حماس.. أوان الرحيل

الاثنين 2013/09/09

أن تعرف كيف تخسر في السياسة أهمّ بكثير من أن تعرف كيف تربح. المؤسف أن هناك من لا يعرف، لا كيف يربح ولا كيف يخسر. بين هؤلاء حركة «حماس» التي هي جزء لا يتجزّأ من تنظيم الإخوان المسلمين، خصوصا من إخوان مصر، والتي أقامت «إمارة طالبانية» في قطاع غزة.

هذه الحركة التي تعتبر نفسها إسلامية لم تفهم أن وقت الرحيل قد آن، وأنّ عليها إعادة غزّة إلى أهلها بعدما فشلت على كلّ الصعد. كان فشلها فلسطينيا أوّلا، إذ عمّقت الشرخ بين غزّة والضفة الغربية وساهمت إلى أبعد حدود ممكنة في خدمة المشروع الإسرائيلي الهادف إلى اختلاق الأعذار لتكريس الاحتلال لجزء من الضفة، بما في ذلك القدس الشرقية. أمّا على الصعيد الإقليمي، لم تفعل «حماس» شيئا سوى تحويل قطاع غزة قاعدة خلفية للقوى التي تريد السوء والأذى لمصر وللشعب المصري.

باتت مصر مضطرة للأسف الشديد لتدمير كل الأنفاق المستخدمة لتهريب البضائع إلى غزة. لم يكن أمام السلطات المصرية من خيار آخر بعدما وجدت أنّ الإرهاب في سيناء يجد من يدعمه انطلاقا من غزّة، وأنّ فوضى السلاح في القطاع تصبّ عمليا في خلق فوضى سلاح في سيناء. تستهدف هذه الفوضى ضرب الاستقرار في مصر خدمة لقوى أجنبية من بينها إيران الساعية إلى مدّ نفوذها في كلّ الاتجاهات.

هناك الآن في مصر نظام جديد يستند إلى شرعية شعبية وفّرتها له «ثورة الثلاثين من يونيو». هذا الحكم الجديد في مصر لا يمتلك أي عقدة من أي نوع، لا تجاه «حماس» ولا تجاه غيرها، كان كما كانت عليه الحال في عهد حسني مبارك.

كذلك، إن هذا الحكم الذي لا يريد إلا مصلحة مصر ولا يسعى سوى إلى حماية مصر ليس مستعدا للاستعانة بـ»حماس» من أجل التقرّب من اسرائيل والولايات المتحدة، كما ليس في حاجة إلى ذلك. لا يريد الحكم الجديد فعل ما فعله الإخوان المسلمون عندما تحكموا بمصير مصر طوال سنة كاملة كان فيها مرسي رئيسا للجمهورية. وقتذاك، كان مرسي يتبجح بأنه استطاع ضبط «حماس» ومنع أي حروب جديدة مع اسرائيل وذلك إرضاء لها وللإدارة الأميركية في الوقت ذاته.

نعم، آن أوان رحيل «حماس» وإعلان أنّها أفلست. أفلست الحركة لأنّه لم يكن لديها في يوم من الأيّام أي مشروع سياسي قابل للحياة. تسببت في حصار للقطاع بعدما عجزت عن فهم أن الانسحاب الاسرائيلي صيف 2005، أي قبل ثماني سنوات بالتمام والكامل، استهدف إيقاع الفلسطينيين في فخّ. بكلّ بساطة، وقع الفلسطينيون في الفخّ المطلوب أن يقعوا فيه. كان مطلوبا أن يكون الانسحاب كاملا من كلّ القطاع. هذا ما حصل بالفعل. وكان مطلوبا أن تعلن «حماس» أنها «حررت» غزة. وهذا ما حصل أيضا. وكان مطلوبا أن تعلن «حماس» أن الانسحاب من غزة بداية لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر ومن النهر إلى البحر بصفة كونها «وقفا إسلاميا». لم تخيّب «حماس» الآمال الاسرائيلية ونفّذت كل المطلوب منها كي يبقى القطاع تحت الحصار.

سقطت «حماس» ضحية الشعارات التي رفعتها. على رأسها شعار «المقاومة» الذي أرادت من خلاله تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني في غزّة وليس زوال الاحتلال عن الأراضي الفلسطينية.

عمّقت الشرخ الفلسطيني وفعلت كلّ ما تستطيع من أجل تعزيز وجهة النظر الاسرائيلية القائمة على نظرية أن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه. بدل أن تعلن «حماس»موافقتها على البرنامج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، إذ بها ترفض هذا البرنامج المقبول من المجتمع الدولي والمرفوض اسرائيليا. التقت «حماس» من حيث تدري مع اسرائيل بهدف ضرب المشروع الوطني الفلسطيني وإجهاضه. والحقيقة أن اسرائيل لم تبخل على «حماس» في شيء، بدليل أنها حافظت على قيادتها في حرب أواخر 2008 وبداية 2009 ولم تقض على القيادة بعدما اجتاحت القطاع وبلغت المكان الذي كان يختبئ فيه كبار الحمساويين. كان هذا المكان غرفة الأشعة في أحد المستشفيات. ترك الاسرائيليون هؤلاء وشأنهم. إنّهم عملة نادرة في خدمة الاحتلال.

كان في استطاعة «حماس» المساهمة في جعل غزّة نموذجا لما يمكن أن تكون عليه دولة فلسطينية مستقلّة ومسالمة. استجابت لكلّ الطموحات الاسرائيلية. لم تكتف بذلك. حوّلت غزة إلى سجن كبير ومنعت بالقوة في تشرين الثاني من العام الماضي الشعب الفلسطيني من إحياء ذكرى غياب ياسر عرفات الزعيم التاريخي لهذا الشعب.

فوق ذلك كلّه، شاركت «حماس» الإخوان المسلمين في خطف الثورة المصرية. وتلك الشعرة التي قصمت ظهر البعير. صارت امتدادا لما يدور في مصر. وهناك من يقول أن الإخوان في مصر لم يجدوا نموذجا يتبعونه غير نموذج غزّة، وهو فاشل وبائس في الوقت ذاته. وهذا ما لعب دورا مهمّا في تقصير عمر تجربتهم وفشلها.

بعد «ثورة الثلاثين من يونيو»، كشفت «حماس» عن وجهها الحقيقي. أصبحت جزءا من الثورة المضادة التي ركّزت على إلهاء الجيش المصري في سيناء بغية منعه من ممارسة واجباته الوطنية في القاهرة والمدن الكبرى تلبية لمطالب الشعب المصري.

طفح الكيل. هذا كلّ ما يمكن قوله. من النتائج الطبيعية للثورة المصرية، ثورة أخرى في غزّة تعيد القطاع إلى أهله من جهة وتعيد الحياة إلى طبيعتها فيه بعيدا عن التخلّف بكلّ أشكاله من جهة أخرى. فالفلسطينيون شعب عظيم. أوّل ما يرفضه هذا الشعب هو التعصّب والتزمّت والإرهاب.. أي يرفض «حماس» من منطلق أنّها لم تخدم يوما سوى الاحتلال الاسرائيلي من حيث تدري أو لا تدري، على حدّ تعبير السذّج. والأرجح أنها تدري، بل تدري أكثر من اللزوم.

* إعلامي لبناني

8