حماس وفتح والقاهرة.. اتهامات وانقسامات تطيل طريق المصالحة

ما تزال مسارات العلاقة بين حركة حماس الفلسطينية والحكومة المصرية غير مستقرة، وسرعان ما انقشعت سحابة الود التي تراءت للمتابعين في الفترة الأخيرة بعد اتهامات الداخلية للحركة بالتورط في اغتيال النائب العام السابق هشام بركات. ورغم رسائل حماس الإيجابية وتعبيرها عن رغبتها في التقليل من حجم التوتر بين الجانبين خلال المرحلة المقبلة، إلا أن قراءة بعض الملاحظين المصريين تصب في إطار مفاده عدم تحمس مصر للدخول في حوار مع قيادات الحركة لحسم جملة من الملفات العالقة بين الجانبين.
الجمعة 2016/03/11
حماس صارت تنتظر على المعبر لتحصيل الأتاوات

القاهرة - جدّد إعلان وزارة الداخلية المصرية قبل أيام اتهام حركة حماس بالتورط في اغتيال النائب العام السابق هشام بركات، الجدل حول شكل الدور المصري تجاه القضية الفلسطينية في الفترة المقبلة، وأعاد دعوات أطلقت في أوقات سابقة بأن ترفع القاهرة يدها عن القضية التي لم تجن من ورائها سوى المشاكل.

وهناك من يؤيد قطع العلاقات مع حماس وعدم التعويل على لعب دور الوساطة في المصالحة بينها وبين حركة فتح، لأن حركة حماس، المسيطرة على قطاع غزة، لن تتخلى عن عدم رغبتها في المصالحة الفلسطينية باعتبارها منظمة انفصالية لا تريد توافقا مع الضفة الغربية، بقدر ما تريد إقامة إمارة إسلامية.

وكان وزير الداخلية المصري اللواء مجدي عبد الغفار قد اتهم جماعة الإخوان المسلمين بالمسؤولية عن اغتيال النائب العام هشام بركات في يونيو 2015، وحركة حماس بالإشراف على تنفيذ العملية بالكامل.

ومن جانبها نفت حركة حماس هذه الاتهامات واعتبرتها «استهدافا سياسيا للشعب الفلسطيني ومقاومته»، مؤكدة عدم وجود أي موقوف فلسطيني ينتمي لها في مصر وأنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية المصرية».

مكرم محمد أحمد، الكاتب المصري ونقيب الصحافيين الأسبق، دعا القاهرة إلى التعامل مع الحركة بحذر وعدم اعتبارها شقيقة أو صديقة. وقال في تصريحات لـ”العرب” إن “آلية الردع الأقوى لحماس هي استكمال جهود غلق الأنفاق لحماية الأمن القومي المصري والحيلولة دون معاودة اختراقه لتنفيذ عمليات إرهابية”. وأكد أن “التمييز بين حماس والإخوان خطأ كبير جدا، لأن الأولى ليست سوى جناح عسكري للتنظيم الدولي والجماعة المصنفة على قائمة التنظيمات الإرهابية”.

الاتهام المصري الرسمي لحركة حماس أعاد إلى الأذهان حيثيات حكم محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في 28 فبراير 2015 باعتبار حماس منظمة إرهابية، وهو الحكم الذي ألغته محكمة النقض لاحقا بعدما طعنت فيه هيئة قضايا الدولة (الحكومية).

وقد جاء في الحيثيات “ثبت من القول ما يفيد بأن حركة حماس ارتكبت على أرض مصر أعمال تخريب واغتيالات للمدنيين وأفراد القوات المسلحة والشرطة، فضلا عن تورّطها في انفجارات بمدينة العريش التي أودت بحياة 25 جنديا، كما أن الصواريخ المستخدمة في تلك العملية لا توجد إلا في قطاع غزة، وأن الحركة ارتكبت ما يفيد تهديد أمن الوطن والمواطن وانتهاك سيادة الدولة المصرية نتيجة هذه العمليات الإرهابية”.

مكرم محمد أحمد: حماس منظمة انفصالية وليست سوى جناح عسكري للتنظيم الدولي للإخوان

وكانت حركة حماس قد دعت إلى إقالة وزير الداخلية المصري مجدي عبدالغفار، على خلفية اتهاماته لها بالتورط في عملية اغتيال النائب العام المصري السابق، هشام بركات، العام الماضي. وقال سامي أبوزهري، المتحدث الرسمي باسم الحركة، في بيان منذ أيام “ندعو إلى إقالة وزير الداخلية المصري، عقب اتهامه الباطل لحماس″، مضيفا أن “اتهاماته تمثل إثارة للفتنة والبلبلة، وإساءة للعلاقة بين الشعبين الفلسطيني والمصري”.

عقوبة ذكية

يرى بعض المراقبين أن مصر في سعيها للحفاظ على أمنها القومي، تضع في اعتباراتها متطلبات مليوني فلسطيني يخضعون لسيطرة حركة حماس في قطاع غزة، وأن أعضاء الحركة لا يمثلون سوى 5 في المئة من الشعب الفلسطيني، من ثم تحرص القاهرة على ألا يضر جموع الفلسطينيين من تبعات ممارسات حماس.

كيفية وآليات حصار الحركة دون أن يمتد أثر العقوبات للمواطن الفلسطيني شرحها أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي الزائر بالمعهد الدولي لحقوق الإنسان بستراسبورغ بفرنسا قائلا إن هناك نوعا من العقوبات الذكية، كالتي تلجأ إليها الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، تمس فقط مرتكبي الجرائم دون غيرهم، تتمثل في تجميد أرصدتهم ووضعهم على قوائم الملاحقة الدولية.

وأوضح سلامة، في تصريحات لـ”العرب”، أنه يمكن لمصر اتخاذ قرارات تحد من حركة قادة حماس، مثل حظر دخولهم للبلاد ومنع كافة المؤسسات المصرية من التعامل مع الحركة، مع الأخذ في الاعتبار أن مثل هذه القرارات سياسية سيادية تخضع لتقدير المنوط بهم وضع محددات حماية الأمن القومي.

والمشكلة التي تعوق ملاحقة المتورطين في اغتيال النائب العام المصري أو العمليات الإرهابية المختلفة التابعين لحركة حماس، أنهم مقيمون ما بين غزة والدوحة وأنقرة، وكلها دول لا يوجد لمصر معها اتفاقيات تبادل المتهمين. لكن، جمال عثمان، اللواء المصري السابق بالإنتربول، أشار إلى أن هناك وسائل بديلة أخرى يمكن لمصر اللجوء إليها، حيث توجد 180 دولة حول العالم موقعة على الاتفاقية الدولية لتسليم المطلوبين لجهات قضائية، ويمكن بعد صدور قرارات من النيابة المصرية بضبط وإحضار المتهمين إبلاغ مكاتب الإنتربول حول العالم لوضع أسمائهم في النشرة الحمراء. من ثم القبض عليهم وتسليمهم لمصر حال دخولهم أيا من تلك الدول، الأمر الذي يعني فعليا أن يظل المشتبه بهم سجناء داخل غزة وتركيا والدوحة دون القدرة على الحركة في أي دولة أخرى.

وجهة نظر أخرى، تمثلت في تأكيد عدد من المتابعين على أن الأمن القومي المصري يقتضي الإبقاء على قنوات مفتوحة للتواصل بشكل دائم مع قادة حماس سواء في أوقات هدوء العلاقات أو في أقصى حدود التوتر، حفاظا على دورها التاريخي تجاه القضية الفلسطينية، ومحاصرة أي خطط مستقبلية إسرائيلية / حمساوية لتفجير الوضع في غزة وإلقاء اللوم على مصر كما حدث من قبل.

في الأثناء ذكرت حركة حماس، الخميس، أن الاتصالات مع السلطات المصرية “مستمرة”، لاستكمال التقارب الذي طرأ مؤخرا على العلاقة الثنائية بينهما، رغم اتهامها مؤخرا بالتورط في عملية اغتيال النائب العام المصري السابق، هشام بركات. وقال إسماعيل رضوان، القيادي في الحركة “رغم كل ما جرى مؤخرا، والاتهامات الباطلة بحقنا، إلا أن الاتصالات مع الجانب المصري، مستمرة من أجل تهدئة الأوضاع واستكمال التقارب الإيجابي الأخير وما طرأ على العلاقة الثنائية من تحسن وتوازن. وأكد رضوان جاهزية حركته لزيارة القاهرة والسفر في حال دعوتها من الجانب المصري، لاستعادة ما وصفه بـ”دفء العلاقة” بين الطرفين.

انتفاضة ضد حماس

حالة التململ الفلسطيني من مغامرات حماس السياسية لخصها أيمن الرقب، أستاذ القانون الدولي الفلسطيني الجنسية، لـ”العرب” بقوله إن السلوك السياسي للحركة يضر مصالح الفلسطينيين أنفسهم، وإن كانت نجحت في انتخابات أجريت في ظروف معينة فإن الغالبية العظمى للشعب يرفضونها الآن، مثلها مثل إخوان مصر الذين نجحوا في الانتخابات بعد ثورة يناير، لكن الشعب طردهم من الحكم بعد أقل من عام عندما اكتشف سوءاتهم.ورأى الرقب أن حماس تتعمد إفشال المصالحة بعرقلة تطبيق بنودها على الأرض، مضيفا لـ”العرب” أن الحركة تتعمد مواصلة تكتيكها الذي اتبعته منذ ثورة 30 يونيو عبر الإساءة لمصر والتحريض على النظام القائم ووصف الثورة بالانقلاب.

وهو تدخل سافر في الشأن المصري، إلا أن إعلان وزارة الداخلية تورطها في اغتيال النائب العام السابق أثبت تطور التدخل من مجرد التحريض الإعلامي إلى ارتكاب جرائم على الأرض.

ونوه إلى أن حركة فتح لن تبيع مصر بتاريخها الداعم للقضية الفلسطينية لتشتري حركة حماس، وفي حال إصرار الأخيرة على تغليب انحيازها للإخوان عن قضايا شعبها لن يكون أمام فتح سوى دعوة مليوني مواطن فلسطيني في غزة للانتفاضة للخلاص من الاحتلال الحمساوي الذي يفرض نفسه على القطاع بقوة السلاح، أو إجبار الحركة على العودة للانتخابات التي تفر منها لإدراكها تآكل شعبيتها”.

أيمن الرقب: سياسات حركة حركة حماس تضر الفلسطينيين قبل المصريين

وكانت حركة فتح قد أكدت مؤخرا على لسان عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية للحركة التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن من متطلبات نجاح المصالحة مع حركة “حماس” إنهاء كل أشكال تدخلها في الشؤون الداخلية لمصر.

وشدد الأحمد على أن “أمن مصر من أمن فلسطين وصمام للأمن القومي العربي، ومن حق مصر الحفاظ على أمنها القومي وبالطريقة التي تراها مناسبة، والقيادة الفلسطينية تلتزم بذلك وكانت وستكون إلى جانب مصر قولا وفعلا”.

الجهود المتواصلة للنظام المصري لرأب الصدع الفلسطيني طوال السنوات الأخيرة لم تكلل بالنجاح، سواء لتفعيل المصالحة الفلسطينية، أو تشكيل حكومة وحدة وطنية لتوحيد جهود الفلسطينيين في مواجهة الاحتلال، وخلق توافق حيال النقاط الخلافية المتعلقة بالترتيبات الأمنية بقطاع غزة والمعابر، وهو الاتفاق الذي وقع في القاهرة قبل عام ويقضي بوجود قوات من الحرس الرئاسي تتولى ضبط الأمن على الحدود مع مصر، لكن حماس أعاقت تنفيذه بإصرارها على بقاء عناصرها في إدارة معبر رفح وهو ما جرى حوله التشاور مؤخرا في الدوحة.

وجدّد هذا الجمود المتعمد محاولات قطرية تركية لسحب ملف رعاية المفاوضات من مصر، لكن إصرار حركة فتح فوّت الفرصة عليهما، حيث أكد عزام الأحمد، عضو اللجنة المركزية للحركة ورئيس وفد المفاوضات، في أكثر من تصريح إعلامي على التمسك بما تم التوافق عليه في مفاوضات القاهرة.

وكان أبرز ما تم الاتفاق عليه أمنيا في القاهرة تسليم أمن الحدود مع مصر والمعبر من الجانب الفلسطيني للأمن الرئاسي التابع لحركة فتح، حيث يصب في صالح الأمن القومي المصري والفلسطيني معا لما يترتب عليه من أحكام السيطرة على الإنفاق ووقف تهريب السلاح والأفراد للأراضي المصرية.

لكن مصدرا بالحرس الرئاسي الفلسطيني، طلب عدم ذكر اسمه، قال لـ”العرب” إنهم لا يريدون السيطرة على الحدود “حتى لا نكون نحن في الواجهة بينما حركة حماس تحفر الأنفاق وتمر لسيناء من أسفل أقدامنا دون أن ندري”.

12