حماس الشباب العربي للوطن يخفت على أعتاب المؤسسة العسكرية

أزمة الثقة بين الشباب والمؤسسات السياسية تنسحب على الخدمة الإلزامية، وعدم وعي الشباب بمفهوم الخدمة العسكرية وعدم إلمامه بمختلف أشكالها من أسباب العزوف.
الأحد 2018/11/25
واجب وطني لا يؤمن به الجميع

يختلف الشباب العربي في مواقفهم من الخدمة العسكرية الإلزامية، فبعضهم يعتبرها واجبا يمثل الولاء للوطن، في حين لا يدرك الكثير منهم جدوى هذه الإلزامية في وقت يحتاجون فيه لتأسيس حياتهم العملية أو متابعة دراستهم.

تونس - يتغنّى الشباب العربي بحب الوطن ورفع راياته والنضال من أجله، وكثيرا ما تنشب المعارك على مواقع التواصل الاجتماعي بين المتحمسين منهم لهذا التيار السياسي أو ذاك بدعوى أنه الأكثر وطنية ونضالا، وينسحب هذا التباين في الآراء على الخدمة العسكرية الإلزامية والموقف منها، واعتبارها اختبارا للواجب الوطني لدى البعض.

وازداد الجدل في السنوات الأخيرة مع ميل الحكومات إلى تشريع الخدمة الإلزامية في عدد من الدول العربية بهدف تأسيس جيوش مهنية، في فترة تشهد تقلّبات سياسية على المستويين الإقليمي والدولي، وآخر هذه الدول المغرب.

فقد أقرّت الحكومة المغربية في أغسطس الماضي مشروع قانون يعيد العمل بإلزامية الخدمة العسكرية التي ستسري لمدة سنة واحدة على كل مواطن، ذكرا كان أم أنثى، ويتراوح عمره بين 19 و25 عاما، بحسب ما أفاد الديوان الملكي. ويجب أن يصادق البرلمان على مشروع القانون ليصبح ساري المفعول.

وألغى المغرب في نهاية أغسطس 2006 إلزامية الخدمة العسكرية التي كانت تسري حصرا على الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و35 عاما. أما الإناث فكان بإمكانهن التطوّع لأداء هذه الخدمة إذا ما أردن ذلك، بشرط أن يكنّ عازبات ولا يُعلن أيّ أطفال.

وعلل البيان سبب إقرار مشروع القانون بأن “تطبيق الخدمة العسكرية يهدف إلى إذكاء روح الوطنية لدى الشباب، في إطار التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة. كما يفتح أمامهم فرص الاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية، وخاصة أولئك الذين يبرزون مؤهلاتهم ويتحلون بروح الوطنية والانضباط، لا سيما من خلال الانخراط في مختلف القوات العسكرية والأمنية”.

رهان الدولة المغربية على الخدمة العسكرية يتمثل في إصلاح ما أفسدته منظومة التربية والتعليم المختلة

ويثير مشروع القانون جدلا كبيرا في المجتمع، فيما تغلب على روّاد شبكات التواصل الاجتماعي آراء تشكك في مدى إمكانية تطبيق التجنيد الإلزامي على كافة المغاربة.

وقال الشاب حسن (19 سنة) إنّه “من الطبيعي أن نلتحق بالجيش. فمن الضروري أن ندافع عن بلادنا. سمعت أن الأمر متعب لكنني مستعد للدفاع عن وطني عند الحاجة”.

بينما قالت الطالبة الجامعية كنزة (19 سنة) والتي بدت أقلّ حماسا إن “الخدمة العسكرية أمر إيجابي في ظل الكثير من الانحرافات التي يعيشها الشباب”، لكنها تعتبر أنها “لا يجب أن تفرض على الجميع، خصوصا الذين يرغبون في متابعة دراستهم”.

وكانت مجموعة من الشباب المغاربة انضمت في تجمع أطلقوا عليه “التجمع المغربي ضد الخدمة العسكرية الإلزامية”، مطالبين البرلمان بالتصويت ضد مشروع قانون الخدمة.

وأطلق ناشطون رافضون للفكرة نقاشا في منتدى على موقع فيسبوك يشارك فيه أكثر من 3800 شخص. وقال المشرف على المنتدى والطالب الجامعي عبدالله عيد (24 عاما) “لاحظت أن الكثيرين صدموا مثلي بإعلان المشروع الذي نزل دون أي نقاش مسبق، لذلك خلقنا هذا الفضاء لتبادل الرأي حول ما يمكننا القيام به للترافع ضد إقراره”.

ويحدد مشروع القانون عقوبة بالسجن مدة تتراوح بين شهر واحد وسنة واحدة، للأشخاص الخاضعين للخدمة العسكرية الذين تستدعيهم السلطة المختصة بهدف تسجيلهم أو اختيارهم بشكل قبلي، ويمتنعون عن المثول أمام تلك السلطة، دون سبب وجيه، إضافة إلى غرامة تتراوح بين 200 و500 يورو.

ويورد النص حالات تستوجب الإعفاء من أدائها لدواع صحية أو لمتابعة الدراسة أو إعالة للأمهات المعيلات أطفالهن. لكنه لا يوضح كيفية تحديد عدد المكلّفين بها كل سنة، أو حجم التعويضات المخصصة لهم”.

6 بالمئة من النساء في تونس يقبلن على أداء الواجب العسكري
6 بالمئة من النساء في تونس يقبلن على أداء الواجب العسكري

ويرى أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الشؤون العسكرية محمد شقير أن “الإسراع بطرح هذا المشروع دون مقدمات جعل الرأي العام يرتاب منه”. ولا يستبعد أن يكون “اللجوء للخدمة العسكرية ناجما عن عدم الثقة في نجاعة جهود خلق فرص العمل، على المدى القصير”.

وصرّحت الحكومة المغربية أنها تعوّل على الخدمة العسكرية لتفتح أمام الشباب “فرص الاندماج في الحياة المهنية والاجتماعية، لا سيما من خلال الانخراط في مختلف القوات العسكرية والأمنية”.

ويعرب محمد (24 سنة) الذي يعمل مصوّرا فوتوغرافيا عن قناعته بتبرير الحكومة. ويوضح أنّه “لا شك أنها ستمنح الشباب تكوينا يحفزهم ويؤهلهم لدخول سوق العمل ويساعدهم على تطوير أنفسهم”.

وحذّر تقرير رسمي نشره المجلس الاقتصادي والاجتماعي من تفشّي البطالة وسط الشباب في الأجيال التي تتراوح بين 15 و34 سنة، التي بلغت 20 بالمئة، منبّها إلى أن 82 بالمئة منهم لا يمارسون أي نشاط، ويقضون 72 بالمئة من وقتهم في أنشطة “غير منتجة للرفاه الاجتماعي”.

ودعا تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي إلى إطلاق “مبادرة وطنية مندمجة” لصالح الشباب، مشيرا إلى “أزمة ثقة حقيقية بين الشباب والمؤسسات السياسية”.

وأضاف التقرير أنّ 46 بالمئة من المغاربة ولدوا بعد دخول الإنترنت إلى المملكة، أي بعد سنة 1993، محذّرا من أن الانفتاح اللامحدود على هذا الفضاء يجعل الشباب عرضة “لينهلوا من منظومة قيم تتجاوز الحدود المرسومة في النطاق العائلي”.

الخدمة العسكرية تمثل للبعض من الشباب التونسي معيارا للولاء للوطن، إلا أن ظاهرة العزوف عن هذا الواجب ازدادت مؤخرا

بينما يعتقد الباحث في علم اجتماع التربية عبداللطيف كداي، أن رهان الدولة على الخدمة العسكرية يتمثّل في “إصلاح ما أفسدته منظومة التربية والتعليم المختلة”.

ويؤكد كداي على أولوية التعليم، وإن كان مقتنعا أن “الخدمة العسكرية فكرة جيدة، لكن المطلوب تربية الشباب على تحمّل المسؤولية وخدمة المجتمع″.

ورأى أن هذا الهدف يمكن أن يتحقق من خلال “برامج للخدمة المدنية في المؤسسات التعليمية، الخدمة العسكرية في حد ذاتها لن تصلح ما أفسدته التربية”.

لكن بسمة (18 سنة) غير واثقة من جدوى الخدمة العسكرية في علاج أعطاب التربية لدى الشباب، إذ قالت “هذا البرنامج مُكلف بينما نحن بلد نامٍ يجب أن نوجّه مواردنا للتعليم”.

وأضافت “لدينا انحرافات عديدة وبطالة كبيرة لكن الحل في التعليم والخدمات الاجتماعية وليس بعسكرة الشباب، فهذا إجراء رجعي”.

وإذا كان الجدل محتدما في الدول التي مازال فيها سنّ قانون التجنيد الإلزامي قيد الدراسة، إلا أن دولا أخرى تشهد عزوف شبابها عن الاستجابة لقانون موجود أصلا مثل تونس.

التشجيع على الخدمة العسكرية بتشريعات تجذب الشباب
التشجيع على الخدمة العسكرية بتشريعات تجذب الشباب

وتمثّل الخدمة العسكرية للعديد من الشباب التونسي معيارا للولاء للوطن في ظل تحديات داخلية وخارجية تعيشها البلاد، إلا أن ظاهرة العزوف عن هذا الواجب ازدادت في السنوات الأخيرة.

وكشف عبدالكريم الزبيدي وزير الدفاع الوطني خلال جلسة في البرلمان أنه خلال عام 2017 لم يتقدم سوى 506 من الشباب من بين أكثر من 31 ألفا تم استدعاؤهم لأداء هذا الواجب أي بنسبة 1.65 بالمئة، فيما يبلغ عدد المعنيين بالخدمة العسكرية سنويا 60 ألف شاب.

وتوجد ملفات لنحو 200 ألف شاب لم يؤدوا الواجب العسكري لدى القضاء العسكري الذي طلب من وزارة الداخلية توجيه دعوات إلى هؤلاء الشباب لتسوية وضعياتهم.

كما تؤكد مصادر من المراكز المحلية للتجنيد والتعبئة ارتفاع نسبة العزوف عن الخدمة الوطنية في السنوات الأخيرة.

ويعود عزوف الشباب عن الخدمة الوطنية إلى أسباب عديدة منها عدم وعي الشباب بمفهوم هذه الخدمة. وعدم إلمامه بمختلف أشكالها.

وبيّنت وزارة الشباب الرياضة التونسية في دراسة مؤخرا، أن 7 شبان من 10 لا يرغبون في تأدية الواجب العسكري. ويرفض 64 في المئة من الشبان تأدية الخدمة العسكرية، في حين أن 32 في المئة مستعدون للقيام بها.

واعتبر رئيس جمعية إنصاف قدماء العسكريين محسن الميغري أن السبب الرئيسي للعزوف عن الخدمة العسكرية أن “الدولة لا تشجع على أداء الواجب الوطني، وهي أهم نقطة”.

وأضاف الميغري “يتمثّل التشجيع في العمل على عودة كل من يقوم بتأدية الواجب الوطني إلى عمله سواء في القطاع الخاص أو العمومي، كما كان يتم سابقا. فمع ارتفاع موجة البطالة، أصبح من يغيب يخسر عمله، باعتبار أن الدولة لا تضمن العودة للعمل.

تكوين وتأهيل المقبلين على أداء الخدمة العسكرية وإكسابهم مهارات مهنية
تكوين وتأهيل المقبلين على أداء الخدمة العسكرية وإكسابهم مهارات مهنية

أما النقطة الثانية، فهي عدم تحمّل الدولة لنفقات من يقوم بالخدمة العسكرية، ودعا إلى وضع مكافأة مالية تشجيعية محترمة للشباب. واعتبر أن المناخ العام بعد الثورة والتهديدات التي تواجه البلاد من إرهاب وغيره قد شكلا بصورة غير مباشرة نوعا من الحملات التوعوية لأداء الواجب الوطني، لكن لا بد من توعية إضافية، ولا بد من توعية الشباب بخطر الإرهاب والأخطار الأخرى التي تواجه الوطن.

كما أنه من الضروري أن تحسّن الدولة من رد فعلها وكفالتها لعائلات الشهداء والمتضررين في الحرب على الإرهاب، فالشاب التونسي يحب المؤسسة العسكرية لكن ينقصه التشجيع.

وترى لينا السوسي (25 عاما) أن “سبب هروب الشباب من التجنيد، هو الاستهانة بأهميته وهذا يعود إلى ضعف سياسة الدولة، كما أن التهاون في التجنيد واقتصاره على فئة معينة في حين أن البقية يتم إعفاؤهم دليل على عدم تقدير الدور العسكري من الدولة باعتبار أن تونس دولة مسالمة”.

ومع الارتفاع الكبير لعدد العازفين والهاربين من أداء الخدمة العسكرية، سارعت وزارة الدفاع التونسية إلى تعديل قانون الخدمة العسكرية على أملٍ منها في تقليص عزوف الشباب عنها، وربط القانون الجديد تأدية الخدمة العسكرية بالمستقبل المهني لكل شاب، فكل من يتقدّم متطوعًا حسب القانون الجديد، يتمتع بالأولوية في الحصول على عمل بالوظيفة الحكومية.

كما ينصّ مشروع القانون، على إلزامية تسوية الوضعية العسكرية إزاء الخدمة الوطنية لكل مترشح للانتخابات أو لوظيفة وحتى للعمل، أو التنصيب في القطاع الخاص. كما تضمّن مشروع القانون أيضًا مبدأ المساواة بين الجنسين من خلال رفع نسبة المجنّدات من النساء، في إطار الخدمة العسكرية.

وقال وزير الدفاع عبدالكريم الزبيدي: إن نسبة إقبال النساء على أداء الواجب العسكري تقدر بـ6 بالمئة من مجموع المؤدين لها، مشيرًا إلى أن تنفيذ هذا الإجراء يتطلّب تأهيل المنشآت العسكرية.

وأضاف الزبيدي أنّ مشروع القانون الجديد سيتيح تكوين وتأهيل من يقبلون على أداء هذه الخدمة، وإكسابهم مهارات مهنية، سواءً كانوا من الذكور أو الإناث.

19