حماس والسلفيون الجهاديون: المواجهة قادمة لا محالة

يسود تخوف كبير من أن يشهد قطاع غزة حربا دموية جديدة، لكن أشد قسوة، حيث ستفتح جبهة ثالثة، إلى جانب جبهة حركة حماس وجبهة إسرائيل، هي جبهة السلفيين الجهاديين، الذين يناصرون تنظيم الدولة الإسلامية، وتمرّدوا على المصالحة مع حماس في مساع قال محلّلون وخبراء إن هدفها خلق بؤرة توتّر في القطاع تسمح للجهاديين بالتحرّك بشكل أكبر.
الجمعة 2015/06/05
أزمة جديدة في الأفق تعيق إعادة إعمار غزة

غزة - تشهد العلاقة ما بين حركة “حماس” والمجموعات السلفيّة الجهاديّة في غزّة حالة من الشدّ والجذب وعدم الاستقرار لا يستبعد محللون سياسيون وكتاب فلسطينيون، أن تؤدّي إلى اندلاع حرب أخرى بين حركة حماس وإسرائيل في حال استمر إطلاق الصواريخ من قبل التنظيمات السلفية الجهادية في قطاع غزة تجاه البلدات والمستوطنات الإسرائيلية.

وعادت الجماعات السلفية الجهادية المتواجدة في قطاع غزة إلى واجهة الاهتمام، في صعود تقول بينيديتا برتي، الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي، إنه مثار قلق لحركة حماس التي اعتمدت موقفا متشدّدا تجاه هذه المجموعات في الأشهر القليلة الماضية، أملا منها في خنق هذه النزعة في مهدها. وترى مؤلّفة كتاب “التنظيمات السياسية المسلحة”، في دراسة صدرت عن مركز صدى التابع لمؤسسة كارنغي للأبحاث، في عودة نشاط المعسكر السلفي الجهادي في غزة، أن التوازن المعقّد بين الفصائل المسلّحة الناشطة ربما يزداد هشاشة ويصبح أقل استقرارا يوما بعد يوم، وذلك بالنظر إلى سلسلة من الصدامات، التي ظهرت على السطح مؤخّرا، بين حركة حماس والتنظيمات التابعة لما يُسمّى تنظيم الدولة الإسلامية في قطاع غزة.

وتوقّع المحللون أنه في حال استمر إطلاق الصواريخ من قبل تنظيمات سلفية جهادية في غزة، على إسرائيل فإن “كرة الثلج، ستتدحرج إلى واقعٍ أبعد من الرد، ورد الفعل”. وفي أحدث ردّة فعل، شنَّت مقاتلات حربية إسرائيلية، فجر أمس الخميس، غارتين على موقعين تابعين لحركة حماس في قطاع غزة، ردا على إطلاق صواريخ على مناطق إسرائيلية، في عملية تبنّاها تنظيم جهادي غير معروف، يُطلق على نفسه اسم “سرية الشهيد عمر حديد – بيت المقدس”.

وقال التنظيم في بيان نشرته مواقع مقربة من التنظيمات السلفية الجهادية في غزة، إنه أطلق 3 صواريخ من نوع “غراد”، على “عسقلان ونتيفوت ومجمع أشكول”، الساعة 11 من مساء أول أمس الأربعاء، ردا على مقتل أحد الكوادر السلفية، على يد قوات من وزارة الداخلية التي تُشرف عليها حركة حماس بغزة. وأعلن التنظيم ذاته، في بيان سابق نشرته مواقع مقربة من التنظيمات السلفية الجهادية، في غزة، أنه في حل من التهدئة التي أبرمتها حركة حماس مع إسرائيل، وأنه سيواصل إطلاق الصواريخ، مطالبا حركة حماس بالكف عن ملاحقة “الدعاة” و”طلبة العلم”.

وكان الشاب “يونس الحُنر”، وهو أحد نشطاء “السلفية الجهادية” في غزة، قد لقي مصرعه صباح الثلاثاء الماضي، في حي الشيخ رضوان بغزة، وقالت رواية رسمية صادرة عن وزارة الداخلية، إنه قُتل خلال محاولة توقيفه، بعد أن رفض تسليم نفسه، وهدد بتفجير منزله، وبعد أن بادر بإطلاق النار على القوى الأمنية.

الشلل السياسي وتعثر إعادة الإعمار والمشاكل الاقتصادية المستمرة تمثل تهديدا خطيرا على مستوى الدعم لحركة حماس

الجهادية في غزة

ليست الحركات السلفية ظاهرة جديدة في غزة، حيث ترصد بينيديتا برتي، في دراستها، تواجد مجموعات تصفها بـ”الاجتماعية والسياسية غير العنفية”، مثل حزب التحرير، وهي مجموعات تعمل في غزة منذ الثمانينات على الأقل، لكن خلال العقد الماضي، شهد القطاع صعود عدد صغير من المجموعات غير محكمة التنظيم التي تصف نفسها بالسلفية الجهادية.

وظهرت هذه المجموعات قبيل الانسحاب الإسرائيلي في العام 2005، لكنها ازدادت نفوذا في خضم الصدامات بين حركتي فتح وحماس وما أعقبها من سيطرة حماس على قطاع غزة في العام 2007. وتشير الباحثة، هنا، إلى أن هذه الخلايا الجهادية المحلية حافظت على روابط عقائدية مع تنظيم القاعدة، وتنشط في غزة منذ العام 2007. وتعارض هذه التنظيمات حكومة حماس وما تعتبره “اعتدالا في سياستها”، وقامت ببتنّي مجموعة هجمات محدودة في معظمها ضد أهداف داخلية، فضلا عن إطلاق صواريخ على إسرائيل.

ولطالما كانت لحماس علاقة معقّدة مع المجموعات السلفية الجهادية النشطة في غزة، وقد اعتمدت الحركة الإسلامية مقاربات مختلفة في التعامل مع هذه المجموعات مع مرور الوقت، بدءا من التغاضي عن الحراك السلفي الجهادي المحلي وصولا إلى شنّ حملات ناشطة للتضييق عليه. وحتى تاريخه، تذكر بينيديتا برتي، أن المواجهة الأقوى وقعت في صيف 2009، عندما تحدّى عبداللطيف موسى، زعيم جند أنصار الله وإمام مسجد ابن تيمية في رفح، حكومة حماس وأعلن إنشاء “الإمارة الإسلامية” في رفح، ما أدّى إلى اندلاع مواجهة عنيفة بين أنصاره السلفيين وحكومة حماس أسفرت عن مقتل قادة التنظيم وانهياره.

ومنذ ذلك الوقت، لم تشهد العلاقة بين حماس والمجموعات السلفية تحسّنا كبيرا، على الرغم من أنه بعد إطاحة حكومة الرئيس الإخواني محمد مرسي في صيف 2013 في مصر، سعت حماس، وفق بعض التقارير، إلى تجميد النزاع مع المعسكر السلفي الجهادي من خلال محاولتها تحقيق انفراج في العلاقات وتبنّيها جزئيا موقفا أكثر تساهلا.

الوضع في قطاع غزة يشكل بيئة مثالية لتكاثر التنظيمات الجهادية

وتعتقد بينيديتا برتي أن تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية جراء علاقة الحركة الهشّة مع مصر أدّى دورا في دفعها نحو العمل من أجل تعزيز الوحدة داخل القطاع. لكن منذ حرب صيف 2014 مع إسرائيل، احتدمت التشنّجات الداخلية من جديد. فالتيارات السلفية الجهادية تبرز أكثر فأكثر على الخارطة منذ صعود تنظيم الدولة الإسلامية. ودفع صعود داعش، وانفصاله الجزئي عن تنظيم القاعدة، عددا من المجموعات الجهادية التي تتخذ من غزة مقرا لها، إلى تبديل ولائها ونقله من أيمن الظواهري إلى أبي بكر البغدادي.

ويرى الكاتب السياسي عدنان أبو عامر، عميد كلية الآداب بجامعة الأمّة بغزة، أن الجماعات الجهادية في غزة، تفتقد إلى وجود هيكل تنظيمي لها، غير أنه أشار إلى أنها تحاول من باب ما وصفه بـ”المناكفة” أن تتحدى حركة حماس، وأضاف أن “المجموعات السلفية، تحاول أن تبتز حركة حماس، فهي تعرف جيدا أن الحركة لا تريد حربا جديدة مع إسرائيل، كما أن إسرائيل هي الأخرى ليست في وارد الدخول في معركة أخرى مع القطاع”. ويرى أبو عامر، أنه في حال استمر إطلاق الصواريخ، في الأيام المقبلة، من قبل تلك الجماعات فمن الوارد أن تتدحرج “كرة الثلج” إلى واقع يتم فرضه على الجميع.

واستدرك بالقول إن “إسرائيل لن تقبل أن يتم إطلاق الصواريخ بهذه الوتيرة، وربما ترد بحزم أكبر، وهو ما قد يقودنا إلى حرب جديدة قد تكون أكثر عنفا”.

وقد تلجأ حركة حماس، وفق أبو عامر، إلى محاورة هذه المجموعات وقياداتها في قطاع غزة، وتغليب ما وصفه بـ”الصفقة” على “الضربة”، وشدد على أن حركة حماس لا تريد حربا في هذا التوقيت مع إسرائيل.

وتوصلت إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، برعاية مصرية، في 26 أغسطس 2014، إلى هدنة طويلة الأمد بعد حرب امتدت لـ51 يوما، وتضمنت بنود هذه الهدنة استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية غير المباشرة في غضون شهر واحد من بدء سريان وقف إطلاق النار. وتوافق الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي، في 23 سبتمبر 2014، على عقد مفاوضات غير مباشرة، بوساطة مصرية، بهدف تثبيت التهدئة. ولم يتم تحديد موعد جديد لاستئناف تلك المفاوضات حتى الساعة.

وتلتزم الفصائل الفلسطينية، بوقف إطلاق النار، لكن جماعات جهادية، تواصل بين الفينة والأخرى، إطلاق بعض الصواريخ على إسرائيل، رافضة الالتزام بالاتفاق. ويرى طلال عوكل، الكاتب السياسي في صحيفة الأيام الفلسطينية الصادرة من رام الله في الضفة الغربية، أنّ الحكومة الإسرائيلية بزعامة بنيامين نتنياهو لن تتهاون مع إطلاق الصواريخ من غزة.

موشيه يعلون: عدم إطلاق حماس للصواريخ لا يعفيها من المسؤولية

وتابع مؤكّدا أن “إسرائيل تعلم أن من يقف وراء إطلاق الصواريخ هي تنظيمات سلفية تريد أن تتحدى حركة حماس، وتسعى إلى ابتزازها لتحقيق مطالبها المتمثلة في إطلاق السلفيين الذين تعتقلهم، لكن إسرائيل لا ترى في غزة سوى حماس التي تسيطر على القطاع، وتحملها مسؤولية أي توتر ميداني”.

وأضاف عوكل، أن إسرائيل قد ترد في الأيام المقبلة بحزم على أي صاروخ قادم من غزة، وهو ما يدفع الأمور نحو “التوتر الأمني”، وصولا إلى معركة عسكرية كبيرة. واستدرك بالقول “لنفترض أن إسرائيليا قُتل بسبب الصواريخ القادمة، أو أن إسرائيل اغتالت قيادات التنظيمات التي تطلق الصواريخ، هذا المشهد يدفعنا نحو مشهد مماثل لما سبق للحرب الأخيرة، وقد نشهد تصعيدا عسكريا كبيرا”.

تراقب حماس عن كثب وبقلق صعود المعسكر السلفي الجهادي على الساحة العامة، عكست ذلك الحملات الأمنية التي تشنّها الحركة على السلفيين الجهاديين، وتشن الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية في قطاع غزة، بشكل مستمر حملة اعتقالات ضد أنصار الجماعات السلفية الجهادية، التي تتهم بدورها حركة حماس، بالكفر والردة عن الإسلام.

وفي سياق تحليلها لتجلّيات وتحدّيات قلق حماس، ذات التوجّهات الإخوانية، من التنظيمات السلفية الجهادية، ترى الباحثة بينيديتا برتي، في دراستها التي حملت عنوان “حماس ومشاكلها مع الدولة الإسلامية”، أن الحركة ليست مهدّدة عسكريا، في المرحلة الحالية، من الصعود الظاهري لهذه المجموعات غير محكمة التنظيم وغير المتطورة في معظمها، وما تبديه من عداء متزايد للحركة. لكن في الوقت نفسه، يثير صعود المعسكر السلفي الجهادي، في أحدث تجلّياته، قلق حماس على الصعيد السياسي.

قلق حماس

يطرح هذا الأمر، وفق برتي، عددا من التحديات على حركة حماس التي تتخبّط أصلا لمعالجة المشاكل الاقتصادية الحادّة في قطاع غزة؛ فالإغاثة المنشودة التي كان يُفترَض أن تصل إبان الإعلان عن تشكيل حكومة الوحدة في ربيع 2014 لم تتبلور بعد، كما أن الأضرار التي تكبّدتها غزة جراء حرب صيف 2014 مع إسرائيل وتعثّر إعادة الإعمار، أدّيا إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها القطاع وعجز حكومة حماس إلى حد كبير عن تسديد رواتب أكثر من 40 ألف موظف، ما يتسبّب في تعاظم الاستياء داخل غزة وارتفاع وتيرة الإضرابات التي يتوسّع نطاقها أكثر فأكثر.

وقد أثبتت الدراسات أن تردّي الوضع الاجتماعي وتعاظم الاستياء في صفوف المواطنين يعتبران من أبرز الأسباب التي تدفع بهم إلى الانضمام إلى المجموعات المتشدّدة، مثل التنظيمات المؤيّدة لتنظيم الدولة الإسلامية، وغزّة ليست بمعزل عن ذلك، بل تتوفر فيها كل المؤهّلات التي تساعد الجهاديين على استقطاب مجنّدين جدد.

التنظيمات السلفية تتحدى حماس وتسعى إلى ابتزازها لتحقيق مطالبها المتمثلة في إطلاق السلفيين الذين تعتقلهم

ويمكن أن يكون بعض هؤلاء المجنّدين من داخل صفوف حماس، وفق الباحثة بينيديتا برتي، إذ أن هذه المجموعات قد تتمكّن من تجنيد مقاتلين مهمّشين غاضبين من حرمانهم من التعويضات المادية أو من توقّف النضال المسلّح ضد إسرائيل.

ومن شأن حماس، التي تركّز كثيرا على الحفاظ على الوحدة والتماسك والمعنويات في صفوفها، أن تجد في هذه الانشقاقات إشكالية كبيرة جدا، وأكثر من ذلك، فمن المتوقّع أن يؤدّي صعود المجموعات المسلّحة المتنافسة إلى تزايد احتمالات اندلاع فتنة داخلية في غزة.

وتذهب الباحثة برتي بالقول إن المعسكر السلفي الجهادي، قد يقرّر، في مسعى منه لإضعاف حماس وتقويض قبضتها على غزة، زيادة وتيرة هجماته الصاروخية على إسرائيل، ما قد يدفع بدوره الأوضاع نحو التصعيد، وهو ما تصبو إليه بشدّة المجموعات السلفية الجهادية. وتخلص إلى أن أنصار تنظيم الدولة الإسلامية والتنظيمات التابعة له يشكّلون شريحة صغيرة جدا من سكان غزة، لكن مزيج الشلل السياسي وتعثّر إعادة الإعمار والمشاكل الاقتصادية، تمثّل تهديدا خطيرا على مستوى الدعم لحماس واستقرار غزة في المدى الطويل.

تردّي الوضع الاجتماعي وتعاظم الاستياء في صفوف المواطنين يعتبران من أبرز الأسباب التي تدفع بهم إلى الانضمام إلى المجموعات المتشدّدة

لذلك، يفرض تصاعد الوضع على حماس فتح حوار عاجل مع المجموعات السلفية الجهادية، قبل أن تصل الأمور إلى حد لا يمكن التراجع عنه، وفق مخيمر أبو سعدة، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة.

ويؤكّد أبو سعدة أن “الوضع في قطاع غزة لا يحتمل حربا أخرى، الحرب الأخيرة لا تزال آثارها في كل مكان، وحركة حماس لا تريد أن تخوض معركة جديدة مع إسرائيل، فهي لم تلتقط أنفاسها بعد، ولكن أن يتم إطلاق صواريخ على إسرائيل بين الفينة والأخرى، فهذا يعيدنا إلى حالة من الرد ورد الفعل لا أحد يعرف إلى أين ستقودنا”.

وحمّل وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعلون حركة حماس مسؤولية إطلاق الصواريخ ، مشيرا إلى أن “عدم إطلاقها للصواريخ لا يعفيها من المسؤولية”.

ويرى مخيمر أبو سعدة أن حركة حماس وكافة الفصائل والقوى الوطنية مطالبة بالاتفاق على استراتيجية وطنية ملزمة لكل ألوان الطيف الفلسطيني بما فيها المجموعات السلفية، مضيفا “ومن يخرج عن الصف الوطني يتم محاسبته، اليوم قرار الحرب لا يجب أن يكون بيد فصيل أو مجموعة، المسألة تحتاج إلى قرار سياسي وإجماع فصائلي موحد”. ودعا حركة حماس إلى تغليب لغة الحوار على التعامل الأمني مع الجماعات السلفية الجهادية في قطاع غزة.

7