"حماس" تعوّم "بيبي"

"حماس" استطاعت إيجاد تحدّ في غاية الأهمّية في وجه إسرائيل، خصوصا بعدما بلغت صواريخ الحركة تلّ أبيب. لكنّ السؤال الذي سيطرح نفسه ماذا بعد ذلك؟
الأحد 2021/05/16
من مصلحة حماس التصعيد مع إسرائيل

باختصار شديد، ليست هناك سوى خلاصة وحيدة من كل ما تشهده أرض فلسطين هذه الأيّام. تتمثّل هذه الخلاصة في أن القضيّة الفلسطينية ما زالت حيّة ترزق وأنّ لا مفرّ في نهاية المطاف من إيجاد تسوية سياسيّة تأخذ في الاعتبار السقوط المدوي للخيار الذي اعتمده بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في الـ12 سنة الأخيرة والقاضي بالخلاص من القضيّة الفلسطينية وإلغاء الشعب الفلسطيني.

تكمن المشكلة الأساسية في أن الوصول إلى هذه الخلاصة ما زال يحتاج وقتا وضحايا كثيرة في غياب الرؤية السياسية ذات الطابع العقلاني في إسرائيل من جهة ووجود حركة “حماس” من جهة أخرى. يضاف إلى ذلك، في طبيعة الحال، غياب قيادة فلسطينية في مستوى الأحداث في رام الله.

ثمّة مصلحة مشتركة بين اليمين الإسرائيلي و”حماس” في استمرار التصعيد والابتعاد عن كلّ ما من شأنه التوصّل إلى أيّ تسوية سلميّة تضمن الحدّ الأدنى من الحقوق الوطنية لشعب قدّم الكثير من التضحيات وارتكبت قياداته الكثير من الأخطاء.

في مقدّم هذه الأخطاء السماح لقوى خارجية، على رأسها إيران، بالمتاجرة بالقضيّة الفلسطينيّة بالجملة والمفرّق في الوقت ذاته. لم تعترض إسرائيل يوما على سلوك “حماس”. كانت تعرف دائما بارتباطاتها الخارجية، خصوصا بإيران. كانت تعرف تماما أن ممارسات تلك الحركة، التي هي جزء لا يتجزّأ من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، تصبّ في تبرير الجمود السياسي. يعني هذا الجمود أوّل ما يعنيه استمرار الاستيطان في الضفّة الغربيّة وذلك تحت شعار “لا وجود لطرف فلسطيني يمكن التفاوض معه”.

لعلّ أفضل هديّة قدمتها “حماس” لليمين الإسرائيلي، ولـ”بيبي” نتنياهو بالذات، الصواريخ التي أطلقتها من غزّة. عوّمت الصواريخ “بيبي” بعدما كان الانطباع السائد أن حياته السياسيّة انتهت. من الواضح أنّه لم يعد ممكنا القول إن هذه الصواريخ من النوع المضحك المبكي. على العكس من ذلك، تبيّن أن “حماس” استطاعت الحصول على صواريخ فعّالة بكميات كبيرة أخيرا. يمكن لهذه الصواريخ بلوغ العمق الإسرائيلي. أدّى إطلاق الصواريخ إلى التغطية على ثورة أهل القدس على الاحتلال في ظلّ محاولة الاحتلال مصادرة ممتلكات فلسطينية في حي الشيخ جرّاح القريب من المسجد الأقصى.

ما هو مخيف، إلى اللحظة، أن "حماس" لا تحدّد ما الذي تريده باستثناء أنّها تريد إقامة توازن رعب مع إسرائيل بما يسمح لها بالبقاء في غزّة والسعي إلى التمدّد لاحقا في الضفّة الغربيّة. لا تمتلك حدّا أدنى من الوعي السياسي يسمح لها بادراك أن المشروع الوطني الفلسطيني شيء وخدمة إسرائيل شيء آخر

فجأة، انتقل اهتمام العالم إلى غزّة وصواريخ “حماس” التي تسببت في كارثة أخرى على أهل غزّة في ضوء رد الفعل الإسرائيلي الذي يمكن وصفه بالوحشي والذي لا يفرّق بين مقاتل ورجل وامرأة وطفل. ما هو مخيف، إلى اللحظة، أن “حماس” لا تحدّد ما الذي تريده باستثناء أنّها تريد إقامة توازن رعب مع إسرائيل بما يسمح لها بالبقاء في غزّة والسعي إلى التمدّد لاحقا في الضفّة الغربيّة. لا تمتلك الحركة، التي أقامت إمارة إسلاميّة في غزّة على الطريقة الطالبانية (نسبة إلى طالبان) حدّا أدنى من الوعي السياسي يسمح لها بادراك أن المشروع الوطني الفلسطيني شيء وخدمة إسرائيل شيء آخر.

مخيف الدور الذي تلعبه “حماس”. ما هو مخيف آخر رفض القيام بأيّ عمليّة نقد للذات وذلك منذ الانسحاب الإسرائيلي من غزّة كلّها في آب – أغسطس من العام 2005 تمهيدا لطرد “فتح” من القطاع والتفرّد بحكمه.

ستؤدي تصرّفات “حماس” إلى تدمير كبير في غزّة على كلّ المستويات. سيزداد وضع الغزّاويين سوءا. لا تريد الحركة العودة بالذاكرة إلى الماضي القريب حين كان في استطاعتها تحويل غزّة بعد الانسحاب الإسرائيلي إلى كيان ناجح يدحض ادعاءات الإسرائيليين الذين يقولون إن الفلسطينيين لا يستحقّون دولة مستقلة.

سترتكب إسرائيل مزيدا من الجرائم. سيتفرّج العالم على ما تقوم به. لا وجود لأيّ تعاطف مع “حماس” في حين اكتفت الإدارة الأميركية بإرسال مبعوث إلى المنطقة من درجة دنيا ليس معروفا هل لديه قناة اتصال مباشرة مع وزير الخارجية أنطوني بلينكن.

في ظلّ المزايدات الحمساوية التي لا حدود لها والتي لا يمكن أن تؤدي سوى إلى إلحاق مزيد من التدمير في غزّة، وفي ظلّ غياب العقل السياسي الإسرائيلي، لا يمكن تجاهل أن الشعب الفلسطيني الذي ثار في القدس على الاحتلال سجّل نقاطا تصلح للمستقبل. أثبت قبل كلّ شيء أن قضيّته حيّة وأنّه موجود على الخريطة السياسيّة للمنطقة وأنّ لا مفر من ترجمة ذات طابع جغرافي لهذا الوجود.

عاجلا أم آجلا سيتغيّر الوضع في غزّة. لا يمكن للقطاع الذي مساحته 360 كيلومترا مربّعا أن يبقى سجنا كبيرا في الهواء الطلق لمليوني مواطن فلسطيني. ما لن يتغيّر في المقابل هو صمود الشعب الفلسطيني الذي لم يعترض، انطلاقا من القدس، على “حماس” والسلطة الوطنيّة المترهّلة فحسب، بل حرّك كلّ فلسطيني في فلسطين، بما في ذلك أولئك الذين بقوا في حيفا ويافا واللد وغيرها بعد العام 1948 رافضين الخروج من أرضهم.

أثبت الفلسطينيون مرّة أخرى أن قضيتهم غير قابلة للإلغاء، مثلما أن حقوقهم كشعب موجود في المنطقة ومنتشر في العالم غير قابلة للتصرّف. يدركون أنّهم يواجهون حلفا يضمّ متطرفين من كلّ حدب وصوب وأن ليس أمامهم من خيار سوى الصمود. ما لا يمكن تجاهله في نهاية المطاف أن معطيات جديدة مختلفة ستولد من الحرب الدائرة حاليا.

لا شكّ أن “حماس” استطاعت إيجاد تحدّ في غاية الأهمّية في وجه إسرائيل، خصوصا بعدما بلغت صواريخ الحركة تلّ أبيب. لكنّ السؤال الذي سيطرح نفسه ماذا بعد ذلك؟ وما الفائدة من الصواريخ إذا كانت ستستخدم في التغطية على ثورة أهل القدس بدل توفير الدعم لها؟

عندما يتعلّق الأمر بالمواجهة السلميّة، يخرج الفلسطينيون منتصرين وعندما تكون المواجهة مسلّحة يفقدون كلّ ما حققوه في السياسة. من هذا المنطلق، هناك خوف على ثورة القدس بعدما سعت “حماس” إلى خطفها وأخذها إلى غزّة… وكانت النتيجة إعادة تعويم لـ”بيبي” واليمين الإسرائيلي اللذين كانت دائما على تناغم معهما من حيث تدري أو لا تدري!

5