"حماس" تحاول ترميم أوضاعها مع القاهرة

الاثنين 2014/09/01

الطريقة المسرحية التي احتفلت بها حماس بوقف إطلاق النار مع إسرائيل، في ظاهرها القوة والثقة والعظمة والانتشاء بالنصر، وفي باطنها الضعف والخوف والهوان والهزيمة، حيث حاولت الحركة وقياداتها، بالداخل والخارج، تسويق وقف النار في هذه اللحظة على أنه تفوق نوعي على غطرسة إسرائيل، لتجاهل آلاف الضحايا، وغض الطرف عن مغامرة حماس التي أودت بحياتهم، وعدم الإمعان في قبولها المبادرة المصرية، بعد سقوط كل هؤلاء الضحايا من المدنيين.

فقد كان من الممكن تجنب ذلك، سواء بعدم الإقدام على مغامرة أسر الجنود الإسرائيليين أصلا، وإعطاء قوات الاحتلال ذريعة للاعتداء على غزة في توقيت غير مناسب بالمرة، أو بالموافقة المبكرة على المبادرة المصرية، وحسن إدارة المعركة بطريقة دبلوماسية.

النقطة المهمة في تفاصيل مشهد الاحتفال، قيام الحركة بشكر مصر علنا على جهودها، وهي التي تعرضت لافتراءات من قيادات في حماس، وصلت إلى حد اتهامها بـ”التآمر عليها لصالح إسرائيل”، والأهم أن الشكر جاء موصولا بآثار غضب من جماعة الإخوان المسلمين، وطالبت حماس بسحبه والاعتذار عنه، لأنه يعني اعتراف الإخوان بشرعية النظام الحالي، الذي تنكره الجماعة ولم تكف عن مناكفته، أمنيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، والتحريض عليه دوليا، بكل الوسائل غير الشريفة.

الواضح أن حماس، تحاول أن تستفيد من الأخطاء التي وقعت فيها، وتفضل أن تسير على نهج حركة النهضة التونسية، وتتحاشى المضي قدما على طريق الإخوان في مصر، فالأولى انحنت للعاصفة السياسية، ونجحت إلى حد كبير في توفيق جزء معتبر من أوضاعها، أما الثانية فارتكبت حماقات أضاعت عليها “الجلد والسقط”، كما يقولون، من هنا يبدو أن حماس في سبيلها للتراجع عن خطابها الافتراضي والاقتراب من تبني خطاب واقعي، ليس لتتمكن من تحقيق مكاسب قريبا، بل لتتجنب تكبد المزيد من الخسائر مستقبلا، فقد تيقنت أن مركب الإخوان غرقت، وأصبح من الصعوبة إنقاذها، والقفز منها واجب، لأن الإصرار على التشبث بتصورات الإخوان سيجرها حتما للغرق معها، والعبرة الكاشفة تكمن في المنهج الخاطىء الذي سلكته حماس، طوال أيام العدوان على غزة.

كما أن أصدقاء حماس والإخوان، قطر وتركيا، بدأت تنكشف أوراقهما، وفشلت جميع حيلهما في إنقاذ الحركة، وتوريط مصر، التي بدت أكثر ذكاء، وتمكنت من التفوق عليهما، وربما حان وقت هزيمتهما بضربة سياسية قاضية، ومن المتوقع أن تؤدي نتائج التحركات الخليجية باتجاه الدوحة، إلى اتخاذ الأخيرة قرارات صعبة، بينها رفع يدها أو تخفيف قبضتها المادية على حماس، وهناك جهود تبذل على الصعيد التركي، لنزع ورقة التوت التي تغطي بها أنقرة جزءا من جسد الحركة، الأمر الذي يجبر حماس في النهاية على البحث عن ملاذ آمن.

إذا كانت سوريا خرجت من اللعبة، والارتماء في أحضان إيران محفوف بالمخاطر الآن، فلم يعد أمام حماس سوى مصر للحصول على دعم سياسي، والسعودية لتعويض الفجوة المادية المنتظر أن تنجم، حال حدوث فجوة مع قطر، وقد تحدثت مع مصادر دبلوماسية في القاهرة، وأكدت أن الخطة المصرية-السعودية يمكن أن تحرز نتائج مبهرة، خاصة أن حماس استوعبت درس ماراثون التفاوض الأخير في القاهرة، والمناورات التي كانت تجرى على هامشه في الخارج، واقتنعت أن الابتعاد عن مصر سوف ينطوي على مخاطر كبيرة، في ظل معركة كسر العظم السياسية، التي من مرجح أن تتصاعد في غزة بين الحركة والسلطة الفلسطينية، ممثلة في حركة فتح.

لم يكن قبول إسرائيل بوقف إطلاق النار وفقا للمبادرة المصرية عملية سهلة، بل جاء نتيجة جهود دبلوماسية وتحذيرات سياسية، قامت القاهرة بدور بارز فيها، بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، والتي سوف يتزايد دورها في غزة، بحكم إشرافها على معبر رفح، والعودة لإدارة القطاع، الذي قبلت به حماس، وهو ما يفسر جانب الوهن السياسي الذي أصاب الحركة، حيث ظلت لفترة طويلة تمانع وتناور لعدم الوصول إلى هذه اللحظة، ولأن التنسيق سيكون مستحيلا بينهما، سوف تتجدد المناوشات مرة أخرى في القطاع، وتتراجع أولوية المقاومة ضد إسرائيل، لحساب تصاعد فرص الممانعة ضد السلطة الفلسطينية.

لذلك انحنت حماس للعاصفة، وتتجه إلى مزيد من التغيير في لهجتها السياسية مع مصر، وتأكيد الاحتفاظ بمسافة بعيدة، بينها وكل من الإخوان وقطر وتركيا، لطمأنة القاهرة، التي يتسع دورها الإقليمي ولديها قدرة عالية على التعامل مع الملفات المعقدة، وحتى تتلاشى غضبة ثانية من مصر، فضلت الحركة إظهار قدر ملحوظ من المرونة تجاهها، لأن معركة قطاع غزة بين فتح وحماس قادمة لا محالة، ولن تكون مصر بعيدة عن مقاطعها الرئيسية، فإما أن تقبل السلطة الفلسطينية بتكرار نموذج حزب الله في لبنان ووجود المقاومة بالتوازي معها، أو تحدث مواجهة، تنتهى بأن تأكل إحداهما الأخرى.

بالتالي فقيام حماس بتوفيق أوضاعها مع مصر، هو عملية تكتيكية وليست استراتيجية، وسوف تتوقف الحصيلة النهائية لهذا التوجه على مدى قدرة قيادات الحركة على التكيف مع المعطيات المعقدة في المنطقة، وتطوير نمط تفكيرها، فالتمسك بالجمود يقود إلى انتهاء دورها في غزة، كما انتهى دور الإخوان في مصر.


كاتب مصري

9