حماس والجهاد تتألمان لغياب سليماني

قدم التفاعل السياسي من جانب حماس والجهاد مع طهران رسالة استقبلتها الأخيرة ليس لنفي أنها صانعة للميليشيات الشيعية في المنطقة، بل حاضنة لحركات وجماعات سنية.
الاثنين 2020/01/06
مبالغة في التقدير والتعاطف

نعتْ بعض القوى العربية مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني. وبدا نعي كلّ من حركتي حماس والجهاد الفلسطينيتين لافتا للأنظار، من حيث المبالغة في التقدير والتعاطف، وكلمات التنديد والمواساة، بما يوحي أن يديه كانتا بيضاء معهما، في وقت أُتّهم فيه بتلطيخهما بدماء ضحايا عديدين في المنطقة العربية.

يعيد الألم السياسي والأمني على مصرع سليماني وتطييب خواطر المسؤولين وتلقي العزاء على روحه من خلال سرادق أقيم في قطاع غزة، السبت، التذكير بأن له مكانة خاصة على الساحة الفلسطينية، وكل ما قيل عن تحجيم الروابط المعنوية والمادية مع إيران في هذه المرحلة انصبّ غرضه في الحفاظ على ما تبقى من تهدئة مع إسرائيل، وعدم استفزاز الدول العربية المتضررة من تنامي العلاقة مع طهران.

يؤدي رحيل سليماني في هذه الأجواء إلى خلط الكثير من الأوراق في المنطقة. فمرحلة ما بعد استهدافه سوف تكون مختلفة عما كان سائدا قبلها بوقت قصير، حيث بدت العلاقة القوية التي شيدها مع بعض الحركات النشطة في المنطقة محل رفض من قبل قوى إيرانية رأت أنها ذات تكلفة اقتصادية عالية وطالبت بفرملتها.

تعمدت بعض الحركات آنذاك، وفي مقدمتها حماس والجهاد، توصيل رسائل سياسية بأن العلاقة مع طهران أصبحت منضبطة، ولن تتجاهل التطوّرات الإقليمية، وتضع في حسبانها المواقف العربية الرافضة للتمدد الإيراني، وجملة الإجراءات الدولية التي تبنت تصورات مضادة لسياسات طهران، خاصة في العواصم التي تفاخر قاسم سليماني بأن بلاده لها حضور طاغ بها، وهي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

حاولت حركة الجهاد الإسلامي في ظل أمينها العام الجديد، زياد نخالة، أن تبدي قدرا من المرونة في محيطها العربي، ومداراة علاقتها الوثيقة مع إيران، الأمر الذي فسره البعض بأنه تراجع في الانسجام الكبير بين الطرفين، والجهاد في سبيلها للانخراط في اللعبة السياسية وفقا للقواعد التي يجري تحديدها في حالة غياب تأثير إيران.

تعتقد حركة الجهاد أن لحظة المواجهة حانت مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وانتهى عهد المناورات، بالتالي قد يكون لها دور في هذه الأطر يعيد العافية السابقة لسلاح المقاومة، وهي تجيد هذه اللعبة أكثر من غيرها

وجد هذا الاعتقاد تجاوبا في محيط بعض الدوائر السياسية التي طربت للحديث عن كسر في علاقة الجهاد بطهران خلال عهد نخالة، وانتهاء مرحلة الوئام التي سادت مع أمين الحركة السابق، رمضان عبدالله شلّح، ما يعني أن هناك توازنات جديدة على الساحة الفلسطينية. وانخفض مستوى العلاقات المعلنة مع تصاعد حدة الرفض لكثير من توجهات إيران في المنطقة.

وجدت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد، والتي لم تنتقم لمصرع قائدها الميداني بهاء أبوالعطا في غزة بمعرفة قوات الاحتلال الإسرائيلي، فرصة مع مقتل سليماني عبر طائرة أميركية مسيرة في العراق، للربط بين الجهتين المسؤولتين عن مصرعهما، ما يتيح ذريعة لعدم مبارحة معسكر إيران وتخطي فترة الخمول.

كذلك قفزت كتائب شهداء عزالدين القسام، الجناح العسكري لحماس، على ظهر حادث سليماني واستثمرته سياسيا، في وقت يقوم فيه رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية، بجولة في المنطقة أوصلته إلى مصر وتركيا وقطر، ومرجح أن يزور إيران ويكسر تحفظا عربيا على أن تشمل جولته الراهنة هذه المحطة، فقد يجد في مصرع قائد فيلق القدس مبررا منطقيا لزيارة مؤجلة لطهران.

ليست العبرة في الزيارة بحد ذاتها، لكن ما تعنيه من مضامين هو الأهم، حيث تستعيد حركة حماس زخم علاقتها مع طهران وتقترب أكثر من محورها الذي يضم الدوحة وأنقرة، بينما هي تتقدم سريعا نحو تثبيت التهدئة مع إسرائيل والتباحث مع وسطاء بشأن هدنة طويلة الأجل معها.

تمنح هذه المكونات فرصة لعودة إيران إلى الساحة الفلسطينية، خاصة إذا كان من بين أهدافها توجيه ضربة عسكرية إلى إسرائيل ذاتها، ردا على مصرع سليماني بمعرفة القوات الأميركية، كنوع من الرغبة في تداخل الخيوط أو ما يسمى بـ”الفرار إلى الأمام”، وهي تعلم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعمّد تنحية إسرائيل وعدم اقترابها مباشرة من عملية اغتيال قاسم سليماني، وأبومهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي بالعراق.

قدم التفاعل السياسي من جانب حماس والجهاد مع طهران رسالة استقبلتها الأخيرة ليس لنفي أنها صانعة للميليشيات الشيعية في المنطقة، بل حاضنة لحركات وجماعات سنية، لاسيما أن تنظيم الإخوان المسلمين ذرف الدموع على مصرع سليماني. وربما تذهب محاولات من يطالبون إيران برفع يدها عن العراق ولبنان أدراج الرياح، لأنها تسعى نحو استغلال الحادث سياسيا وأمنيا.

نجحت طهران في توظيف بعض المواقف الحركية والشعبية الرافضة لاستهداف سليماني في الإيحاء باستعادة دورها كمحركة للأحداث، فقد منحتها العملية وقتا لالتقاط الأنفاس، فهي هدية لتحويل الأنظار في الوقت الراهن على الأقل بعيدا عن تدخلاتها السافرة في العراق ولبنان.

كما أنها أداة لتقليل حجم اتهامها بتسخين الأوضاع في البلدين عبر أذرعها الأمنية، فالبوصلة بدأت تتجه نحو واشنطن، ويتم النفخ في هذه المسألة لإحلال أزمة مكان أخرى، وتصبح الولايات المتحدة الأزمة الحقيقية في المنطقة وليست إيران.

قفزت كتائب شهداء عزالدين القسام، الجناح العسكري لحماس، على ظهر حادث سليماني واستثمرته سياسيا، في وقت يقوم فيه رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية، بجولة في المنطقة أوصلته إلى مصر وتركيا وقطر

مهما كان ردّ فعل طهران للانتقام من واشنطن، في العراق أو سوريا أو لبنان أو قطاع غزة أو حتى عن طريق الحوثيين في اليمن، فسوف تحرص على استمرار توجهات سليماني وفيلقه، حيث قام الرجل بهندسة جزء كبير من ممارسات إيران ورسْم جانب من سياساتها في المنطقة، من خلال توزيع الأدوار على الميليشيات والعناصر الحركية، وبينها حماس والجهاد.

تتصور حركة حماس، خطأ، أن براغماتيتها الطاغية تمكنها من التحصل على استفادة أحادية من دون تقديم مقابل معلوم لطهران، لأن الأخيرة تبحث عن ردّ مناسب على الولايات المتحدة، ويصعب على حماس أن تحصل على مكان خارج اللحظة الإيرانية، طالما ارتضت أن تكون قريبة بدرجة واضحة، حتى لو كان هذا الاقتراب من خلال سرادق عزاء أو عبارات مواساة، فهي تنطوي على دلالات كافية في المحتوى النهائي.

تعتقد حركة الجهاد أن لحظة المواجهة حانت مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وانتهى عهد المناورات، بالتالي قد يكون لها دور في هذه الأطر يعيد العافية السابقة لسلاح المقاومة، وهي تجيد هذه اللعبة أكثر من غيرها، ولم تستطع التكيف مع المستجدات التي فرضت عليها التصرف بواقعية سياسية لم تعهدها.

إذا كان مصرع سليماني له تداعيات كبيرة على إيران في الداخل والخارج، فإن ارتداداته لن تكون غائبة عن الجماعات والميليشيات التي نسج معها روابط عسكرية خفية ومتشابكة، فإما أن تدور في فلك من يخلفه، وإما تعاني من خلل وعدم اتزان، بعد أن اعتادت التعاطي مع كثير من الأزمات تحت مظلته.

تبدو المنطقة أمام لحظة فرز إقليمي، قد يعيد إلى إيران ترميم علاقاتها أو تتدحرج بعيدا، وتضطر إلى تبني نهج مغاير يقودها إلى الانكفاء. وهو ما يصعب قبوله من قيادتها وحلفائها المؤدلجين، لأنه يحمل عوامل فناء لمشروع يقوم على التوسع والتمدد عن طريق السلاح.

قد يكون تألم حماس والجهاد على رحيل قائد فيلق القدس أداة من أداوت الحرص على الوصل مع طهران، وخوفا من فراغ أو مصير مجهول. لذلك يمكن فهم الحسرة السياسية كاستباق لترتيبات مرحلة ما بعد سليماني، والاستعداد للتمسك بالحفاظ على نهجه كي لا تصبح الحركتان لقمة سائغة لخصومهما وهما بعيدتان عن طهران.

8