حماس.. الانتهازية السياسية في نقطة الحرج المطلق

الأربعاء 2017/09/13

بعد مسلسل مستمر من السقوط، وصلت حركة حماس إلى نقطة الحرج المطلق، التي يستوجب عندها إجراء عملية مراجعة قيصرية لإنقاذ حياتها، وإنقاذ قطاع غزة وسكانه الذين ينهشهم الإحباط والفقر ويعيشون أوضاعا اجتماعية واقتصادية صعبة ستقود في النهاية إلى انفجار ستضرب شظاياه حماس في مقتل.

كان يمكن، في مفاصل معينة من مسيرة حماس، استثمار الصمود الفلسطيني المدهش لأهالي قطاع غزة أمام وحشية العدوان الإسرائيلي. لكن الحركة آثرت خطف البطولة الفلسطينية، التي هي تفاصيل العيش العادية لكل فلسطيني تحت الاحتلال.

وكانت سياسة حماس على الدوام تلميع ذاتها كـ”حركة مقاومة”، كما تحب تعريف نفسها، عبر تجيير تلك البطولات لنفسها بإسناد مموّل جيدا وبمنهجية ذكية من قطر وأجهزتها الإعلامية، التي تعرف تماما كيف توظف زاوية صغيرة من الصورة لتأخذ مساحة الصورة كلها.

أثبتت حماس بعد كل تلك السنوات الطويلة أنها صاحبة الرهانات الخاسرة في عالم السياسة. هذه ميزة لها سبقت انقلاباتها المتتابعة على الشرعية الفلسطينية لننتهي إلى فراغ سياسي يملؤه العبث.

راهنت حماس دوما على المال القطري فدفع قطاع غزة الثمن، وراهنت على مقام الباب العالي، فدفعت القضية الفلسطينية ثمنا باهظا يضاف إلى رصيد الخسائر المتتالية في حسابات القضية.

ورغم أن الحادثة الأخيرة في غزة والتي تتمثل في إقدام عنصرين من داعش ولاية سيناء بعمل انتحاري، يستهدف حاجزا لعناصر حماس تعتبر جريمة غير مسبوقة، إلا أن هذه الحادثة تنطوي على العديد من المؤشرات الخطيرة في المجتمع الفلسطيني.

عبأت حماس عناصرها بفكر إسلاموي وبمفهوم التحرير والقتال والتضحية بالنفس، دون أن تأخذ في الاعتبار كينونتها كحركة سياسية في الأساس، تتحمل مسؤولية خطابها التكفيري الذي أنتج سياسة لا علاقة لها بالشراكة ولا بالاعتراف بالآخر، ولا بقيم وآليات الديمقراطية.

لكن، مع ذلك يبدو اليوم أنه لا تزال أمام حماس فرصة ضئيلة لتصحيح المسار وأن تكون اسما على مسمى، حركة مقاومة. لكن عليها أن تقاوم أول ما تقاوم أوهام قوتها، وتدرك أن المقاومة في عالمنا الذي نعيشه لا تكمن في الرهان والمقامرة، بل في الحسابات الواعية الصحيحة التي تعطي الأولوية لحياة الناس والمقهورين والبسطاء في غزة أولا، ثم النهوض بمشروع وطني فلسطيني وحدوي، بقيادة فلسطينية تثبت يوما بعد يوم، رغم كل المال القطري المدفوع لشيطنتها، أنها الخيار الواقعي لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. حماس لديها فرصة للوصول إلى نقطة توقف نهائية في حرجها التاريخي المستمر، وتعود إلى طريق العمل النضالي الوطني الممنهج والمدروس بحسابات سياسية في سياق عمل سياسي وطني فلسطيني موحد، يقوده الوعي المدجج بالخبرة.

تأتي هذه الفرصة فيما مصر وحماس تضعان اللمسات الأخيرة على اتفاق لفتح معبر رفح جنوب غزة للسماح بدخول المساعدات للقطاع المتهالك ماديا، وكذلك للسماح للمزيد من مواطنيه بالسفر عبره.

يعتبر الاتفاق انعكاسا للتغييرات الديناميكية التي طرأت على المنطقة بعد مقاطعة الرباعي (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) لقطر، التي تعتبر من أكثر الدول دعما لحماس.

ربما يكون هذا الاتفاق بداية لعودة العلاقات المصرية الفلسطينية إلى سابق عهدها. على حماس أن تجري تبديلات جذرية وحقيقية في خطابها وفي تعبئتها الداخلية وفي رؤيتها وسلوكها الوطني العام وعلاقاتها وتحالفاتها.

تظهر فرصة أخرى مع التفاهمات التي توصّلت إليها قيادات من الحركة مع قائد التيار الإصلاحي في حركة فتح محمد دحلان. تشكل عودة دحلان، بدور رسمي أو غير رسمي، ضربة موجعة للرئيس الفلسطيني محمود عباس، لكنها، أيضا تعني بالنسبة لحماس جلب المساعدات الخارجية لإعادة إعمار القطاع بعد خفوت الدعم المالي القطري.

ربما تثبت التجربة العملية اليوم لحماس أن حسابات المصالح أكثر جدوى لغزة وأهلها من شعارات رنانة وجوفاء مبنية على تحالفات خاسرة لا رابح فيها إلا أصحاب الحظوة بإقامات خمس نجوم في الدوحة.

وتثبت سياسات التقارب الأخيرة مع القاهرة أن مصر عمق غزة الاستراتيجي، وأن دحلان ابن غزة، شخصية دولية ذات علاقات مؤثرة، سواء اختلفت معه أو اتفقت، فهو رقم صعب.

الأهم من ذلك أن ارتباطات دحلان في داخل غزة شعبيا لا تقل عن تشابكات حماس، وأن الرجل في النهاية، وعبر سنوات طويلة من العمل السياسي الدؤوب، صار شخصية سياسية دولية قادرة على صنع التأثير اللازم في العلاقات الدولية، تأثير لم يوفر دحلان جهدا لتجييره لصالح أهل غزة المقهورين والمحاصرين، وهو تأثير يفوق في حجمه كل دبلوماسية سلطة رام الله منتهية الصلاحية.

كاتب فلسطيني

6