمائي. من حيث الكينونة الأعمق، والتي لا يمكن المقارنة بينهما بسهولة، لأن هناك وسائل مختلفة لكل منهما عن الآخر. ذلك أن الروائي يعتمد على اللغة والكلمة والمعجم بينما السينمائي يعتمد على اللقطة والصورة والسيميائية، لذلك ركزت على المحكي، الذي يمكن أن يكون مشتركا بين الروائي والسينمائي”.

نحن الآن منغمسون بسينما السرعة المعتمدة على المشاهدة الفردية والتقنية. في حين أن سينما تاركوفسكي تراجيدية

وحاول الناقد الانتقال للأدوات التي استعملها الروائي في إبداعه وكيف يمكن للسينما أن تستوعبها وتحولها إلى سينما. مع الحذر في هذا التناول من ضرورة الحفاظ على طبيعة الحالة الأدبية وحالتها الجمالية التي خرجت عليها أصلا من ناحية الفكر والحس وجمال اللغة. فهذه عناصر يجب الحفاظ عليها في التحول نحو السينمائي.

ومن خلال هذه العملية الإبداعية وصل إلى النظرية التي تختص بهذا الموضوع والمسماة بالسينما – توغرافية. ومن هنا وبعد قراءات كثيرة وعميقة استنتج كيروم أنه ليست كل النصوص أدبية، بل لا بد من توافر معايير ومقاييس محددة حتى تحقق هذه الشرطية. وبالتالي فإن هذه الشروط والمقاييس موجودة في السينما، لذلك سميت بالسينما – توغرافية. فهناك أفلام كثيرة، لكنها تبقى أفلاما فحسب، وما يجعل من الفيلم سينما هو السينما – توغرافية. هو التحويل اللغوي للسمعي البصري بضوابط معينة لكي يدخل في هذا الفيلم البصري الجديد. هذا اللامرئي الذي هو مضمون السينما، يوجد في الخطاب والإخراج وغالبا فإن الناس يرون القصة والحدوثة لكنهم لا يرون اللامرئي الذي يكمن خلفها وهي الدلالات والخيالات التي صنعتها الصورة وهي السينما في الحقيقة.

وعن كتابه الشهير الاقتباس بين المحكي الروائي والمحكي الفيلمي يضيف حمادي كيروم “أردت من خلال تأليف هذا الكتاب لفت النظر إلى الطريقة التي نتحدث بها في العالم العربي عن السينما. فبعد زمن طويل قضيته في السينما كتابة ونقدا وأحيانا إخراجا وجدت أن معظم ما يكتب هو عن السينما ويكون خارجيا بحتا. لذلك اقترحت أن يكون الخطاب مع السينما، أي التفاعل مع السينما من داخلها ومن داخل لغتها”.

ويتابع “لو اعتبرنا أن الرواية تعبر عن صرخة الألم والواقع السياسي فالسينما هي نوع من التدخل في هذا المشترك الحسي ليكشف البنيوية في السينما وجعلها محسوسة. فالسينما جهد جماعي، ونحن نحتاج إلى فرجة جماعية والسينما تبنى على النحن الجماعية، وهي فعل تمرد، وأرى أن العلاقة بين السينما والرواية ضرورية لأن مهمة السينما والفنون بشكل عام هي أن تخلق شعبا سوف يأتي. فالفن يجب أن يفكر بهذه الطريقة وهذا الفن الذي يخاطب الشباب يجب ألا يعلمهم ماذا عندنا نحن كبار السن بل أن يعلمهم ماذا سيكون وماذا سيأتي، فالسينما هي التي تخلق هذا المشترك الحسيّ الذي يتعاطى مع الواقع السياسي والاجتماعي وغيره”.

الأصل هو الشعر

حمادي كيروم: السينما ولدت لتزيل عن عقولنا الغبار وتعيد إلى الحياة روحها الأصلية وما أحوجنا في الشرق إلى سينما تشبهنا
حمادي كيروم: السينما ولدت لتزيل عن عقولنا الغبار وتعيد إلى الحياة روحها الأصلية وما أحوجنا في الشرق إلى سينما تشبهنا

عن العلاقة التي تربط بين المؤلف الروائي والسينمائي يرى حمادي كيروم أن الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز سبق وأن طرح سؤالا كبيرا في الثمانينات عن أزمة الفلسفة وأزمة السينما، وتطرق إلى ظاهرة غريبة. وهي كيف اقتبس كيروساوا الياباني أعمال دوستويفسكي وشكسبير وما الذي يجمع بين ياباني وسوفييتي أو إنجليزي قديم. والجواب كان واحدا. وهو أن كيروساوا وجد عند دوستويفسكي وشكسبير فكرة سينمائية، كتلة حركية زمنية دائمة كما يسميها هو.

ويتابع “عندما اشتغلت على بداية ونهاية عند نجيب محفوظ وصلاح أبوسيف وجدت أن أبوسيف وجد عند محفوظ هذه الكتلة الحركية، الديمومة أو الفكرة السينمائية. وأوجد لها موازيات بصرية وزمنية وصورية وتجاوزها أحيانا، حين عرضها على ملايين من الناس من خلال السينما. فالعمل فيه الواقعية الاشتراكية وكذلك الواقعية الجديدة الإيطالية والموجة الفرنسية الجديدة، الفيلم يحتوي على النظرية السينمائية التي من دونها سيكون فيلما ضعيفا. لذلك كان الفيلم قويا وربما أكثر من قوة الرواية ذاتها”.

تربط حمادي كيروم علاقة روحية خاصة بالمخرج السوفييتي المنظر أندريه تاركوفسكي، الذي يمتلك أبجدية خاصة في فهم السينما، قدمها من خلال الشعرية التي عمل عليها ونظّر لها في أعماله وأبحاثه.

يقول كيروم في ذلك “أنا لا أكون مسرورا إلا عندما أكون أمام الله وأبنائي وتاركوفسكي، الذي ظل يحلم بسرقة خزانة العجوز لكنه كان يحتاج شريكا مثل دوستويفسكي، استطاع أن يطوع الواقع بأسلوبه الشعري والذي جعله يحفز الوجود للانفتاح، فأفلامه لا يمكن أن نفهمها لأنه لا يطلب منا الفهم، ولكنه يطلب منا النظر أو التمنظر أو استعمال الحواس للتمتع برؤية الواقع من زاوية مختلفة هي الزاوية الشعرية. وكثير من الناس فهموا لغة الشعر عنده بشكل خاطئ. فقد قال: المقصود بالشعر في أفلامي ليس الجنس الأدبي إنما الرؤية الشعرية للعالم”.

ويضيف الناقد المغربي “هي طريقة خاصة لمقاربة الواقع وتصبح أحيانا فلسفة توجه حياة الإنسان إلى آخر أيامه. تملأ الإنسان بشحنة عاطفية تتجاوز المنطق الخطي للحياة وتعطيها بعدا شعريا عميقا، فأفلامه لا تفهم بالمنطق السردي والحكائي بل بمفهوم المنطق الشعري، وهو يكره البلاغة والمحسنات الصورية ويقول إن الواقع بليغ بحد ذاته، وينبغي فقط أن ندقق رؤيتنا إليه وننظر إليه من زوايا مختلفة”.

ويلفت كيروم إلى أن الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا صاحب كتاب الأخلاق يقول “لا ينبغي أن نبحث عن الله في السماء والأرض أو في أي مكان آخر، لأن الله هنا والآن ولا ينبغي أن نبحث عن الإيمان لأنه شق وشرك، لأن الله موجود قبل الإيمان”. ويقر بأن هذا الإحساس الديني والفلسفي بالعالم هو ما يحاول أن يقدمه تاركوفسكي في أعماله. مشيرا إلى أن عبقريته كانت في تطويع رؤيته السينمائية لتحمل كل هذا.

فعند متابعتنا مثلا لأول جزء من فيلم القربان الذي يمتد على تسع دقائق تقريبا نجد أنه خالف نظرية معلمه في المونتاج إيزنشتين وهي التي تعطي للمونتاج ملوكيته، فتركها وخلق مونتاجا مختلفا تماما لأنه وجد أنه يتعامل مع السينما بشكل خارجي وأنه يقطع الزمن ولا يأخذ من الحياة إلا شكلها الخارجي وقال إن الحياة هي ديمومة مستمرة، واكتشف نظرية هامة جدا في ذلك وأن النظرة إلى الحياة فيها ديمومة ووصل إلى المونتاج الأركيولوجي، لأن الحياة مؤلفة من منابع زمنية فكانت صورته غير مملة كما تعرفها العامة لكنها متمهلة وهو زمن الديمومة في الحياة.

ويقر كيروم أن “سينما تاركوفسكي لا يمكن أن يتجاوزها أحد. نحن الآن منغمسون بسينما السرعة المعتمدة على المشاهدة الفردية والتقنية. في حين أن سينما تاركوفسكي هي تراجيديا للعالم. فهي تحتفي بالإنسان، فالكينونة البشرية هي أكثر ممّا نراه، هي ليست سينما دينية لكنها سينما روحية، العقل ورّط الحياة البشرية وسار بها إلى الهاوية لذلك كانت سينما تاركوفسكي وتيرانس ماليك ومحمد ملص وعبداللطيف عبدالحميد وغيرهم، لكي تزيل عن عقولنا هذا الغبار وتعيد للحياة روحها الأصلية وما أحوجنا في الشرق إلى سينما تشبهنا، بأن نذهب إلى الشرق فينا، كما فعل نيتشه عندما أراد أن يصنع انقلابا فكريا عاد إلى الشرق وإلى زرادشت. الأصل في السينما الشعر وليس الحكي، هوليوود هي التي زوّرت هذا التيار الفني العظيم. تاركوفسكي استطاع أن ينحت الزمن وأن يقبض على الحياة ويعرضها متى شاء”.

حلم جماعي

أفلام تاراكوفسكي تراجيديا شعرية لن تتكرر
أفلام تاراكوفسكي تراجيديا شعرية لن تتكرر

لم تقف جهود حمادي كيروم في فن السينما عند حدود البحث والنقد، بل تجاوزها إلى برمجة العروض السينمائية وتأسيس المهرجانات، فهو من أسس لمهرجان سينما المؤلف الذي يعقد في مدينة الرباط سنويا ويرى في ذلك تجربة متفردة لتكريس سينما المؤلف التي تهتم بالإنسان.

يقول كيروم “أسست عام 1995 المهرجان الدولي لسينما المؤلف بالرباط. وكنت حينها رئيسا لنادي العمل السينمائي بالدار البيضاء، وكنا لا نقدم فيه إلا هذا النوع من الأفلام الجريئة فكريا والتي تدفع بالمتلقي إلى التفكير والمناقشة وتحصنه ضد الميوعة التجارية والتسلوية الموجودة في بعض السينما والتي لا تفيد، وبحكم أننا في العالم العربي لا نملك المال الوفير لإنتاج السينما بوفرة على هذا الشكل باستثناء مصر، فإن منتجنا من السينما يجب أن يكون محققا لهذه الشرطية”.

ويضيف “السينما التجارية في معظمها لا تتوافق مع النقاد والفلاسفة لأنها تقدم التسلية فحسب، وعن طريقها تتكون سلطة بيد منتجيها تتمثل في استلاب هؤلاء، عن طريق إيجاد ما يجعلهم تحت نير تأجيج النوازع الإنسانية البدائية عندهم. هنا ستكون سينما المؤلف هي المضادة لكل هذا. باعتبارها سينما النظر والرؤية فيصبح النظر فعلا وليس فرجة”.

 ويشدد على أن المشاهد يصبح شاهدا وهنا ينشأ التمنظر وهو الذي يأتي بديلا للقصة والحدوثة، فسينما المؤلف هي معاصرة اختزالية تجعل المشهد مكتفيا بالضروري. وتحوّل الشاهد وليس المشاهد إلى متفاعل لا يقوم على انتظار ماذا سيأتي بعد هذه اللقطة بل تصبح لديه الخبرة ليعرف ماذا يكون في هذه اللقطة. فننتقل من سينما الثرثرة إلى سينما الصمت بالمعنى الجمالي والفكري والتأملي وبهذا لا يمكن لسينما المؤلف أن تموت أو تختفي. لأنها علاقة بين مخرج له رؤية في العالم يريد أن يتشارك بها مع المشاهد من دون وعظ وإرشاد.

 ويتابع “هنالك شرّ خطير بأن يكون المرء متفرجا فقط، لأنها ستؤدي إلى عملية الاستيلاء على ذهن المشاهد، والتي توفر لها شركات الإنتاج الحديثة كل وسائل الإبهار والتقنية. المعلم الجاهل هو الذي لا يعرف ما يجهله، والمشكلة في أنه لا يعرف كيف يعرف أنه لا يعرف. من هنا تصبح التربية الفنية في المؤسسات التعليمية ضرورة بالغة، فسينما المؤلف هي سينما مقاوِمة ومقاوَمة لأنها تسعى إلى تغيير العقليات وحراسة الذوق الجمالي، وهي سينما الشعب الذي سيأتي.

 ويشدد على أن هذه السينما تغير أنماط الإدراك الحسي من خلال بناء علاقات مغايرة بين الواقع والخيال الظاهر والمرئي واللامرئي والحقيقة والزيف بل إنها تبحث عن الحقيقة الجمالية التي تتجاوز ثنائية الخير والشر، وهي الوحيدة التي تقدر على تبرير وجود العالم على أسس جمالية ويمكن أن تكون حاضنا للتراجيدي الجمعي لكل الناس وتجعل من كل لحظة نعيشها جديرة بالعيش والانتشاء وهي تحترم الإنسان وتحتضنه.

وعن تحول بعض المهرجانات نحو الصيغة الافتراضية من خلال شبكات التواصل الاجتماعي فإن كيروم يرى أن المهرجان السينمائي طقس للاحتفال بالسينما والتقاء الناس والتعرف عليهم وتقاسم السينما معهم. وتحويل المهرجانات إلى تظاهرات رقمية ضرورة، ولكنها سيئة، تحول السينما إلى حضور فردي وهذا ما يخالف منطق السينما. ما يقدم الآن من مقتنيات حديثة تعزز الحالة الفردية الانعزالية في مشاهدة السينما وهي تقتل العلاقات الإنسانية، وهي لا تخدم السينما. أرى أن المهرجان إمّا أن يكون كما هو بصيغته التقليدية ومشاهدة السينما كحلم جماعي داخل مغارة أفلاطون القديمة وإمّا لا يكون.

15