حماس تضخ دماء جديدة في شرايين صفقة القرن

واشنطن تريد التعويل على طرف سياسي قوي يمكن التفاهم معه، بعدما انقطعت الثقة بينها وبين الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
الأحد 2018/08/05
المهم بالنسبة لحماس أن تبقى تحت الأضواء

تحمل اجتماعات المكتب السياسي لحماس في قطاع غزة على مدار يومين، وتختتم الأحد، جملة من الأهداف الداخلية المتعلقة بحسابات الحركة الفلسطينية، لكنها لا تخلو من مضامين سياسية إقليمية ودولية، يمكن أن تفتح الكثير من الأبواب أمامها، إذا جعلت الغرض الرئيسي للاجتماعات، تثبيت هدنة طويلة مع إسرائيل، هدفا إستراتيجيا وليس مرحليا. وفي كل الحالات من المتوقع أن تتزايد ملامح التغيير في الأداء خلال المرحلة المقبلة، لأن حماس تعتقد أنها أوشكت أن تصبح القوة الأولى على الساحة الفلسطينية، وتستفيد من ارتباكات وانقسامات وتراشقات حركة فتح وغضب جهات متعددة من تصرفاتها مؤخرا.

القاهرة - اختارت الولايات المتحدة المعاناة الإنسانية في غزة، كمدخل لتدشين عملية جديدة لتسوية القضية الفلسطينية، أُطلق عليها إعلاميا صفقة القرن. واضطرت واشنطن إلى إعادة حساباتها السياسية، عندما وجدت معارضة مباشرة من قبل السلطة الفلسطينية، وممانعات وتحفظات مختلفة من دول عربية.

لم تختف الصفقة الأميركية بكل هواجسها وملابساتها وتفسيراتها، لكنها توارت قليلا إلى حين ترتيب الأوراق بما يجعل من عملية تمريرها أمرا أقلّ صعوبة.

في جولة جسّ النبض الأولى، بدا رهان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في غير محلّه، لأنه أسند المهمة لطاقم استشاري رديء، يفهم في المال أكثر من السياسة، لذلك أخفقت جولات جاريد كوشنير وجويل غرينبلات مبعوثه للشرق الأوسط، في الترويج للصفقة بصيغتها الأولى، والتي كشفت الكثير من التسريبات أنها تريد اتخاذ معاناة قطاع غزة تكئة لتسويقها.

اعتمدت واشنطن على دغدغة مشاعر حماس السياسية، ورغبتها في استمرار سيطرتها على غزة، ورمت في طريقها الطعم الذي كانت واثقة من التهامها له بشراهة، واستخدمت كلاّ من قطر وتركيا في تسويق سيناريو غزة أوّلا.

لقيت الخطة مصدّات عربية وحماقات إسرائيلية وارتباكات فلسطينية، بموجبها اضطرت حماس إلى المزايدة السياسية، وإعلان رفضها لأنها وجدت نفسها ستكون بلا غطاء عربي أو فلسطيني، وسوف تظهر كمن خان ثوابت القضية وضحّى بجميع قواعدها.

الخبرة الأميركية تؤكد أن قدرتها على التفاهم مع التيار الإسلامي أكبر من القومي، بمعنى أن تدشين صفقة القرن في وجود حماس على رأس السلطة أسهل من فتح المنقسمة على نفسها

لدى قيادات حماس قناعة أنّ أوان تحرير الأراضي المقدسة في فلسطين لم يحن بعدُ، وربما يستغرق عقودا طويلة، وعليهم التعامل مع المشهد بكل تعقيداته من خلال تعظيم مستوى الانتهازية، حتى لو أدّت إلى ازدواجية في التصرفات، فالمهم أن تبقى الحركة في الصدارة السياسية، ولها خطوط اتصال مع الأدوات الفاعلة في المنطقة.

لم تستطع حماس مقاومة ضغوط القاهرة التي وجدت خطورة في الطريق الذي تسير فيه الحركة، وعدم الممانعة في حل أزمة غزة الاقتصادية بأي وسيلة، طالما أنها سوف تؤدي إلى تثبيتها في القطاع، ونجحت مصر في الهروب من فخ صفقة القرن، بمساعدة دول عربية، مثل الإمارات والأردن والسعودية.

التاجر الشاطر

استشعر الرئيس ترامب أن التصميم على عرض الصفقة دون تجهيز المسرح السياسي في المنطقة، قد يتحوّل إلى نكسة أخرى لإدارته في الشرق الأوسط، وتحلّى بعقلية التاجر الشاطر، الذي يُعيد عرض بضاعته بعد وضع مجموعة من المغريات، مثل اقبلوا بالصفقة وسوف نمنحكم مزايا عينية في قضايا أخرى، أو اشتروا هذه الصفقة وسوف نعطيكم خصما كبيرا في صفقات أخرى.

جرت اتصالات بين واشنطن وجهات عديدة، عربية وفلسطينية، بعثت برسائل تفيد أنه يتم إعادة النظر في الصفقة، وتأييد المصالحة الفلسطينية، باعتبارها صمّام أمان أو طمأنة بعدم حرف التسوية المتوقعة عن مسارها المبدئي الذي يربط قطاع غزة بالضفة الغربية.

وشرعت القاهرة في استئناف حواراتها الفلسطينية، بموافقة ودعم أميركي، حسب كلام مصدر فلسطيني لـ”العرب”، وكشفت اللقاءات بحماس عن مرونة كبيرة لم تتوافر لدى غريمتها فتح، التي تعاملت مع الجولة الجديدة من اجتماعات المصالحة المنفردة، كأنها مجاملة لحماس، لذلك تعمّدت السلطة الفلسطينية وضع العراقيل. فمرة تروّج أن الورقة المصرية تنحاز لرؤية حماس وتطالب بإدخال تعديلات عليها، ومرة أخرى تطلق تصريحات توحي بعدم رغبتها في تقديم تنازلات لحلّ الأزمات المعلقة.

في هذه الأثناء، دخلت إسرائيل والأمم المتحدة على الخط، بحجة حلّ الأزمة الإنسانية، وتثبيت التهدئة مع حماس لفترة طويلة، وكلها تطوّرات تستدعي إجراء اتصالات غير مباشرة بين إسرائيل وحماس، تمنح حصيلتها فرصة ليكون فكّ الحصار والتهدئة تحت رعاية دولية.

وجهة نظر القاهرة، يفضي حلّ الأزمة الاقتصادية في غزة وتثبيت التهدئة، إلى إجبار فتح على الانخراط في التسوية بذهن أكثر انفتاحا واستيعابا للأمور

وتدرك القاهرة أن ترحيب إسرائيل والولايات المتحدة والأمم المتحدة ليس لوجه الله، لكنه يمكن البناء عليه لاستعادة الزخم لاحقا بشأن عملية التسوية ومحاولة تغيير المسارات، ومضت في هذا الطريق، يحدوها الأمل في حلّ الأزمة الإنسانية داخل قطاع غزة، وإيجاد سبل بضمانات دولية لفكّ الحصار، وبالتالي تخفيف الضغوط عليها في هذا الملف، ومنع انفجار الموقف في غزة باتجاه مصر، وتأمين الحدود، والحفاظ على الأمن والاستقرار في سيناء.

وجدت حماس أنّ تعاطيها مع المستجدّات يجعلها تتحاور رسميا مع مبعوث الأمم المتحدة نيكولاي ميلادينوف، وتجري اتصالات غير مباشرة مع الولايات المتحدة، وهو ما يقدّم لها فرصة ثمينة تستعيد بها الزخم الإقليمي، الذي يمكن أن تطرد به هواجس إسرائيل حيال علاقتها مع إيران، ومخاوف مصر من الانفتاح على قطر وتركيا. والأهم إرسال إشارة إلى واشنطن أنها مستعدة للاعتماد عليها في تهدئة طويلة الأجل، تمهيدا لانخراطها في التسوية بلا مواربة، بكل ما تنطوي عليه من إجراءات لاحقة تتجاوب مع عملية إعادة تأهيلها، والتعامل معها كحركة سياسية وليست إرهابية.

طرف فلسطيني جديد

تبدو المسألة متشابكة ومليئة بالطرق الوعرة والالتفافية، لكن جميعها يفضي إلى مسار سياسي واحد، هو منح صفقة القرن قبلة حياة. فقد استوعبت الإدارة الأميركية درس الاستعجال الذي خيّم على رغبتها في إطلاق الصفقة دون تمهيد الأرض تحتها، وتريد التعويل على طرف فلسطيني قويّ، يمكن التفاهم معه، بعدما انقطعت الثقة بين واشنطن والرئيس الفلسطيني محمود عباس.

لدى مصر إدراك بكل الألاعيب السياسية التي تقوم بها حماس، وفهم لكل الحيل التي تطرقها الولايات المتحدة، وأن المباركة الأميركية والأممية لحل الأزمة الاقتصادية في غزة وتشجيع المصالحة الفلسطينية، سوف يقودان لطريق واحد، عنوانه صفقة القرن.

تبني القاهرة حساباتها على وقف استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في غزة أوّلا، ولن يتم ذلك دون تفاهمات بين حماس وإسرائيل والولايات المتحدة، من خلال العرّاب الجديد ميلادينوف.

 وتسعى إلى استفزاز السلطة الفلسطينية، وفي القلب منها حركة فتح، لحثّها على التجاوب مع معطيات المصالحة، قبل أن يفوتها قطار التسوية وتنزل منه عنوة، بحكم ضعفها وتصاعد الخلافات التي تنخر في جسدها، وترهّل سلطة الرئيس عباس.

تدشين صفقة القرن في وجود حماس على رأس السلطة أسهل من فتح المُنقسمة على نفسها، بينما تتمتّع الأولى بدرجة أعلى من التماسك الداخلي

وتقود الليونة الظاهرة في الموقف الإسرائيلي حيال غزة إلى إحراج السلطة الفلسطينية، وتضعها في مربع من تريد بمفردها حصار المواطنين في غزة، ما يراكم علامات الضعف عليها، إذا لم تُدخل تعديلات على مواقفها المتسلطة، والتي يبدو أنها مصمّمة على المضيّ فيها.

ويكشف دخول قيادات المكتب السياسي لحماس غزة، عبر معبر رفح، وحضور اجتماعات السبت والأحد، أن هناك رغبة إسرائيلية وأميركية، وعدم ممانعة مصرية، في تشجيع كل ما يؤدي إلى تقوية الحركة سياسية في الأراضي الفلسطينية، من خلال مساعدتها في جني ثمار من نجحت في تخفيف الحصار، وتعرية الخطاب الذي تتاجر به فتح ويؤكد أن سياسات حماس الخرقاء وسيطرتها على غزة ومقاومتها الورقية أدّت للحصار والأزمة الإنسانية.

يأتي تفكيك هذه المعادلة بأيدي إسرائيلية لترسيخ الخلافات الفلسطينية، حتى لو كانت تتضمن مساعدة لحماس، كما أن الخبرة الأميركية تؤكد أن قدرتها على التفاهم مع التيار الإسلامي أكبر من القومي، بمعنى أن تدشين صفقة القرن في وجود حماس على رأس السلطة أسهل من فتح المُنقسمة على نفسها، بينما تتمتّع الأولى بدرجة أعلى من التماسك الداخلي، وفقا لمنهج السمع والطاعة الذي يعدّ أحد المكوّنات الرئيسية في الأدبيات الإسلامية عامة.

من وجهة نظر القاهرة، يفضي حلّ الأزمة الاقتصادية في غزة وتثبيت التهدئة، إلى إجبار فتح على الانخراط في التسوية بذهن أكثر انفتاحا واستيعابا للأمور، بينما من وجهة نظر الولايات المتحدة وإسرائيل، يؤدي إلى تثبيت حماس في غزة، وحدوث المزيد من الخلاف داخل فتح، ما يجعل من فرض سيناريو غزة أولا أكثر يُسرا، بحكم الأمر الواقع، لذلك تضخّ الحركة عن طيب خاطر الدماء في شرايين صفقة القرن.

ومرجّح أن يتم تضمينها خطة تتكوّن من مراحل تبدأ أولاها مباشرة من غزة، ثم تأتي المراحل التالية مُبهمة، لتقييد الممانعات العربية السابقة، وفتح باب الأمل للمساومة على القضايا الأخرى، والتي حتما سوف تتآكل بسبب الزمن وتسارع وتيرة الأحداث.

6