حماس: عبور المرحلة الأقسى

السبت 2014/06/07

مع تشكيل حكومة فلسطينية “توافقية”، ومع تأدية اليمين أمام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ينتهي ”الانقسام الفلسطيني” الذي استمر سبعة أعوام. كما تنتهي حركة حماس بنسختها “المقاومة” التي ترفض اتفاق أوسلو، لتولد حركة جديدة تلتزم بالعمل الدبلوماسي على أرضية ذلك الاتفاق.

وما كان لحركة حماس أن تقبل صاغرة بالدخول في حكومة مشتركة مع حركة فتح على أساس مبادئ اتفاق أوسلو التي ترفضها، لو لم تتحطم أحلامها السابقة بقيادة منفردة للمشروع الوطني الفلسطيني بعد انتصارها في انتخابات 2006. وهي أحلام وصلت حدود اليقين المطلق مع اندلاع ثورات الربيع العربي، وما أفضت إليه من وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة في تونس ومصر. بدا المشهد بالنسبة لحركة حماس وتنظيم الإخوان بمثابة “ترتيب إلهي” صعد بهم من وضع بائس، حيث الملاحقة الأمنية والتضييق، إلى وضع مثالي لم يكن أشد المتفائلين بالتنظيم الدولي يحلم به.

فبعد نجاح الثورات العربية في كل من تونس ومصر بدحرجة رأس النظام، تعرض جهاز الدولة والفئات والأحزاب المرتبطة به لزلزال شديد، لم يكن يسيرا استعادة التوازن على إثره. وفي حين كانت أحزاب المعارضة ضعيفة وبعيدة عن أي استعداد للعمل والصراع السياسي، كان المشهد مثاليا لتقدم تنظيم الإخوان الذي يمتلك تاريخا بالعمل السري والتنظيم الشديد، الأمر الذي أتاح له فوزا كاسحا وسهلا. ويتضح مقدار تعويل حركة حماس على فوز مرشح الإخوان المسلمين في مصر محمد مرسي في بيان التهنئة الذي أصدرته فور إعلانه رئيسا، إذ وصفت فوزه بالرئاسة بأنه “نقطة تحول في تاريخ مصر والقضية الفلسطينية والأمة”. هكذا أرادت حماس أن تقول إن مسار التاريخ تغير باتجاهها هذه المرة.

لم يدرك قادة التنظيم أن الفوز كان مرتبطا بظرف تاريخي محدد، لقد كانت مرحلة استثنائية لا يمكن أن تتسم بالثبات، وإنما بالحيوية والسيولة العالية التي قد تقلب المشهد مع مرور الوقت. غابت هذه الحقيقة العميقة عن حسابات الإخوان المسلمين، وفي المقابل حضر اليقين بالاستمرار والتوسع، إذ بات اليقين واحدا، من تركيا إلى تونس إلى مصر إلى قطاع غزة المحاصر والمفقّر والذي يفتقد إلى أدنى مقومات الحياة: الدولة الإسلامية بقيادة تنظيم الإخوان المسلمين باتت وشيكة، وهي ستنهي كل تلك الآلام.

حركة حماس في قطاع غزة كانت غارقة تماما في تلك الأوهام، الأمر الذي كان يدفعها إلى التصعيد ضد السلطة الفلسطينية في الضفة وترك تحالفها السابق مع النظام السوري ومن ورائه مع إيران. ويا لها من ضربة قاصمة أن يسقط الإخوان المسلمون في مصر، مصدر ثقة واطمئنان حركة حماس، بعد أن وصلوا إلى قمة الغرور والصلف في تعريف أنفسهم وفي التعامل مع الفرقاء السياسيين. لقد أفقد السقوط المدوي لمحمد مرسي حركة حماس وكل التنظيم الدولي صوابهم، إذ كيف لمسار التاريخ أن يتغير مجددا وبهذه السرعة وينقلب عليهم؟

لكن حركة حماس ومنذ أن باشرت المشاورات حول إنهاء الانقسام، بدت كما لو كانت قد استفاقت من الحلم الطويل الذي كانت تغرق فيه. لكنها استفاقت لتجد نفسها في وضع لا تحسد عليه، إذ كان عليها أن تجتاز المرحلة الأقسى في تاريخها. لقد انتقلت الحركة الإسلامية من مرحلة ازدهار كانت أشبه بالحلم، إلى مرحلة تشكل كابوسا فعليا، وتتضمن خيارات هي مجبرة على المضي فيها رغم كونها الأصعب في تاريخها.

نتحدث هنا عن تبدل جوهري في أهداف حركة حماس التي تعلن أنها تناضل من أجل “تحرير فلسطين من النهر إلى البحر”، ليقتصر نضالها على انتزاع دولة فلسطينية على حدود الأراضي المحتلة عام 1967 عاصمتها القدس الشرقية.

كما نتحدث عن تحول في نهج الحركة الإسلامية التي تتبنى المقاومة المسلحة كسبيل لتحقيق أهدافها، وترفض اتفاق أوسلو الموقّع مع دولة غير شرعية تريد إزالتها من الوجود، إلى حركة ملزمة بنبذ المقاومة المسلحة وبالقبول باتفاق أوسلو وما يرتبه ذلك من قبول بالاتفاقيات الدولية التي تعترف بوجود إسرائيل، ولا ترى إلا طريقا واحدا لحل «النزاع» معها وهو التسوية السياسية.

حركة حماس التي لطالما اعتبرت صراعها مع الدولة الصهيونية صراعا وجوديا لا حدوديا، سوف تكون مجبرة على قلب المعايير بمجرد دخول حكومة التوافق على أرضية اتفاق أوسلو. عليها أن تهتم بـ”الحدود” أكثر من أي شيء آخر، هذا فقط، هو ما يعطيها شرعية “الوجود” في الحكومة.


كاتب فلسطيني- سوري

9