"حماس" فاجأت إسرائيل.. لمن ستهدي "انتصارها"؟

الأحد 2014/07/27

لا شكّ أن "حماس" فاجأت إسرائيل. تبيّن أن حرب غزّة لم تعد نزهة. إنّها تذكّر بحرب صيف العام 2006 في لبنان. وقتذاك شنّت إسرائيل حربا على لبنان تعرّضت فيها لخسائر لم تكن في الحسبان. لكنّها استغلت تلك الحرب لتدمير جزء من لبنان وإلحاق أكبر مقدار من الأضرار ببنيته التحتية. كانت حربا مفتعلة استهدفت تعويم "حزب الله". ففي تلك المرحلة، كان الحزب بدأ يعمل من أجل الإمساك كليّا بالوطن الصغير عن طريق ملء الفراغ الناجم عن الانسحاب العسكري والأمني السوري نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.

طوال تلك الحرب، التي انتهت بهزيمة ساحقة ماحقة للبنان، و"انتصار" لـ"حزب الله"، كان الزعيم الدرزي وليد جنبلاط يطرح باستمرار سؤالا في غاية البساطة والتعقيد في الوقت ذاته. كان السؤال: "لمن سيهدي "حزب الله".. "انتصاره"؟

بعد توقف العمليات العسكرية وصدور القرار الرقم 1701 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يعني بين ما يعني انتشار الجيش اللبناني في الجنوب وارتداد "المقاومة" في اتجاه الداخل، أي في اتجاه اللبنانيين وصدورهم العارية، تبيّن أن الانتصار "الذي حقّقه "حزب الله" كان ذا شقّين.

يتعلّق الشق الأوّل بإيران. تحوّلت إيران من شريك في إدارة "الساحة" اللبنانية إلى اللاعب الأساسي في تلك "الساحة". تسعى إيران بكلّ بساطة، منذ سنوات عدّة، إلى تحويل لبنان مستعمرة من مستعمراتها وورقة من أوراق التفاوض مع أميركا، على غرار ما صارت عليه سوريا وأجزاء من العراق.

أمّا الشقّ الثاني والأخير في انتصار "حزب الله" فهو مرتبط إلى حدّ كبير بنشر البؤس في لبنان وإعادته سنوات إلى خلف وعزله عن محيطه العربي. وهذا ما حصل بالفعل على مراحل، وكان تشكيل "حزب الله" حكومة وضع على رأسها السنّي نجيب ميقاتي مرحلة من بين هذه المراحل.

ترافق ذلك مع سعي حثيث إلى إعادة دور ما للنظام السوري في لبنان الذي استغلّ رئيسه بشار الأسد "انتصار" ما يسمّى "المقاومة" من أجل مهاجمة الزعماء العرب بطريقة أقلّ ما يمكن أن توصف به أنّها تتسم بالبذاءة.

استطاع "حزب الله" توظيف "انتصاره" في حرب الصيف العام 2006. كان ذلك الانتصار انتصارا على لبنان واللبنانيين أوّلا. وقف "حزب الله" على جثّة اسمها لبنان ورفع علامة النصر. لم تمانع إسرائيل في ذلك ما دامت حقّقت مبتغاها. من يقرأ نصّ القرار1701 الذي وافق "حزب الله" على كلّ حرف فيه، يدرك لماذا اعتبرت إسرائيل حرب صيف 2006 انتصارا لها أيضا.

لمن ستهدي "حماس" "انتصارها" في حرب صيف 2014؟

إلى الآن، حقّقت الحركة التي افتعلت الحرب، التي كانت إسرائيل تستعدّ لها منذ فترة طويلة، مجموعة من الأهداف. أحرجت مصر أوّلا. تبدو مصر حاليا، أقلّه ظاهرا، ولمجرد سعيها إلى وقف العدوان الإسرائيلي، في مظهر من يسعى إلى وقف "المقاومة" والتآمر عليها وعلى غزّة. تعتقد "حماس" والذين يقفون خلفها أنّ استمرار حرب غزّة ستكون له انعكاساته على الداخل المصري وسيصبّ ذلك لمصلحة الإخوان المسلمين.

من الواضح، أن هذا يعتبر جزءا من حسابات "حماس" التي يهمّها في الوقت ذاته إحراج السلطة الوطنية الفلسطينية التي لم يعد لديها ما تقوله، خصوصا في ضوء الوحشية الإسرائيلية. فالسلطة تعرف جيدا أنّ "حماس" تسعى إلى الاستفادة قدر الإمكان من سياسة إسرائيلية ذات طابع عدواني لا تؤمن سوى بتكريس الاحتلال، سياسة سدّت أبواب المفاوضات وحوّلت الفلسطينيين إلى شهود زور على الأمر الواقع الذي تحاول إيجاده على الأرض الفلسطينية.

يدفع الفلسطينيون غاليا ثمن إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل. لكنّ الدمّ الفلسطيني يبدو آخر هموم "حماس" التي تعرف جيدا ماذا تريد وتعرف خصوصا أنّ ما بعد حرب غزّة ليس كما قبلها. بعد حرب غزّة، باتت "حماس" تعتبر نفسها اللاعب الأساسي في فلسطين. أكّدت أن غزّة صارت ملكا لها وأنّ الكلمة الأولى والأخيرة في القطاع هي لها.

هل حساباتها في مكانها؟ طوت "حماس" عمليا صفحة المصالحة الفلسطينية التي كان يؤمل أن تؤدي إلى عودة السلطة الوطنية بشكل ما إلى غزّة. في الواقع، هربت "حماس" من أزمتها الداخلية وجعلت منها أزمة فلسطينية. نقلت هذه الأزمة إلى الضفة الغربية، أي إلى عقر دار السلطة الوطنية وعقر دار "فتح" نفسها التي بدت مكشوفة أكثر من أي وقت وغير قادرة على التأثير في الأحداث.

مرّة أخرى، لمن ستهدي "حماس" "انتصارها" المجبول بدماء الشعب الفلسطيني؟ الواضح أنّ هذه الحرب جزء لا يتجزّأ من لعبة كبيرة تتجاوز غزّة. ما يدلّ على كم أنّ اللعبة كبيرة كمية الصواريخ التي أُمكن إيصالها إلى غزة، أضف إلى ذلك التركيز المستمرّ على مصر بهدف تشتيت قواها.

هل من هدف آخر للعملية الإرهابية الأخيرة في منطقة الحدود مع ليبيا والتي أسفرت عن مقتل نحو ثلاثين عسكريا مصريا على يد عصابة لا يمكن إلّا أن تكون على ارتباط مباشر أو غير مباشر بـ"حماس" أو بالذين يسيّرونها ويتحكّمون بقرارها؟

في كلّ الأحوال، لم يظهر فقط أنّ "حماس" في أزمة عميقة وأنّه لا يهمها ما يتعرّض له الشعب الفلسطيني. ظهر أيضا أن إسرائيل في عهد حكومة بنيامين نتانياهو لا تمتلك سوى قصر النظر من جهة والاستثمار في الاحتلال من جهة أخرى.

مثل هذه السياسة لا تصبّ إلّا في تعويم "حماس" ومن هم على شاكلة "حماس"، من المستعدين للتضحية بالفلسطينيين خدمة لكل من يريد المتاجرة بهم. هؤلاء المتاجرون بالفلسطينيين وقضيّتهم لا يهمّهم من القضية إلّا إحراج العرب عموما والسلطة الوطنية على وجه التحديد.

هل ستهدي "حماس" انتصارها إلى هؤلاء، أي إلى الذين يرسلون لها الصواريخ وكلّ أنواع الدعم ويساعدون في حفر الأنفاق؟

المرجح أن تفعل ذلك، خصوصا أنّ ليس لدى إسرائيل سياسة بديلة من الاحتلال وليس لديها ما تقدّمه غير خدمة "حماس" عن طريق إذلال المواطن الفلسطيني العادي يوميا وبشكل مدروس. منذ متى العمل على تكريس الاحتلال سياسة؟ منذ متى هناك من يعتقد أن إلغاء شعب آخر يمكن أن يكون نواة لسياسة؟ هل يجرّ التطرّف إلى شيء آخر غير المزيد من التطرّف في منطقة تقبع كلّها على برميل بارود؟

3