حماس والأزمة المصرية

الاثنين 2013/08/26

لم تكن حركة حماس طرفا في التطورات السياسية المصرية في أي وقت سابق، مثل ما هي عليه اليوم، ففي الماضي كانت الحركة وقياداتها تتأثر بالمزاج العام في مصر، سلبا أو إيجابا، وحتى عندما كانت الحكومة، إبان عهد مبارك، تأخذ موقفا أشد تعاطفا مع حركة فتح المناوئة لها، ظلت المسافة مع حماس جيدة، وفي أحلك لحظات الغضب عقب اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة قبل نحو خمس سنوات، لم يصل توتر علاقاتها مع القاهرة درجة القطيعة، لكن الآن وبعد سقوط نظام جماعة الإخوان المسلمين، والحركة تتعرض لحملة واسعة من الاتهامات والانتقادات، لم تعد قاصرة على الموقف الرسمي، بل امتدت إلى قطاع عريض من المواطنين، بسبب تدخلاتها السافرة في الشأن المصري، وتعاطفها الزائد مع شقيقتها الكبرى، الأمر الذي سوف يؤدي إلى انعكاسات سياسية خطيرة على القضية الفلسطينية.

كل من شاهد العرض العسكري الذي قدمته كتائب عز الدين القسام في غزة قبل أيام، تأكد أن حماس عازمة على تحدي الإرادة المصرية لأقصى مدى، حيث تضمنت فيديوهات العرض التي بثتها قنوات فضائية متعددة، إشارات بالصوت والصورة دعما للإخوان في مصر، مثل تلويح عناصر القسّام بعلامة «رابعة» من خلال رفع كف اليد بأربعة أصابع فقط، كما جرى وضع شعار جماعة الإخوان على غالبية السيارات التي أقلت هؤلاء وتجولت بهم في شوارع غزة، وحمل الاستعراض العسكري بالأسلحة الخفيفة جملة من الرسائل الموجهة للحكومة المصرية، في مقدمتها أن الحركة لن تترك جماعة الإخوان تتعرض لما تعتبره عنفا من جانب السلطات الرسمية وتقف مكتوفة الأيدي، ويمكنها أن تتدخل بطريقة أشد شراسة مما هو حاصل في الوقت الراهن، ومن غير المستبعد أن يأخذ التدخل شكلا مسلحا مباشرا، وأن الحركة ترى في الانتكاسة التي يتعرض لها الإخوان خطرا كبيرا على وجودها، ليس من منطلق التلاحم الأيديولوجي بينهما، لكن من واقع الارتدادات السياسية المتوقعة عليها لهذه النكسة، بعد أن حصلت الحكومة المصرية على معلومات تعزز تورط حماس في كثير من التفاصيل الداخلية.

فقد ألقت سلطات الأمن خلال الأيام الماضية القبض على عشرات الكوادر الفلسطينية التي تنتمي للحركة، منهم من شارك في استهداف منشآت حيوية مصرية، ومنهم من كان جزءا أصيلا في اعتصام رابعة العدوية، وتحول إلى قناصة وأذرع عسكرية لجماعة الإخوان، وهناك فئة اتخذت من سيناء فضاء لشن هجمات إرهابية على بعض الأماكن والأشخاص، ولعل حصيلة القتلى والجرحى والأسرى في صفوفهم مثلت دليلا دامغا على ارتفاع حجم التنسيق والتعاون بين حماس والإخوان في مصر، ما منح الأصوات العالية المطالبة بالمساواة في العقاب بينهما ثقة في الاستمرار على هذا المنوال، وتعزز موقف هذه الأصوات، بتوجيه المحكمة اتهامات مباشرة للرئيس المعزول محمد مرسي تتعلق بتخابره لصالح حماس، وضلوع الأخيرة في عملية اقتحام السجون المصرية عقب اندلاع ثورة يناير- كانون الأول عام 2011، وكلها علامات وفرت قاعدة مهمة لأن تتكبد حماس المزيد من الخسائر في المستقبل.

الحاصل أن نظام الإخوان أمعن في تقديم مزايا تفضيلية للحركة وعناصرها، بصورة ضاعفت من شكوك الجهات الأمنية، وحاولت امتصاص الغضب الذي فجرته بعض التصرفات الاستثنائية التي أقدم عليها الرئيس السابق، وتعاملت مع المسألة بدرجة مرتفعة من الهدوء، وهناك سلسلة من الخطوات أقدم عليها الدكتور محمد مرسي أججت الاحتقانات المصرية، الرسمية والشعبية تجاه حماس، فقد توافرت معلومات لدى الأجهزة الأمنية عن تورط عناصر من حماس وبعض حلفائها المتشددين بقطاع غزة، في مذبحة رفح الأولى في أغسطس- آب العام الماضي، وراح ضحيتها 18 جنديا مصريا، ومذبحة رفح الثانية في أغسطس- آب الجاري وراح ضحيتها 24 جنديا.

علاوة على جهود جماعة الإخوان التي سعت إلى توطين آلاف الغزّاويين في سيناء، قيل أن ذلك كان ضمن مخطط تتبناه الولايات المتحدة واسرائيل، ومنح المئات منهم الجنسية المصرية لتسهيل عملية التوطين والتملك، وقد وصل الأمر إلى اتجاه محمد مرسي لمنح الجنسية لكوادر تنتمي لحماس قابعة في سجون اسرائيل، والاتفاق مع الأخيرة على الإفراج عنهم باعتبارهم مصريين، لكن حكومة نتانياهو تحفظت على الصفقة التي كانت سوف تحصل بموجبها على مزيد من التفاهمات الأمنية والسياسية، لأن المطلوب الإفراج عنهم ثبت تورطهم في أعمال ضد مصالح اسرائيل، ولا يعني تعطل هذه الصفقة أن تل أبيب لم تحصل على مكاسب، فخلال الفترة القصيرة لحكم الإخوان، وقّعت حماس اتفاقا معها كانت مصر هي الضامن له، وحوى في أحد بنوده وقف عمليات المقاومة ضد اسرائيل.

المهم أن حماس أصبحت محشورة في الأزمة المصرية، بين خيارين، الأول اعتبارات الأيديولوجيا التي تفرض عليها مواصلة طريق مساندة الأشقاء الإخوان، وبالتالي احتمال أن يتزايد ثمن التكاليف السياسية والأمنية، والتي ظهرت تجلياتها في حملات المطاردات المتنوعة، وهدم عدد كبير من الأنفاق، والإغلاق المتكرر لمعبر رفح، والترويج للاستفادة من معبر بيت حانون (إيريز) بين الضفة والقطاع، ما يقلل من أهمية المتاجرة بفكرة الحصار المفروض على غزة، حيث دخل المعبر حيز الخدمة وأصبح مفتوحا لمرور البضائع من اسرائيل إلى غزة، كبديل للأنفاق السرية ومعبر كرم أبو سالم.

أما الخيار الثاني فهو يتعلق بحتمية الميل نحو التهدئة، لأن المباراة انتهت بخسارة الإخوان بالضربة القاضية، وأية محاولات لإنقاذها لن تكون مجدية، ويمكن أن تفضي إلى استهداف حماس، تمهيدا لتفكيك هيمنتها على قطاع غزة المجاور للحدود المصرية، وهو ما يصب في حصالة حركة فتح، خاصة أن تورط عناصر من حماس في العمليات الإرهابية بسيناء ربما يضر بسمعتها، حيث تعتقد بعض الجهات أنها حركة اسلامية معتدلة، وفي جميع الأحوال، أضحت حماس جزءا من الأزمة الحالية في مصر، والتعامل معها سينطلق من هذا المحدد، الذي قد تكون له تداعيات على القضية الفلسطينية برمتها.

9