حماس الأيديولوجية.. وحماس الدبلوماسية

الاثنين 2016/12/12

غالبية الحركات والفصائل والقوى ذات التوجهات الإسلامية، تتسم بغلبة التوجهات الأيديولوجية والعقائدية على الدبلوماسية، حتى لو كانت الأخيرة لها نتائج إيجابية، ليست من قبيل التمسك بالثوابت والمبادئ، لكن من باب الحفاظ على جمهورها، الذي ينساق معظمه نحو العواطف التي تدغدغ مشاعره الدينية، والخطاب الذي يتصف بشعارات براقة، بصرف النظر عن المردود العملي لها.

الاتجاه الأيديولوجي، كان حتى وقت قريب، الأكثر شيوعا، عند غالبية الحركات الإسلامية، المتشددة أو حتى التي تدعي الاعتدال، وبعد الانتكاسات التي مُني بها أصحاب هذا التيار، بدأت بعض القوى تُغير من طريقة التعامل مع بعض القضايا المطروحة، بحكم التجربة والتطورات والتداعيات، وظهر ذلك في خطاب جماعة الإخوان المسلمين تحديدا، في كل من تونس والأردن ومصر، أملا في إعادة التسويق السياسي وتجاوز المرحلة الراهنة بكل تبعاتها السلبية، والاستعداد للتجاوب مع معطيات مرحلة جديدة، بخطاب قد يتواءم مع مفرداتها ومتطلباتها.

التطور الظاهر السابق، لم يكن بعيدا عن تفكير حركة حماس الفلسطينية، والتي لم تخف انتماءها لجماعة الإخوان، فقد بدأت استدارة سياسية كبيرة، تفوق ما عرف عنها من براغماتية، وما تتسم به الجماعة الأم من انتهازية، وأخذت تُنحّي، نسبيا، الجانب الأيديولوجي، اتساقا مع مقتضيات هذه المـرحلة الحـرجة، وفتحت نـوافذ تواصلها مع جهات عدة، بعضها وصل إلى حدّ التناقض.

إن منهج المصلحة أوصل حماس إلى الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع كل من تركيا وقطر، والسعي إلى تعزيز العلاقات مع مصر، التي تقف على طرفي نقيض مع كل من أنقرة والدوحة، بل الأدهى أن خيوطها امتدت لتشمل إسرائيل، وبدأت معها سرا وبطرق ملتوية سلسلة من المناقشات حول بعض القضايا والملفات المشتركة، ربما تتطور إلى ما يفوق الحاصل الآن، بمعنى الوصول إلى درجة قد لا تحتاج فيها إلى وسطاء أو إخفاء حوارات.

كما أن المنهج البراغماتي أوصل الحركة إلى الاحتفاظ بحرارة سياسية مع كل من السعودية وإيران في آن واحد، وإلى محاولة منح كل جهة ما تحتاجه من مآرب دون استغناء عن الجهة الأخرى. التمادي وصل إلى حدّ الانفتاح على حركة فتح، جناح الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن)، والمشاركة بفاعلية في المؤتمر السابع لفتح مؤخرا، دون التفريط في العلاقة الحميمية مع عدوه اللدود محمد دحلان، الذي جرى فصله من الحركة، وكان قبل سنوات قليلة أحد أشدّ خصوم حماس في قطاع غزة.

الجمع بين دوائر متناقضة، لم تفرضه فقط الطريقة الانتهازية التي درجت عليها هذه النوعية من التيارات الإسلامية، لكن السيولة التي تمرّ بها المنطقة لعبت أيضا دورا مهما في زيادة المعدلات عند الحركة، فمن الصعوبة معرفة نهايات بعض الأزمات في عدد من القضايا المحورية، وليس سهلا توقع توازنات القوى في المنطقة خلال المرحلة المقبلة، ومن الذي سوف تكون له الغلبة والتحكم في دفة الأمر والنهي؟

أضف إلى ذلك، طبيعة الصراع الواضح بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة وروسيا والصين)، وقدرة كل طرف على الإمساك بعدد من الأوراق، المركزية والهامشية، ودرجة التأثير في التحولات المنتظرة، كانت من بين العوامل التي دفعت حماس، إلى عدم التفريط في ما لديها من أوراق، كبيرة وصغيرة، والرغبة في ترسيخ منهج الخطوط المتوازية الذي مكنها، أحيانا، من أن تكون رقما في حوزة الجميع.

فهي تتجاوب مع تركيا وقطر، بما يوحي أنهما تمكنا من تدجينها، وسحبها بعيدا عن أرضية مصر، التي تلقت رسائل إيجابية أخيرا منها، وتغازل الرياض وطهران بما جعل كلّا منهما تعتقد أنها الأقرب إلى الحـركة، وتتفاعـل مع أبـومازن إلى الحد الـذي جعله يتصور أنـه نجح في إبعـادها عـن جناح دحلان، مع أنها لا تزال تتواصل معه. ربما تكون حركة حماس، قد نجحت في توصيل ما تريده من إشارات ورسائل إلى كل جهة، وتمكنت من الاحتفاظ بمسافة جيدة مع الجميع، بل توحي أنها قريبة منهم، لكن عليها ألا تتصور أن هؤلاء أصدقاء لها، فكل جهة أو دولة تملك من الأدوات ما يساعدها على فتح أبواب حماس بالطريقة التي تريدها، وإغلاقها أيضا في الوقت الذي تشاء.

وما يجري من انفتاح له قواعده ويؤدّي أهدافه، بمعنى أن الجميع يدرك طبيعة التموضع “الحمساوي” وظروفه وأسبابه ودوافعه ومصيره، وعلى الحركة أن تلغي من الحسابات قدرتها على خداع الجميع، فما حصـل من تفاهم أو تجاوب مع دوائر مختلفة ومتناقضة يحقق مصالح لحظية، فمثلا أبومازن بحاجة إليها ليعلن أنه منفتح على ألدّ خصومه، وتشدده مع حلفائه السابقين في الحركة يعود إلى أخطائهم، وليس إلى عجرفته أو محاولته الاستئثار بالحركة.

ويمكن القياس على ذلك في الحالات الأخرى، فكل من تركيا وقطر تتصور أنها وجهـت ضربة قوية إلى مصر من خلال القدرة على شدّ حماس نحوها، والقاهرة تعتقد أن عدم القطع مع الحركة، يحول دون ارتمائها تماما في أحضان أنقرة والدوحة، وهكـذا بالنسبة إلى كل من السعودية وإيران. وإذا كانت قيادة حماس ترى أنها تملك قدرا وفيرا من المناورة، والدليل جمع كل هؤلاء في سلة واحدة، ستكون مخطئة، لأن الفوضى الطاغية على المنطقة والانفلات الذي يعم أرجاءها مساهما بدور كبير في أن يكون عدد من القوى مع هذه الجهة ونقيضها، لن يدوما طويلا، وقد رأينا حالات كثيرة لدول تحافظ على علاقات جيدة مع النظام السوري ومعارضيه، بسبب التغيرات السريعة في المعادلات.

وبالتالي على حركة حماس، التي تريد الجمع بين مواقفها الأيديولوجية، وبراعتها الدبلوماسية، أن تدرك البعد المؤقت في هذا التوجه، والذي لن يستمر كثيرا، لأن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من الفرز وإعادة الترتيب، ومن الصعوبة أن تتماشى معه طريقة التحالفات والصداقات المتوازية، التي يبدو أن حماس لديها قناعة بإمكانية أن تدوم طويلا، في حين بدأت إحداثيات التطورات العسكرية تميل نحو خصومها الحقيقيين، وهو ما يفرض عليها الحسم وتحديد الخيارات، قبل أن يتم التعامل معها وفقا لجذورها العقائدية، وفي هذه الحالة سوف تخسر، على الأقل، نصف ما تعتقد أنهم أصدقاء.

كاتب مصري

9