"حماس" تنقل فشلها في غزة إلى الضفة

الجمعة 2014/06/20

ستسعى حكومة بنيامين نتانياهو إلى استغلال اختفاء ثلاثة شبّان اسرائيليين في الضفة الغربية إلى أبعد حدود. ستستغل الاختفاء بطريقة بشعة بدءا بزيادة الضغط على قطاع غزّة المحاصر، وصولا إلى تخريب الوضع في الضفة الغربية، مرورا بتعطيل عمل حكومة الوحدة الوطنية التي تشكّلت حديثا برئاسة الدكتور رامي الحمدالله.

نظريا، هناك حرب فلسطينية- إسرائيلية. هناك مشكلة أسرى فلسطينيين حقيقية. هناك حكومة إسرائيلية لا تؤمن بخيار الدولتين. لا تؤمن هذه الحكومة إلّا بتكريس الاحتلال، خصوصا للقدس الشرقية. فوق ذلك كلّه لا رغبة للحكومة الإسرائيلية في طرح سؤال في غاية البساطة هو ماذا كان يفعل هؤلاء الشبان الثلاثة في الضفة الغربية؟

هناك سياسة إسرائيلية مدانة بكلّ المقاييس، نظرا إلى أنّها لا تقيم أي اعتبار لعملية السلام ولشروطها المعروفة. في مقدّمة هذه الشروط زوال الاحتلال ومساعدة الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، في ظلّ تفاهم في شأن القدس الشرقية المهددة يوميا بالتهويد.

القدس، في واقع الأمر، مدينة محتلّة سيطر عليها الإسرائيليون بالقوّة عام 1967 وهم يعملون يوميا على تطويقها. الأخطر من ذلك كلّه أن الاستيطان مستمرّ في كلّ أنحاء الضفة الغربية بغية تقطيع أوصال الدولة الفلسطينية المفترضة، وقطع الطريق على قيام دولة «قابلة للحياة» يمارس فيها الفلسطينيون حقوقهم الوطنية المشروعة المعترف بها من الأمم المتحدة بصفة كونهم شعبا من شعوب المنطقة.

تتحمّل إسرائيل، قبل غيرها، مسؤولية اختفاء الشبّان الثلاثة الذين قد تكون جهة ما خطفتهم في الضفة الغربية. هذا واقع نظرا إلى أنّ هؤلاء الشبّان كانوا في أرض محتلة تصرّ اسرائيل على ضمّها. ولكن في انتظار جلاء الموقف، لابدّ من مواجهة واقع متمثّل بأن الشبّان الثلاثة ضحايا السياسة الإسرائيلية، وأن هناك في اسرائيل من سيستخدم عملية الخطف لتبرير رفض التفاوض الجدّي مع الفلسطينيين من أجل تحقيق تسوية معقولة ومقبولة.

ما بقي من العملية السلمية، هذا إذا بقي منها شيء، سيكون ضحيّة خطف الشبّان الثلاثة، خصوصا أنّ اسرائيل ستدّعي أنّ لا وجود لطرف فلسطيني جدّي قادر على التزام ما يتعهّد به.

أكثر من ذلك، ستدّعي اسرائيل أن هناك مخاطر من قيام دولة فلسطينية مستقلّة. من وجهة نظرها، كيف يمكن الوثوق بالفلسطينيين إذا كانوا غير قادرين على ضبط الأمن في المناطق التي يسيطرون عليها؟

من خطف الشبّان الثلاثة، أصاب ثلاثة عصافير بحجر واحد. أصاب أوّلا السلطة الوطنية الفلسطينية وأظهرها في مظهر العاجز عن السيطرة على أية منطقة تحت سلطتها. هذا لا يعني في أي شكل تجاهل المسؤولية الإسرائيلية عن ترك هؤلاء الشبّان يمرحون في الضفّة، متحدّين مشاعر المواطنين الفلسطينيين.

كذلك أصاب الحجر حكومة الوحدة الوطنية التي جاءت نتيجة اضطرار «حماس» إلى مصالحة “فتح”، بعدما فشل مشروع الإخوان المسلمين الهادف إلى استخدام قطاع غزّة للعب في الداخل المصري.

أما العصفور الثالث الذي أصيب بحجر الخاطفين، فهو الجانب الأميركي الذي كان يسعى إلى إقناع اسرائيل بأنّ المفاوضات لا علاقة لها بحكومة الوحدة الوطنية، وأنّ مهمّة هذه الحكومة محصورة بالإعداد للانتخابات التشريعية والرئاسية قبل نهاية السنة الجارية.

ليس صحيحا أن ليس لدى الفلسطينيين ما يخسرونه بعدما ضربت حكومة نتانياهو عرض الحائط بكلّ جهود السلام، ورفضت الدخول في مفاوضات جدّية ذات مرجعية محددة هي قرارات الشرعية الدولية المعترف بها، على رأسها القرار 242 الذي يؤكّد مبدأ الأرض في مقابل السلام.

ما يبدو أكثر من واضح، خصوصا في ظلّ التعقيدات التي يمرّ بها الشرق الأوسط كلّه، أن الفلسطينيين سيخسرون الكثير جرّاء اختفاء الإسرائيليين الثلاثة. لم يربحوا شيئا من خطف الجندي جلعاد شاليط في غزّة. استخدمت اسرائيل تلك العملية من أجل تشديد حصارها للقطاع وتحويله سجنا كبيرا ذا سماء مفتوحة.

صحيح أن اسرائيل اضطرت في النهاية إلى إطلاق عدد كبير من السجناء والأسرى، لكن الصحيح أيضا أن حكومتها استفادت من أسر شاليط إلى أبعد الحدود، وذلك عبر قولها للعالم أنّ خطف الجندي يؤكّد موقفها المستند إلى أن لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه.

المؤسف أنّ اسرائيل ستعمل حاليا على تحويل الضفّة الغربية أرضا طاردة لأهلها. ستحبط مسبقا كلّ الإيجابيات التي كان يمكن أن تنجم عن تشكيل حكومة وفاقية تساعد في رفع الحصار عن غزّة، مع استمرار المحافظة على الأمن في الضفة. هل انتقلت تجربة «حماس» الفاشلة في غزّة إلى الضفّة؟

للمرّة الألف، هناك مسؤولية يتحمّلها الاحتلال عن خطف الشبّان الثلاثة، هذا إذا كانوا خطفوا فعلا.

لا مفرّ من سؤال لابدّ من طرحه. هذا السؤال هو كيف يمكن أن تخدم عملية من هذا النوع القضية الفلسطينية، أو على الأصحّ المشروع الوطني الفلسطيني؟

يبقى أن مثل هذا النوع من العمليات، يجعل المرء يتساءل هل «حماس» مخترقة؟ هل هناك في «حماس» من يرفض حكومة الوفاق الوطني والخطوط العريضة لاتفاق المصالحة، ولا يهمّه في أي شكل ما إذا كان الحصار سيرفع عن غزّة يوما؟

يمكن الذهاب إلى أبعد من ذلك والتساؤل هل «حماس» تسيطر فعلا على كل العناصر التابعة لها والعاملة في الضفة الغربية؟ أم أن لبعض هذه العناصر ارتباطات خاصة وحسابات ذات علاقة بجهات إقليمية محدّدة معروفة؟ إنّها جهات ترفض الاعتراف بأنّ السلطة الوطنية قادرة على السيطرة أمنيا على الضفة الغربية، أقلّه على جزء منها.

في الحسابات السياسية، لا يمكن للفلسطينيين الخروج منتصرين من عملية خطف لإسرائيليين في الضفة الغربية، حتّى لو كانت مسؤولية ما حصل تقع على الاحتلال وعلى من يُؤمن بالاحتلال.

لا يمكن، للأسف الشديد، تفهّم أن الحل لقضايا كبيرة من هذا النوع ليس بالاحتلال، وأن استمرار الاحتلال لا يمكن أن يؤدي سوى إلى مزيد من التصرفات التي تعبّر عن الإحباط.

تكمن المشكلة في أنّ الإحباط لا يشكّل ردا على الاحتلال وممارساته، وليس بديلا عن سياسة واقعية تأخذ موازين القوى على الأرض في الاعتبار. المحزن أنّ هناك من سيستغلّ الإحباط من أجل تحقيق أهداف لا علاقة لها بالفلسطينيين وقضيّتهم ومشروعهم الوطني.


إعلامي لبناني

9