حماس ومغزى المواجهة مع مصر

الاثنين 2014/03/03

لم يكن الكثير من المصريين يرغب في تدهور الأمور مع حماس، وسعت جهات رسمية متعددة إلى ردم الهوة، وتطويق النار التي اشتعلت بسبب الاتهامات التي وجهت إلى الحركة، بعد أن أشارت أصابع أمنية إلى تدخلها بالعبث في الأمن المصري، ودعمها للإخوان، لكن يبدو أن قيادات لحماس، في الداخل والخارج، مصممون على الانجرار لمواجهة مفتوحة مع مصر، فيوم الجمعة الماضي تجمعت مجموعة من المنتمين إليها قرب الحدود مع مصر، احتجاجا على غلق معبر رفح، وعدد من الأنفاق تستخدم في تهريب البضائع والأسلحة، بعد وقفة سابقة لأعضاء في المجلس التشريعي في غزة، وعدم استبعاد عقد اجتماع لحكومة إسماعيل هنية المقالة اجتماعا في المكان نفسه.

التجمع قرب الحدود المصرية في هذا التوقيت، أثار علامات استفهام كثيرة، لأنه بدا كأنه تحرش من قبل قيادات حماس بالسلطات المصرية، وقياس للمدى الذي يمكن أن تصل إليه العلاقات المشتركة، بعد تدهورها في الآونة الأخيرة، وإرسال تهديدات لا تستبعد القيام بعملية “تأديب” عسكرية داخل القطاع، تثبت أن صبر مصر نفذ فعلا، فهناك أدلة أكدت تورط حماس بالتدخل في الشأن المصري، وأن هدم الأنفاق لم يردعها، لذلك أرادت الحركة جسّ النبض من خلال تجمعات أنصارها بالقرب من الحدود، في رسالة عنوانها الظاهر إنساني، يقول إن ثمة معاناة شديدة لمواطني غزة، جراء “الحصار الظالم” الذي تفرضه مصر العربية على أشقائها الفلسطينيين، أما عنوانها الخفي فيقول، الحركة يمكن أن تكرر اجتياحها للحدود وتدخل الأراضي المصرية، بما يعيد إلى الأذهان الطوفان البشري الذي دخل سيناء قبل سنوات، وكاد يشكل معضلة للقاهرة، التي استوعبت الدرس وسدت منافذ مختلفة، كانت مفتوحة لأسباب إنسانية.

التلويح ضمنيا بالسيناريو ذاته، يعني أن الحركة في مأزق حقيقي، ليس بسبب غضب القاهرة من قياداتها فقط، لكن لأن التطورات السياسية على صعيد طبخة التسوية التي يقودها وزير الخارجية الأميركي جون كيري أحرجتها، وجعلتها مطالبة بالرفض صراحة والدخول في حلقة من الصدام مع واشنطن، يمكن أن تتكشف من ورائها أسرار لا تستحبّ معرفتها، أو قبول الطبخة وتأكيد المعلومات التي ترددت حول وجود علاقة خفية وثيقة مع الإدارة الأميركية، وانتقال حماس من معسكر الصقور إلى الحمائم، وتبدو فتح هي حركة المقاومة، لأنها لم تأل جهدا في الإعلان عن تحفظها على خطة كيري، لذلك تحاول حماس البحث عن ثغرة تخرجها مؤقتا من مأزقها، ورأت أن الاحتكاك بمصر يحقق لها فوائد متعددة، في مقدمتها، تخفيف حدة الورطة مع أميركا، وتصفية حسابات مع مصر التي لم تغفر لها خطاياها، وتوجيه غضب أهالي القطاع إلى صدر القيادة المصرية، بزعم أنها تقف وراء حصار غزة، مع أن حدود القطاع مفتوحة حاليا مع إسرائيل برا وبحرا.

من جهة ثانية، تريد حماس إضافة ورقة جديدة للإخوان في مناوشاتها مع الحكومة المصرية، حيث تتعرض الجماعة لضغوط أمنية وسياسية هائلة، بعد تورطها في عمليات إرهابية، وتسعى إلى التخلص منها، سواء عبر صفقة سياسية رضائية، لم تجد آذانا صاغية لها حتى الآن، أو عبر الاستمرار في إرهاق الأجهزة الأمنية وإجبارها على تحقيق ولو جزء من مطالب الإخوان، وفي الحالتين يشير دخول حماس على خط المواجهة مع مصر، إلى نتيجتين، الأولى أن مصر ليست لديها رفاهية التسامح مع الحركة، عقب سلسلة من الأخطاء ارتكبتها قياداتها في السنوات الماضية، والثانية أن حماس والإخوان “إيد واحدة”، وبالتالي يتوقع المزيد من التلاحم الأمني، إلى جانب التلاحم السياسي الذي ظهرت معالمه منذ فترة، واعترفت به قيادات الإخوان وحماس.

الواقع أن تفعيل ورقة حماس بلا مواربة، يؤكد أن جماعة الإخوان تساقطت منها غالبية أوراقها المحلية والإقليمية، أو على الأقل فقدت مفعولها السياسي، فقطر التي بذلت جهودا مضنية خلال الفترة الماضية لم تعد قادرة على التأثير بقوة، وأن سياساتها الداعمة للإخوان أدخلتها في مشكلات مع أشقائها في مجلس التعاون الخليجي، كما أن تحولها إلى ساحة لاستقبال الفارين واللاجئين والمجرمين، بدأ يؤدي إلى صداع مزمن في الداخل، حيث تزايد امتعاض قطاع من المواطنين القطريين من هذه السياسة، كما أن رجب طيب أردوغان رئيس وزراء تركيا تراجع إلى الوراء، وسط طوفان أزماته الداخلية، ولم يعد دعم الإخوان يحتل أولوية في أجندته السياسية، والولايات المتحدة منكبة على تصحيح أوضاعها في قائمة طويلة من الأزمات، ووجدت أن الاستمرار في تأييد الإخوان سوف يكبّدها المزيد من التكاليف الباهظة، وقد يكون ظهور حماس، الابن النجيب للجماعة، في الوقت الراهن محاولة لوقف نزيف الخسائر، والإيحاء بأن الإخوان لا زالوا على قيد الحياة السياسية، والحكومة المصرية لن تتخلص من مطباتها، وتبقى حماس منغصا في الخاصرة الشمالية، وتصبح المواجهة معها مفتوحة على سلسلة من المخاطر.


كاتب مصري

9