حماس والحراك الجهادي المحلي: تغاض ثم نزاع على النفوذ

الوثيقة التي أعلنتها حركة حماس مؤخرا، والتي أعلنت خلالها الركون إلى تنسيب السياسة بدل التشبث بتشنّج الأيديولوجيا، يمكن مقارعتها واختبارها بسجلات التاريخ. تاريخ الحركة في معقلها حيث هيمنت على كل المفاصل ودخلت في علاقات اعتماد متبادل مع التيارات الجهادية ثم أعلنت عليها الحرب حينما تطاولت الأخيرة على ميادين حماس الفكرية والسياسية. علاقة حماس بالتيارات الجهادية في غزة فضحت أولا قربها منها وفضحت ثانيا ازدواجية الحركة في مواقفها الداخلية والخارجية.
الجمعة 2017/05/05
غزة قبل تشتت الأعلام الإسلامية

ليست الحركات السلفية في غزة ظاهرة جديدة، فهناك مجموعات اجتماعية وسياسية غير عنيفة -مثل حزب التحرير- تعمل في غزة منذ الثمانينات من القرن الماضي على الأقل.

لكن خلال العقد الماضي، شهد القطاع صعود عدد صغير من مجموعات السلفية الجهادية غير محكمة التنظيم. ظهرت هذه المجموعات قبيل الانسحاب الإسرائيلي عام 2005، لكنها ازدادت نفوذا في خضم الصدامات بين حركتي فتح وحماس وما أعقبها من سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007.

اعتمدت حماس ممارسات مختلفة في التعامل مع المجموعات السلفية الجهادية مع مرور الوقت، بدءا من التغاضي عن الحراك السلفي الجهادي المحلي وصولا إلى شن حملات ناشطة للتضييق عليه.

وقعت المواجهة الأقوى في صيف 2009، عندما تحدى عبداللطيف موسى، زعيم جند أنصارالله وإمام مسجد ابن تيمية في رفح، حكومة حماس وأعلن إنشاء “الإمارة الإسلامية” في رفح، ما أدى إلى اندلاع مواجهة عنيفة بين أنصاره السلفيين وحكومة حماس أسفرت عن مقتل قادة التنظيم وانهياره.

ومنذ صعود تنظيم داعش في العراق وسوريا صيف 2014، احتدمت الخلافات بين الطرفين. حيث شجع هذا الإعلان عددا من التنظيمات السلفية الجهادية في غزة على إعلان تأييدها للتنظيم. كذلك بايع البعض البغدادي. ضمت هذه الفصائل مجلس شورى المجاهدين وأنصار الدولة الإسلامية وأنصار الشريعة والنصرة المقدسية.

نشأة الكثير من الجماعات الجهادية المتشددة في غزة وتمدد نشاط بعضها واستقطاب بعضها الآخر لعناصر من فصائل أخرى، كانت من نتائج المرونة الأيديولوجية والاستراتيجيات المزدوجة لحركة حماس

وظهرت منذ ذلك الوقت رغبة تلك المجموعات في الحضور، عسكريا وسياسيا واجتماعيا، في المجال العام بشكل أكبر، ومن ذلك على سبيل المثال: صدر عن الجماعة التي تزعم أنها تمثل “ولاية غزة” عدد من البيانات، وزعمت مسؤوليتها عن العديد من الهجمات منذ أواخر 2014. فمثلا ادعت الجماعة مسؤوليتها عن الاعتداء على المركز الثقافي الفرنسي بمدينة غزة في أكتوبر 2014. بعدها بشهر أصدرت الجماعة بيانا تطالب فيه النساء بالالتزام بالقواعد الإسلامية فيما يخص الزيّ. وفي ديسمبر 2014 أصدرت الجماعة بيانا تهدد فيه بقتل كتّاب وشعراء في غزة إذا لم يتوقفوا عما اعتبرته “إهانة للإسلام”.

وقبل ذلك كانت عناصر جهادية في رفح جنوب غزة قد أقامت، في 12 يونيو 2014، مهرجانا خطابيا لدعم داعش رفعت خلاله أعلام التنظيم وأطلقت الشعارات المؤيدة لإنشاء “خلافة إسلامية”.

خلال عملية “الجرف الصامد” حملت مجموعة من السلفية الجهادية على موقع يوتيوب، يوم 8 يوليو 2014 شريطا يظهر توثيقا لعدد من الأحداث التي أُطلقت خلالها القذائف الصاروخية على إسرائيل. حيث تضمن ما لا يقل عن عشر عمليات لإطلاق الصواريخ على إسرائيل من موقعين أو ثلاثة. وحمل الشريط عنوان “الحركة السلفية الجهادية في غزة”.

إن نشأة الكثير من الجماعات الجهادية المتشددة داخل قطاع غزة وتمدد نشاط بعضها واستقطاب بعضها الآخر لعناصر من فصائل أخرى على رأسها حماس، كانت من نتائج المرونة الأيديولوجية والاستراتيجيات المزدوجة لحركة حماس. إذ باتت هذه الجماعات حاضنة الجذب الجديدة لعناصر حماس الأكثر التزاما من الناحية الأيديولوجية والساخطة على ممارسات رأت أنها تخالف عقيدة التنظيم، أبرزها دخول الحركة انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني 2006. إذ أن الديمقراطية، في عقيدة السلفية الجهادية تعتبر شكلا من أشكال الهرطقة، لأنها بحسب زعمها تعطي الناس قوة لا تمنح إلا لله وتسمح لهم بإضفاء الشرعية على ما حرّمه الله.

كذلك، انتقدت السلفية الجهادية -في السابق- صلات حماس وعلاقاتها بحزب الله وإيران، وكانت ترفضهما على خلفية شخصيتهما الشيعية. وكانت ترفض اتصالات حماس بسوريا (كان ذلك قبل خروج حماس من دمشق عام 2011) على خلفية الهوية العلوية العلمانية لبشار الأسد ونظامه. وارتفع سقف هذه الانتقادات إلى حد وصم حماس بأنها داعية التشيع في العالم السني.

خلال الأشهر التي تلت أحداث “مسجد ابن تيمية” في أغسطس 2009 بمدينة رفح، والتي انتهت بمواجهة مع جماعة جند أنصارالله أسفرت عن مقتل زعيمها عبداللطيف موسى وتصفية معظم عناصرها، بدأت حماس في مراجعة داخلية واسعة النطاق. كان من بين أهم عناصرها التوقف لمدة عام عن قبول العضوية الجديدة في جماعة الإخوان المسلمين، وتكثيف المراقبة على الأعضاء لا سيما داخل القسام، إضافة إلى تجميد عضوية من يشتبه في امتلاكه لأفكار تتعارض مع فكر حماس.

كذلك، فإن التغيير في الخطاب الحمساوي، وذلك المؤيد لحماس، عن قضية العلاقات الحمساوية – الشيعية بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، يمكن أن يندرج ضمن عملية التكيّف والتحدي الأيديولوجي للفكر السلفي الجهادي. وبينما كان الخطاب بشأن تحالفات حماس مع الشيعة يتأسس ذات يوم على قاعدة “التضامن الإسلامي- الإسلامي”، بات اليوم يتأسس على قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”، أي أن هذه التحالفات هي الضرورة العملية في ظل غياب البدائل.

الأمر الآخر، أن التشكيك في الالتزام الأيديولوجي لحماس وهويتها السنية، كان السبب وراء غياب أعلام حزب الله عن مناسبات حماس، خلافا لما كان يحدث من قبل (قبل تورط الحزب في سوريا)، حيث كانت أعلام حزب الله الصفراء ترفرف إلى جوار أعلام حماس نفسها، وكان أيضا الدافع من وراء امتلاء منتديات حماس الإلكترونية بمنشورات محسوبة على التيار السلفي، وبشجب موسمي للمعتقدات والطقوس الشيعية.

* خلاصة بحث محمد جمعة “حماس وعلاقتها بإيران وأنصار داعش في غزة”، ضمن الكتاب 123 (مارس 2017) “داعش وأخواتها: الفكر- التفكير- النصوص” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13