حماس والمهمة الصعبة: ضبط إيقاع الداخل على وقع المتغيرات الإقليمية

يجري تنفيذ التعهدات التي قطعتها حركة حماس لمصر بوتيرة بطيئة جدا، ما عزز هواجس القاهرة بأن قبول الحركة لمطالبها ليس سوى مناورة جديدة هدفها كسب الوقت، ويرى خبراء أن الطرفين تبدو خياراتهما محدودة وبالتالي هما مضطران لأن يساير أحدهما الآخر.
الجمعة 2017/07/14
الحدود مع مصر مشكلة معقدة

القاهرة - تواجه حركة حماس تحديات داخلية وخارجية كبيرة، في ظل عدم ظهور أي مؤشرات تشي بقرب انتهاء الأزمة القطرية بعد فشل وساطة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، وتزايد الضغوط المصرية التي تطالب حماس بالاستجابة لمطالب ترى أنه من الصعب هضمها، وأخيرا وليس آخرا الوضع في القطاع الذي ينحدر بسرعة نحو الأسوأ.

وكشفت مصادر لـ”العرب” أن حماس تعهدت للقاهرة ضمنا بقطع علاقتها مع كل من قطر وإيران، كما وافقت على تأسيس ما عرف بـ”اللجنة الإدارية” لإدارة قطاع غزة بالاشتراك مع القيادي الفلسطيني محمد دحلان، أحد ألد خصومها القدامى، وبتعزيز الأمن على الحدود، ولكن تنفيذ هذه التعهدات يسير بوتيرة بطيئة جدا.

وزاد الهجوم الإرهابي الذي استهدف في 7 يوليو الجاري نقاطا أمنية في مدينة رفح المصرية الحدودية مع غزة وراح ضحيته نحو 26 جنديا مصريا، من إحراج الحركة خاصة وأنه راجت معطيات عن أن ثلاثة من المهاجمين دخلوا من القطاع.

وجدد قادة حركة حماس تعهدهم لمصر ببذل جهود كبيرة لضبط الحدود المشتركة بين قطاع غزة وسيناء ومنع تسلل المتطرفين بعد اكتشاف السلطات المصرية، مؤخرا، ثلاثة أنفاق جديدة تربط بين الجانبين.

ولم تؤكد وزارة الداخلية المصرية حقيقة المعلومات، لكن مصادر أمنية لم تستبعد في تصريحات لـ”العرب” صحتها لأن هناك أنفاقا لم يتم اكتشافها تربط بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية، وأن عددا من المتطرفين مازالوا في غزة لم ينصاعوا لتصورات حماس السياسية التي تعهدت بضبط الحدود.

ويرى البعض من المراقبين أن القاهرة غامرت بالرهان على حماس فهي الطرف الخطأ، ورجحوا عدم قدرتها على تجاوز تناقضاتها والتحرر من إرثها الأيديولوجي وارتباطها التنظيمي بجماعة الإخوان المسلمين، والولاء السياسي للنظام القطري المتهم بدعم الإرهاب وزعزعة استقرار مصر والمنطقة.

وقال خبراء إن حماس تتصرف بانتهازية وتأمل في تجاوز الأزمة السياسية مع قطر لتعود إلى ممارساتها التي تصب في مربع الدوحة، وتنتظر تجاوز أزمة قطاع غزة الخانقة، وهو ما دفعها للتعامل بواقعية مع مصر لتخطي هذه المرحلة الحرجة بأقل خسائر ممكنة.

وتوقفت محطة الكهرباء الوحيدة العاملة في غزة عن العمل، مساء الأربعاء، بسبب نقص حاد في الوقود.

وحذرت شركة توزيع الكهرباء في قطاع غزة والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من “تدهور كارثي” بسبب أزمة الكهرباء التي بلغ العجز فيها 85 بالمئة إثر توقف المحطة.

محمد عبدالمقصود: تحسن الوضع المعيشي لقطاع غزة مرهون بانفراج الوضع الأمني بمصر

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس وبالتنسيق مع إسرائيل أوقف تزويد غزة بالوقود، وقامت مصر بإرسال 4 مليون لتر من الوقود منذ أسبوعين لتشغيل محطة الطاقة لمنع انفجار الأوضاع في غزة، لكن المساعدات المصرية لم تكن كافية لحل الأزمة المتفاقمة.

وقام عباس بزيارة إلى القاهرة الأحد التقى خلالها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للتعرف على حقيقة موقف بلاده مما يجري في غزة، وحدود التفاهمات بين القاهرة وحماس، والتي بدأت تنعكس سلبا على هيبة السلطة الفلسطينية.

ووصف متابعون تفاهمات حماس مع القاهرة بأنها مؤقتة وتكتيكية، واستدل هؤلاء على ذلك بصعوبة أن تجمع القاهرة في سلة واحدة بين موقفها الصارم من قطر وتركيا وإيران وليونتها الحالية مع حماس.

وقال محمد الغباري الخبير الأمني المصري لـ”العرب” إن حماس تفتقر لرفاهية الاختيار، وليس أمامها سوى تجرع المر وإظهار المرونة وفقا للرؤية المصرية.

وأكد أن تجاوب حماس وإطلاقها العهود ليس معناه مقدرتها على تنفيذ ما وعدت به، مشددا على أن المطلوب من الحركة تنفيذه أكبر بكثير من طاقتها.

ويفتح قطع العلاقات مع التنظيمات الإرهابية في سيناء والعناصر التكفيرية المسلحة في غزة، الباب أمام معاناة جديدة لحركة حماس التي تسيطر على القطاع مع المتطرفين الذين لديهم حضور مؤثر في غزة، وخسارة أحد المصادر المالية للحركة التي استفادت ماديا من عمليات التهريب.

ورجح البعض من الخبراء عدم قدرة حماس على تحمل تكلفة المطالب المصرية من تسليم إرهابيين ارتكبوا جرائم في سيناء وهاربين إلى غزة، منهم أعضاء سابقون في الحركة، علاوة على تقديم معلومات وافية عن التكفيريين الذين يقيمون في غزة.

وتعتبر القاهرة تدمير الأنفاق من الداخل الفلسطيني وتسليمها الخرائط التي تحدد اتجاهاتها، مؤشرا على حسن النوايا، لكن مصادر أمنية قالت لـ”العرب” “من الصعوبة حدوث ذلك لأنه يؤدي إلى تغذية نزاعات التمرد لدى الفصائل التكفيرية على حماس”.

وتطالب مصر حماس بالسيطرة على الجناح السلفي المتشدد الذي تضاعف نفوذه في الحركة، وهو الجناح الذي انشق عنه عسكريون محترفون رفضوا تلك التفاهمات.

وأوضح محمد عبدالمقصود الخبير العسكري أن تطوير وتحسين الوضع المعيشي لقطاع غزة برعاية مصرية-خليجية مرهون بتحسن الأوضاع الأمنية وعدم المساس بمصر ووقف التعاون مع أي جماعات إرهابية.

وأضاف لـ”العرب” “من المطالب المصرية عمل نطاق أمني بعمق 100 متر من ناحية رفح الفلسطينية وتدشين أبراج مراقبة وأسلاك شائكة تتولى مسؤوليتها الأجهزة الأمنية التابعة لحماس، على أن تشارك فيها مستقبلا عناصر من الحرس الرئاسي الفلسطيني”.

ومتوقع أن يقلل فتح معبر رفح، بعد تطويره بدعم مادي من دول خليجية، مشاعر الاحتقان في غزة، ويخنق تنظيمات السلفية الجهادية، لكن البعض لا يثق في صدقية قيام حماس بالتضحية بمكانتها في الوسط السلفي ومكونات تيار الإسلام السياسي.

وأكد عدد كبير من الخبراء أن حماس لن توفي بتعهداتها الأمنية لمصر، وسوف تلجأ إلى المسكنات والمناورات، والقاهرة تعرف ذلك جيدا، لكن أولويات ضبط الأمن فرضت عليها تجاهل نقض الحركة لتعهداتها سابقا والتعامل معها حاليا، لانتزاع مكاسب جديدة في ملف التعامل مع الجهاديين عموما.

2